طيوب النص

مازلت أفكر بك

أنيس البرعصي

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد

 
مساء الخير بتوقيت الساعات المعطلة
والكلاب المبللة التي توقفت عن النباح منذ قليل..
أكتب لك اليوم
لأني لا أملك كلبة لأخرج برفقتها في نزهة مثل هذا الوقت لنطارد ظلي و الغيوم على أطلال الصابري بعيدا عن (الوجيج).. لا أجد مرادفا لهذه الكلمة في لغتك لكنها أعمق ما يمكن أن أصف به الوضع هنا..
 
ولأن هذه المدينة المملة لا يمكنني الحصول فيها على جارة تعزف البيانو في الغرفة المجاورة
وتنشر النوتات على حبال الغسيل..
وليس فيها سجين يخطط للهرب،
لا لص يفكر بالسطو على بنك
ولا قاتل متسلسل يستمتع بمقطوعة ألباخ بينما يلتقط صورا لضحاياه برفقة دمى غبية أسفل منزله..
 
حتى الجرائم هنا تقليدية ومعاد تدويرها وتحدث لأسباب سخيفة.. هذا ما يحدث في أي مدينة خالية من المعارض والمتاحف والفن المجفف
كما تخلو ضروع الأفاعي من الحليب.. هل لها ضروع؟
لا أعلم..
لكن حياتنا أصبحت كالزواحف..
نتناسل لننقض على بعضنا.
 
حتى الآن مازلت لا أملك جواز سفر لأخرج من هذا البلد
كما تخرج الشتائم من أفواه الأطفال،
ولا أعتقد بأنني سأحصل عليه بطريقة شرعية..
ثمة من يلمح برشوة وآخر يقترح أن أصاب بمرض قاتل لأحصل على تقرير طبي مستعجل
يسهل استخراج هذا الجواز المقدس،
 
لكنني مازلت اتدرب على لقائك..
تحديدا على مشهد تقديم باقة الورد..
رغم أني حملت جثثا متفحمة وشيعت جنائز في توابيت فارغة وعملت كمرشد سياحي لخيم العزاء
مازلت اخجل من حمل وردة في مكان عام..
 
هل تستوعبين إلى أي مدى صارت الأوضاع هنا مقلوبة
في هذا البلد الذي يستيقظ فيه العجائز باكرا ليحرقوا القمامة ويشيدوا المطبات ويصححوا الأخطاء النحوية في المنشورات بصفحة وفيات أهل بنغازي
 
لا أعلم متى ستصلك هذه الرسالة بالضبط..
ربما بينما تغسلين الصحون.. أو بعد أن تحصلي على كدمة جديدة أسفل عينك الاخرى..
ربما بعد أن اخرج من هنا
أو بعد أن تخرجيني من رأسك تماما..
كما يخرج الحجر من نافذة مغلقة
لكنني كل ما أود قوله
أنني مازلت أفكر بك
كما يفكر البيانو في اصابع مبتورة.
 
– للقراءة فقط

مقالات ذات علاقة

لم تكن بينهم

هدى الغول

أوزون

عبدالسلام سنان

كتف يسنُدني

آية الوشيش

اترك تعليق