قراءات

ليبيا.. “حوليات الخراب”، رواية جديدة عن ليبيا

كريمة إدريسي- هنا أمستردام

غلاف رواية_حوليات الخراب

ما هو سبب هشاشة الكيان الليبي؟ لماذا تبدو ليبيا منصاعة لحكم طاغية بالحديد والنار، وتبدأ في التفكك كلما اختفى طاغية؟

هذا هو السؤال الذي تحاول أن تجيب عنه رواية “حوليات الخراب” للإعلامي والكاتب الليبي عمر الكدي. في البداية اختار الكدي عنوانا مختلفاً “الحوليات اللوبية” على أساس أنها تتعلق ببلد اسمها لوبيا (ليبيا)، لكن حين عرضها للنشر، اضطر لتغيير العنوان، كي لا يتشابه الكتاب مع كتاب “الحوليات الليبية” الذي كتبه القنصل الفرنسي شارل فيرو حين كان يقيم في طرابلس، في ثمانينات القرن التاسع عشر. وقد اعتمد الكدي على الكتاب في روايته، فكتاب فيرو يؤرخ للفترة الممتدة من الفتح العربي إلى نهاية الدولة القرمانلية، وقد أضاف المؤرح الليبي عبد الكريم الوافي، أستاذ التاريخ بجامعة قاريونس ببنغازي، ملحقاً آخر للكتاب بعد أن ترجمته، يصل فيه لحقبة الغزو الإيطالي.

أحداث الرواية

تتناول الرواية توالي ثلاث عشر طاغية على حكم ليبيا، أولهم “مدمر، متقيئ الدماء”، وهم شخصيات خيالية يتشابهون مع معمر القذافي ومن الطغاة الذين مروا بليبيا ما بين 1711 مع وصول أحمد القرمانلي للسطلة ( مدمر الأول، متقيئ الدماء) وتأسيس الدولة القرمانلية، وتمتد الرواية لما يزيد عن ثلاثة قرون، إلى ما بعد ثورة 17 فبراير، إلى المستقبل.

في المستقبل، سيباع الوطن. سيأتي “مدمر”، ويبيع ليبيا كلها ويترك الليبيين خارج الوطن. ولن يعود الليبيون الى ليبيا إلا مع حاكم جديد اسمه العائد الأول، يتمكن من إعادتهم والاستيلاء على السلطة وتأسيس كيان ديمقراطي. ولكن سرعان ما يكتشفون أن “العائد الأول” من سلالة “مدمر الأول متقيء الدماء”.

هناك محاولة لتأريخ كيف وصلت الحداثة الى ليبيا بشكل أسطوري وآخر واقعي. يقول الكدي: “فبقدر ما تركز الرواية على التاريخ، بقدر ما تنفلت منه أيضاً وتتحول إلى نوع من الغرائبية أو ما يسمى بالواقعية السحرية. وهي بقدر ما تتناول أحداثا قديمة ، فهي في الحقيقة تركز على اللحظة الراهنة وما تفعله القبائل الآن في ليبيا، فعلته في مراحل سابقة بنفس الكيفية”.

مثقفون بالرواية

تتميز الرواية بسخرية كبيرة، ليس من الحاشية والطغاة فقط، ولكن أيضاُ من المثقفين.جزء منهم مع السلطة وجزء ضدها. “والمثقفون لا يموتون”، يقول الكدي”،”ومع ان الرواية تغطي فترة تزيد عن ثلاثة قرون، إلا أن المثقفين كانوا موجودين دائماً، وهم في الرواية مستمدون من شخصيات حقيقية، مثل الشاعر الراحل علي صدقي عبد القادر، في الرواية اسمه “صدقي بناجي”، وهو تقريبا مثل الطهطاوي”. إنه شيخ دين شاب يبعثه الحاكم مع بعثة عسكرية للطلاب الليبيين الى فرنسا في عهد نابليون، على أساس أن يتدربوا على العسكرية، وبعثه كي يجنب الآخرين عدم التأثر بالمسيحية أو الثقافة الفرنسية، فيتأثر هو ويعود لابسا ربطة عنق على شكل فراشة ويكتب الشعر الحديث. من شخصيات المثقفين الواقعية الحالية، المعاصر في الرواية على فكري أفيم وفي الواقع هو الدكتور علي فهمي خشيم، المعروف بنظريته في تعريب كل شيء، ووصل به الحد أن قال عن اللغة الفرعونية إنها لغة العربية، وكان القذافي يتأثر به في هذا الجانب.

ويصل الكدي إلى الخلاصة أن الشعوب لا تتعلم بشكل نظري وإنما بالشكل العملي فقط، فتحرق الخيارات على الأرض وليس في الخيال. وعلى هذا الأساس، يعتقد الكدي أن التيار الإسلامي سيحترق بعد أن يصل للسلطة. “وعندما يجرب الناس بدل الخطابات والتنظيرات، ماذا يفعل هؤلاء في مشكالهم اليومية مثل التعليم والصحة. عندها يحترق الخيار أو يتحول الى خيار ديمقراطي، كما حدث لأحزاب في أروربا بدأت أحزاباً دينية. الحزب المسيحي الديمقراطي في هولندا مثلاً، هو الآن حزب علماني بالكامل”.

طقوس الكتابة

“أختار مكاناً ما في هذا العالم.. جزيرة، جبلاً، مكاناً قرب بحيرة. المهم أن يتوفر في المكان كامل احتياجاتي. ومنذ الصباح حتى الليل أنكب على الكتابة. أكتب بمعدل سبع صفحات ونصف في اليوم وأحيانا أكثر. وبعدها أتمشى كثيراً أو أصطاد السمك أو أذهب في نزهة. وفي اليوم الثاني أكون جاهزا”.

تقع الرواية في 395 صفحة، كتبها الكدي بالكامل خلال 23 يوما. وقد راودت كتابتها الكدي قبل سنوات طويلة، لكن لم يستطع التفرغ لها، فقرر أن يخصص إجازاته للكتابة. وحسب الكدي فإن كتابة الرواية “مثل الزوجة الكاثوليكية، لا ترضى بضرة”، بل يجزم أن انضباط الروائي نجيب محفوظ في الكتابة “انضباطاً عسكرياً”هو الذي جعله يؤلف ما قد يملأ مكتبة وجعله جديراً بجائزة نوبل، على عكس الطيب صالح، الذي حبسوه في الغرفة لكي ينهي رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، مع أنه “موهبة فذة وخارقة للعادة”.

“الرواية ليست القصيدة”، يقول الكدي. “القصيدة مثل الومضة تنتهي في جلسة أو جلستين. والقصة تحتاج لبعض الجهد ولكن ليس مثل الرواية. الرواية تحتاج للتفرغ. حين أكتب أعزل نفسي وأقفل الهاتف وأتحاشى الدخول في أي نوع من المغامرات”.

والكدي يكتب للقارئ الليبي تحديداً. “يقال إن المحلية هي أساس العالمية وليس العكس. فكلما كتب الكاتب عن مجتمع يعرفه، كلما تمكن من الوصول للعالمية. كلما ركزنا على المحلية بأفق إنساني وبلغة مفهومة وبإضافة نوعية على مستوى تاريخ الرواية، قد نصل للعاليمة”.

في العام 1999 وصل عمر الكدي إلى هولندا لاجئا، بعد أن ضاقت به ليبيا بسبب المضايقات الكثيرة ، كما تمت مصادرة ديوانه “أغاني ماريش” عام 2000. وقد ترك تاريخاً حافلا وراءه في كتابة المقال والشعر خصوصاً. وقد لاحظ النقاد حينئذ ومن خلال قصيدته، حسه القصصي والروائي، فشجعوه على ذلك. عمل في الإعلام دائماً إلى جانب الكتابة، حيث اشتغل بإذاعة هولندا العاليمة قبل أن ينتقل رئيساً لتحرير قسم الأخبار بقناة ليبيا لكل الأحرار في الدوحة أثناء صورة 17 فبراير.

صدرت له في عام 2013 عن منشورات وزارة الثقافة الليبية: ديوان “بلاد تحبها وتزدريك”، ويضم أربع مجموعات شعرية، كما صدرت له رواية “حرب ماريش وثوراتها الثلاث”، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان “حراس الجحيم”. وتصدر له في نفس هذا العام رواية “حوليات الخراب” عن دار الفرجاني للنشر بطرابلس. وله تحت الطبع مجموعة شعرية بعنوان “منفى”

مقالات ذات علاقة

طرابلس: “مدينة ترانزيت” في رواية نساء الريح

المشرف العام

خواطر عن بلدي لحمزاتوف .. الأدب الذي يدجن الجغرافيا

عبدالحفيظ العابد

ما فعلته رواية “قصيل”

محمد الزنتاني

اترك تعليق