المقالة

ليبيا… صحافة وصحفيون

الأستاذ الكاتب الصحفي محمد فخرالدين.

الأستاذ محمد فخر الدين

عندما كنت اتصفح موقع “ليبيا المستقبل” أبدو أشبه بمخلوق من العصر الحجري، وُضِع امام شاشة عرض سينمائية، في قاعة حديثة التجهيز، فيبهرني ويدهشني هذا الجيل الرقمي، الذي يقف وراء هذا العمل، من الإعداد والإخراج والمتابعة اليومية. أبقى معجبا لأنّي أنتمي لجيل الصحافة الورقية، التي كانت تجمع حروفها يدوياً. في أوائل الستينات، من القرن الماضي، كان الذي يدخل مطبعة طرابلس الحكومية، يستقبله مزيج من روائح الورق والحبر والرّصاص المصهور، وعرق الرّجال، الذين يتحرّكون بلا توقف، في ظروف بالغة البدائية والصعوبة، ليقدّموا لنا أكثر من صحيفة، تكون في أيدي الموزعين، قبل حلول الفجر، فيتلقفها قارئ نهم، اختفى الآن للأسف. كانت الجرائد المستقلة أسبوعية، ماعدا جريدة طرابلس الغرب – لعلم الجيل الذي لم يعاصرها – هي جريدة يومية، صدر العدد الاول منها، منذ أكثر من قرن ونصف، وهي أقدم جريدة في العالم العربي. بعد سقوط النظام الملكي، توقفت عن الصدور، بقرار من محكمة الشعب، الذي شمل أكثر من عشرين مطبوعة. كان يرأس تحرير هذه الجريدة “الأثرية التراثية” الاستاذ محمد فخر الدين. كان يطلق عليه في المطبعة لقب ” الجوكر “، على اعتبار انه القاسم المشترك لمعظم الصّحف، التي تتمّ طباعتها في المطبعة الحكومية. فهو رئيس تحرير طرابلس الغرب، والمعدّ والمنفذ لجريدة “الطليعة” الأسبوعية، التي يصدرها اتحاد العمال. كنّا نستنجد به في حالات الطوارئ، عند غياب رؤساء التحرير، لكتابة الافتتاحية، واستكمال الصفحات الناقصة. كانت جريدته الناطق الرّسمي للدولة، والمعبّرة عن توجهاتها السياسية، لكنه كان يتيح الفرصة لكل التيارات، للكتابة على صفحات طرابلس الغرب، اضافة الى مقالات كان يكتبها بأسماء مستعارة، تنتقد الحكومة وقتها.

الاستاذ محمد فخر الدين

رحمه الله… قد مضى أكثر من نصف قرن على اول لقاء بيننا، ولازالت ذاكرتي تحتفظ بمجموعة من الصور كاملة التفاصيل، عن ذلك البدين الضاحك دائماً، والمدخن بشراسة، والذي يتنقل كالفراشة، بين الصفحات التي يتم تجهيزها للطباعة لأكثر من جريدة. كان يعمل حتى الفجر في المطبعة، وينتقل الى المقهى السياحي بميدان الغزالة حتى تشرق الشمس، ويكون اول المتواجدين في مكاتب الجريدة.

سقط النظام الملكي، واجتاحت رياح التغيير القطاع الاعلامي، وفقدت الصحافة الليبية خبرات مهنية لا حدود لإمكانياتها، مثل الاستاذ محمد فخر الدين. اختفى الكثيرون عن المشهد الإعلامي، وظل الاستاذ يناضل بشراسة ليواصل الكتابة في أكثر من مطبوعة على المستوى الاقليمي والمحلي.

فرقت بيننا الايام، أكثر من عشرين عاما، ثمّ جمعنا أحد مستشفيات القاهرة، حيث كان الفقيد نزيلا يشكو من توابع مرض السكري، وهي ضريبة الذين يستخدمون عقولهم أكثر مما يجب. استقبلني بقهقهته المعهودة، وتحدث كثيرا بأسلوبه الموسوعي. سرقنا الوقت، ولم نشعر به الا بدخول الممرضة لتعلن انتهاء الزيارة. في مساء اليوم التالي، طلب احضار الة تصوير، ليكون لي السبق في تغطية حدث مهم، ولم يخبرني بإجراء عملية لبتر ساقه لإيقاف الغرغرينا اللعينة. عند اللقاء، استجمعت كل الكلمات الممكنة، من قاموس المواساة، لكنها تبخّرت امام ضحكاته المجلجلة، وتعليقاته الساخرة. قال وهو يكشف لي عن ساقه المبتورة: التقط صورة جيدة مؤثرة، لأنني سأكتب مجموعة مقالات من واقع التجربة، لتعرف الأجيال الجديدة من الشباب، خطورة مرض السكر وتوابعه. تكلّم بحماس كأنه في اجتماع تحرير، وعندما رأى نظرات الاستغراب ترتسم على وجهي قال وبحماس: يا بني، هذا دورنا يا بني.. الوطن أكبر من الالم.

اشفقت على الرّجل، شعرت أنّ ضحكاته هذه المرّة، يشوبها شيء من المرارة، وانه بدأ يشعر بحصاد تجربته الطويلة التي كان من نتائجها، ساق مبتورة، وشيخوخة مقبلة، وشقة صغيرة تقع في الدور الثالث، في عمارة بدون مصعد فسألت نفسي: هل أخطأ هذا الرجل بعشقه المهنة؟  وأنا اجزم انه كان يعرف مسبقا النتيجة، ولكن كانت لديه قناعات أكبر، ومنها ان الوطن أكبر من الالم. رحم الله أستاذنا محمد فخرالدين، كان مدرسة صحفية، لو لم يكن ليبيا لكان له شأن آخر.


* نشر المقال بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

انطوائي

المشرف العام

تيوسنا الثمينة

منصور أبوشناف

د. على فهمي خشيم يطلق «البرهان»

بشير زعبية

اترك تعليق