المقالة

ليبيا وبر الأمان

.

ماذا تحتاج ليبيا في هذه المرحلة الصعبة لكي تصل إلى بر الأمان؟

هذا هو الموضوع الذي اخترته الأسبوع الماضي عنواناً لحلقة برنامجي الأسبوعي (الحوار أولاً ودائماً) الذي أعده وأقدمه على قناة (راديو ليبيا) بشبكة راديو وتلفزيون ليبيا. ولم أشاء أن يكون معي ضيف داخل حجرة البث بالإذاعة، وإنما أردت أن أطرح السؤال مباشرة على السادة المستمعين وأتحاور معهم على مدى حوالي ساعتين من البث المباشر، بجميع شرائحهم من خلال اتصالاتهم الهاتفية.

ففي بلادنا يتباين مؤشر تسارع الأحداث عقب أربعة عقود ونيّف من الامتحان العسير الذي تعرض له شعبنا الأبي، وتنكر فيه نظام الطاغية لمساهمات الليبيين في مسيرة التاريخ الإنساني، وطمس رموز ليبيا وأعلامها وشيوخها، وعمل بما أوتي من حيل ومكائد على توطين الأفكار الهدامة في المجتمع وتشويه العقائد الدينية، وتزييف الأحداث والحقائق، وإعداد التحليلات والتفسيرات التي تستجيب لرغبات الطاغية، فضاعت هوية الوطن عند هذا الجيل، وعمَّ الجهلُ في عقول الشباب، وتصحرت أفكار الناس التي عاشت في رعب دائم، وتداخلت الحقوق مع الواجبات، وتصرمت مؤسسات الدولة وتبعثرت وسلبت من اختصاصاتها، وتلاشت ليبيا الوطن من خارطة العالم الحر وظلت حبيسة رمز واحد، وشخص واحد، وفكر واحد، ولون واحد، لا يشار إليها إلا كموطن للإجرام والإرهاب العالمي.

حقاً لقد عاشت ليبيا عقوداً ملطخةً بالعنف والدم والترهيب والتنكيل والتهديد، وتحمل شعبنا الأبي تلك المعاناة بكل صبر وثبات وإيمان بأن الله لن يمكن للظلم أن يسود، ولا للظالم أن يواصل عبثيته في مصائر البلاد والعباد، وأن النصر آتٍ ولابد أن يشرق في سماء ليبيا.

ولكن تباينت الآراء بين متخوف على مصيرها ومستبشر بمستقبل واعد ومشرق ينتظر ليبيا الحبيبة بعد أن تخلصت من حقبة زمنية همشها فيه نظام شمولي ديكتاتوري مستخدماً كل الأدوات من أجل ترسيخ الجهل، وسلطة الفرد والقبيلة، وإهدار الثروات على النزوات الشخصية والمصالح العائلية، واستباحة الأرواح والأعراض والقيم والعقارات والممتلكات وكل ما يتوقعه المرء، من أجل أن يظل رأس النظام هو المفكر الأول، والمهندس الأول، والرياضي الأول، والقائد الأوحد، وعميد الرؤساء، وملك الملوك، وإمام المسلمين وزعيم القومية والقارة الإفريقية وكل العالم حتى وصل بأحد تابعيه أن يصنفه في مرتبة الألوهية والعياذ بالله.

وعندما عرضت على المستمعين ما أظن أن ليبيا تحتاجه في هذه الفترة العصيبة حتى تضمد جراحها وتتعافى وتصل إلى بر الأمان، والمتمثل في عدة ركائز أولها وحدتها الوطنية. فالليبيون لابد أن يبعدوا عن أذهانهم كلياً فكرة التقسيم التي ترفعها بعض الأصوات، مع الإيمان الكامل بحرية التعبير عن الرأي والأفكار سلمياً والاحتفاظ طبعاً بحق الاختلاف معها. وثانيها المزيد من الصبر وعدم الاستعجال، حتى تستقيم الدولة وتقف على أرجلها وترتب مؤسساتها. فليبيا ظلت طوال عقود نظام الطاغية بلا إدارة ثابتة، بل كانت متقلبة ورهينة مزاجه ونزواته ومصالحه وأزلامه. وثالثها العمل على عودة نسق العمل إلى مستواه الطبيعي وفق الإمكانيات المتاحة حالياً. فعودة المدارس والجامعات وممارسة الأنشطة التجارية والرياضية سيكون داعماً لبناء الدولة واستقرارها واستتباب الأمن، ولا شك بأن خلق المناخ الأمني هو مطلب ضروري لعودة الشركات المختلفة للبدء في تنفيذ سياسية الإعمار والبناء.

كانت هذه بعض الأفكار التي طرحتها ودعوت المستمعين إلى المشاركة بتقديم أفكارهم وآراءهم فتوالت المكالمات الهاتفية من داخل وخارج ليبيا والتي بلغت تسعة عشرة مكالمة، للأسف لم تكن من بينها أية مكالمة لفتاة أو سيدة ليبية، وهو مؤشر قد يعكس غياب فاعلية دور المرأة في الحياة السياسية والثقافية في ليبيا، وهو أمر لابد من دراسة مسبباته ووصف معالجاته.

وهنا في هذه المقالة أستعرض أهم ما تناولته المشاركات الهاتفية التي ركزت على أن ما تحتاجه ليبيا في هذه الفترة هو (الوحدة الوطنية) و(نبذ الخلافات وتناسي أحقاد الماضي)، والمطالبة (بحكومة قوية خاصة في قطاعي الداخلية والدفاع) و(على الحكومة أن تقترب من نبض الشارع) و(المطالبة بالشفافية المطلقة) و(تقوية الخطاب الإعلامي والتركيز على مصداقيته) وضرورة فرز (الثوار، المتسلقين، السلبيين) و(تفعيل مؤسسات المجتمع المدني) و(قبول الأخر وترسيخ ثقافة الحوار بين كل الليبيين) و(صناعة السلام بالعدالة) و(القضاء على الفساد).

وفيما أشارت بعض المداخلات إلى أن (المواطن الليبي تنقصه الثقافة العامة والوعي لأنه ضحية لنظام تجهيل ممنهج ومتعمد، وبالتالي فهو يعتبر المرحلة الحالية هي مرحلة غنيمة فالجميع يطالب ولا يعطي) طالب آخرون (بضرورة فهم التركيبة الديموغرافية للمجتمع الليبي وإدراك خطورتها) كما أن العديد من المداخلات عبّرت عن مخاوفها بأن (التدخل الأجنبي سيحدث حتماً في ليبيا طالما ظلت الحكومة ضعيفة غير قادرة على حفظ واستتباب الأمن في المنطقة لأن الدول الغربية لابد أن تؤمن مصالحها ولو باستخدام القوة في بلادنا أو غيرها).

هذه كانت ملاحظات وآراء بعض الليبيين، فما هي يا ترى ردود الحكومة؟

مقالات ذات علاقة

عن الصادق النيهوم الهيبي الذي كتب الكتاب الأخضر وعن كتابته

أحمد الفيتوري

أيديولوجيا القبيلة: من التصعيد إلى الانتخاب

عبدالحفيظ العابد

عندما يتحول الموت الى هدف الانسان في الحياة

أحمد إبراهيم الفقيه

اترك تعليق