من أعمال التشكيلي علي حورية.
المقالة

ماذا لو؟

لبنى حامد العوامي

من أعمال التشكيلي علي حورية.
من أعمال التشكيلي علي حورية.

“يا عم فكني من ولدك، فكك من جميع المصائب.”

بهذه الأبيات استهلت بنت ذياب قصتها التي سردتها لعمها بوزيد في السيرة العربية الشهيرة باسم “الهلالية”، عندما لاحظ والد زوجها “عمها بوزيد” ذبول وجهها وتعبها قال لها: “ما بكِ يا ابنتي؟ فأنا في مقام والدك أخبريني. اختصرت مشكلتها بهذه الأبيات، يا عم فكني من ولدك، فكك من جميع المصائب.”

إنّها لا تريد شيئًا من هذه الدنيا إلا الخلاص من ولده فهو أكبر مصائبها، أتعلمون ما مدى الوجع التي تشعر به المرأة عندما يكون زوجها أكبر مصائبها؟ عندما يكون شريكها في كل شيء هو مصدر أحزانها؟ الشخص الذي من المفترض أن ترمي نفسها بين يديه وهي واثقة أنه لن يخذلها يصبح هو عدوها اللدود؛ إنّه لوجع عظيم، هذا الوجع يزيد عند وجودها بقربه، فهي تتذكر مأساتها عند رؤيته وحظها العاثر، وتشعر أنّ العالم كله تآمر ضدّها ليزوجّها هذا المخلوق… لذلك الحل الأمثل هو الخلاص، مهما كانت العواقب الخلاص هو الحل لهذا الكابوس.

أنا كذلك أضم صوتي لصوتها، أنا كذلك أصبحت لا أريد شيئا من هذه الدنيا إلاّ الخلاص من زوجي، فأنا أشعر بأنه كقطعة حجر وُضِعت على صدري، منعت عنّي التنفس، ومنعت عنّي الحياة وجعلتني أفقد الإحساس بجمال الأشياء من حولي. أصبحت مثله عديمة الإحساس، ربما ستشعرون بأنّي أبالغ في الوصف ولكنّي قطعًا لا أفعل ذلك، أنا أشعر أنّ كلانا يعيش في عالم آخر، فعليًا نحن لا نتشارك شيئًا إلاّ الفراش، لا شيء يجمعنا؛ لا هوايات، ولا رغبات، ولا تفاصيل، ولا أحلام، ولا حتى ذكريات خطوبة، لا شيء… أستيقظُ في الصباح على صوته الذي يكاد يخترق طبلة أذني ويكاد يهشم رأسي، يخبرني بأنه يريد قهوته وشرب سيجارته التي ينفخها في وجهي رغبة منه في ممازحتي، أُحضر له القهوة، أضعها له على الطاولة وأعود متثاقلة لأرتمي على السرير مرة أخرى، تلك هي لحظات السعادة بالنسبة لي؛ كلما أغمضت عيناي في غيابه تمنيت أن لا يعود ثانية، متسائلة ماذا لو أنه خرج ولم يعد؟ يا الله ما أجمل هذا الحلم. أغمضُ عيناي وأسترسلُ في تخيل حياة أخرى؛ حياة أخرى بمعنى الحياة وليست حياة بمعنى الموت، حياة أشعر فيها أنني أميرة هذا البيت وسيدته الأولى، ولست جارية فيه، حياة أخرى أستيقظُ فيها على صوت رفيق دربي الذي يخبرني بأنه جهّز لي طعام الإفطار قبل ذهابه لدوامه، لأنه لاحظ اصفرار وجهي وتعبي، حياة أخرى أشعر فيها أنّ شريكي هو شريك روحي قبل أن يشاركني أيّ شيء آخر…

ماذا لو أن زوجي ورفيقي يصطحبني في رحلة ما ويغنّي لي طوال الطريق بصوته؟ ولو كان قبيحًا، سأكون سعيدة جدًا. أذكر أنني قرأت في إحدى المرات عن “محمد أنور السادات” أنه كان يغني لزوجته “جيهان” دائمًا أغنية شهيرة يعبر فيها عن مدى رغبته في البقاء بجانبها دائمًا؛ “يا ريتني طير وأطير حواليك”، ماذا لو كان زوجي رجلاً عظيمًا في دولته؟ رجل الحرب والسلام وإنسانًا ناعمًا ورقيقًا ومجنونًا معي… يا إلهي! ماذا لو كان لي رجل عظيم يغني لي كل ما اصطحبني لرحلة؟

ماذا لو كان حظي كحظ جيهان السادات؟ أو ماذا لو كان حظي كحظ بنت ذياب وكان لي عم ينظر إلى وجهي ويسألني عن حالي؟ لأشتكي له حالي وأطلب منه الخلاص “يا عم فكني من ولدك، فكك من جميع المصائب.”

مقالات ذات علاقة

التاريخ… هو ما يسكت عنه التأريخ!

سالم العوكلي

الشعر… عصفور في السجن

نورالدين خليفة النمر

حكاية عن كاتب لم يثرثر

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق