طيوب البراح

ليلة الأمنيات

من أعمال التشكيلية الليبية فايزة الغناي

تلِّوح بي الذكريات، فتأخذني بعيداً. هناك؛ تمضي بي في خزنة الذكريات. تلك المأرشفة منذ أكثر من عقدين. أستذكرها بشوق وحنين، وأراجع تفاصيلها بتمعن. فيها قد اقترب يوم السابع والعشرين من رمضان، يوم الأمنية المحققة. كنا قد بدأنا العد التنازلي للعيد سيذهب سِيدِي كما أنادي والدي للسوق الشعبي العام، ولربما كلف أحد إخواني مسبقاً ليحضر مقاساتي من كل الأنواع والتصاميم المعروضة، ملابس وأحذية وألعاب. لم يكن يضيرني أن كل أطفال القرية سيرتدون نفس التصاميم. لا بأس في ذلك فالسعادة نفسها وسنتقاسمها. وهكذا كان السوق العام، الأفق السعيد لفرحة العيد واللبس الجديد.

تعصف الأحداث لترتب تسلسلها الزمني فيقفز لذهني أحداث تسبق ليلة السابع والعشرين. بالأمس خبزت أمي خبزاً منزلياً في الفرن “التنور”، والليلة لن تقوم بإرهاق نفسها بإعداد أصناف الموالح ولا حساء القصب والشربة. فقط “الفتات” سيتفرد على مائدة العشاء متوجا بقطع اللحم، ومرفقاً بجنوده من زجاجات المشروبات الغازية لتزين مائدة عشاء ليلة السابع والعشرين من رمضان.  أتذكر أحداث صباح تلك الليلة، صباحاً أنهت أمي إعداد آخر أصناف حلويات العيد “كعك السكر”.

كنت من ذهب ليسترجع المنقاش من جارتنا فما كان منها إلا أرسلت معي عينة منه، مع الوصفة الناجحة له حسب خبرتها. عشيةً أذكر أمي بوعدها واتفاقنا، فالليلة كما وعدتني وأختي ستخضب أيدينا بالحناء، وكأني أمثل المشهد مجدداً، وتلك الذكرى العزيزة مع أُمي فهي لن تأخذ وقتاً كثيراً، وها أنا أتسابق وأختي الصغرى كي أغسل يداي وأفرش فراشي وأجهز أكياس النايلون ومن تكمل أولاً ستفوز بشرف وضع “الحنة” أولاً، لعل تلك الدقائق تزيد اللون درجةً ولمعاناً.

نترقب انتهاء أمي من آخر المهام بالمطبخ، ها قد أكملت أمي وأختي الكبرى غسل الأواني الشبه فارغة من وليمة ليلة القدر فتسرع منهكة لتنفذ وعدها، “هيا افتحي يدك”؛ تضع أمي الحناء، الآن “اضغطي عليها كأنك تعصرين ليمة؛ تمام هكي تمام”.

أبقي يدي مقبوضة فتقوم أمي بطلاء أطراف أصابعي الخارجية بزوائد الحناء المعصورة في قبضة يدي وأخيراً تقوم “بتحنية الإبهام”. تمسك أمي بالكيس الذي جهزته لها بسعادة منذ الصباح لهذه المناسبة وتفتحه لأدخل يدي وتسألني إن كان يضايقني فأُصر: لا أستطيع التحمل. ثم تحضر قطعة قماش وتقوم بلف يدي المحناة بها وتخبرني فائدتها فهي ستحفظ النايلون بينما أتقلب في فراشي لأنها تعرف أنني سأجوب أرجاء الحجرة كعادتي.

يطالع أشقائي العملية بترقب وفضول بين متأفف وبين من يريد التجربة وتتعالى الأصوات والضحكات حماساً بالحدث. بعد أن تُنهي أمي وضع الحناء تتأكد من أننا في أماكن نومنا وتسألنا طلباتنا الأخيرة قبل إطفاء الأنوار وبصوت واحد “تربحك يا أمي نوضينا نتسحروا”. ننام بأمان وبسعادة وعلى أمل ووعد.

في السحور توقظنا أمي، فأزيل وأختي الحنة ونتفحص درجة اللون، تطمئننا أمي بعبارة “مازال تصبغ” فنطمئن. نتسحر بسرعة ليبقى لنا الوقت للدعاء. وقبل الدعاء أركض لأحضر المكحلة لأمي وهذه آخر طقوس ليلة القدر. بعد صراع وفشل عدة محاولات تنجح أمي في وضع الكحل في عيني وأختي ونبدأ في وصلة الأماني وأهمها “يا رب شعري يطول”. نخلد للنوم مجددا وعلى ثقة أن دعواتنا مستجابة وأما الصيام لا تبذل أمي جهداً لإقناعنا أن الصيام حتى صلاة الظهر نص يوم ويمكننا أن نجمعه مع نص يوم آخر فيجبره وهكذا يمكنني حسابه يوم صيام واحد عند الاجابة عن سؤال العيد المعتاد بين أقراننا كم صمت يوم؟

تلك كانت ذاكرة الطفلة نفس الحدث ونفس الاستبشار ولكن المفاهيم والدعوات اختلفت، اليوم أعلم أن ليلة القدر قد لا تكون ليلة السابع والعشرين ولهذا سأضاعف المجهود لكيلا أفوتها فلربما غفلت عن ليلة الأماني المحققة. ورغم ذلك وعلى سبيل العادة سنفرد ليلة السابع والعشرين “بقصعة الفتات” وتزيين أعين حفيداتنا البنات بالكحل، ولكن لن تستطيع أمي تخضيب يداي بالحناء ولم يعد يسعدني عصرها، وانحصرت أمنياتي في أن تتمكن هي من إمساك يدي حين أعصر يديها أو أُدلكها، وأن تضمني حين أرتمي في حضنها فأنا في أشد الشوق لتربيتتها الحنونة، اليوم يا يا أمي لن أدعو لشعري وازدياد طوله فكل ما يهمني صحتك وأن يطيل الله عمرك.. واليوم يا أمي سأصوم وأدعو لعل الله يجبر ضعفي فبدون قوتك ما عدت أستطيع التحمل.

مقالات ذات علاقة

هل ستتوقف أم تجري؟

المشرف العام

وطن أعرج

المشرف العام

لا أحب الوداع

المشرف العام

اترك تعليق