المقالة

ليبيا البعيدة تقترب شعراً وقصّاً وروايةً

نجوى بركات

احتفالية كتاب شمس على نوافذ مغلقة.
الصورة: عن صفحة الجمعية الليبية للآداب والفنون.

كانت ليبيا، ولم تزل إلى حدّ ما، من أكثر البلدان العربية لبسا وغموضا بالنسبة إلى كثيرين. فإن لم يتوفّر لأحدنا حظُّ الالتقاء بمنفيّ أو مهاجر ليبيّ، صعب عليه معرفة الكثير عمّا يدور في تلك البلاد، شبه المنسيّة التي لم يكن يصل إلينا منها إلا “نهفات” قائدها، “ملك ملوك أفريقيا” المعظّم، معمر القذافي، الذي كنا نتداول عنه “النوادر والنكات”، ونروي غرائبه وعجائبه، ناسين، أو متناسين لا فرق، أن وراء هذا كله، هناك أناسٌ من لحم ودم، يعانون الأمرّين، ويتكبّدون جنون القائد المطلق، وقراراته العبثية التي تعدو كل ما يمكن للخيال ابتداعه من قسوة وطغيان. لهذا كله، كانت ليبيا، في نظرنا، أشبه بجدار زجاجي، نرى عبره القليل، أخيلة ظل ونور، وبقعا حمراء تتمدّد وتميع، وأصواتا مخنوقة، لا تقوى على الكلام، من دون أن يدفعنا ذلك إلى كسر الجدار.

وحدها القصص والقصائد والروايات القادمة من هناك، كانت تهبنا الصفعةَ التي نحتاج لكي نستفيق. كانت كتابات الأدباء الليبيين تضع أيدينا على الجرح، كما فعل المصلوب بتوما الشكّاك، علّنا نصدّق أخيرا، فنعقل ونحسّ. إن كتابات الصادق نيهوم، وأحمد إبراهيم الفقيه، ومحمد الفيتوري، وصالح السنوسي، وإبراهيم الكوني، وهشام مطر، وكمال بن حميدة، وخالد مطاوع، وزان المغربي، ونجوى بن شتوان، وكثر سواهم لا يتسّع المكان هنا لذكرهم، هي تلك اليد التي أدخلت إصبعَنا الجرحَ الليبي العميق، فتحسّسه وغرق فيه، ثم انسحب بمذاق صدئ ومرّ، كاوٍ للقلب، حارقٍ للأحشاء. فهناك ثمّة من تُسرق طفولتهم، ويصادر مستقبلهم، وتُخنق طموحاتهم، وتُقصف أرواحهم، وتُسلب حيواتهم، ويُرمون في السجون. لم يكن القذافي ديكتاتورا فحسب، بل أعتى من ذلك بكثير. لقد هشّم كل الاحتمالات، أباد كل الآمال، وأوقف آلة الزمن، راميا شعبه في مملكة الخواء واللامعنى.

واليوم، بعد اختفاء الطاغية المجنون، ها هو كتاب “شمس على نوافذ مغلقة” يفتح لنا نافذةً جديدة على المشهد الليبي ما بعد القذافي، وهي فترة عرف فيها الليبيون الثورة، ثم الحرب الأهلية، ثم فوضى شاملة، أوقعت الشباب في يأس قاتل، وإحساس هائل بالخسارة والعبث واللاجدوى. هذا ما تعبّر عنه مجموعة من الكتابات الليبية الشابة، شعرا وقصة وفصولا روائية، قام الشاعر خالد مطاوع وليلى المغربي بجمعها وتحريرها وإصدارها.

والحال، أني، ما أن استلمتُ نسخةً من الكتاب، أرسلها لي الصديق خالد مطاوع عبر البريد الإلكتروني، “بعد هدوء العاصفة” كما قال، حتى رحتُ أقلّب في الكتاب على غير هدى، متصفّحة بعضا من صفحاته، هنا وهناك، إلى أن شدّني نصٌّ مكتوب بالعامية، معنون بكلمة “كاشان”، ومشار إلى أنه فصل من رواية، فرحت أقرأ، ثم علِقتُ، وأعجبتني حدّة ما قرأتُ وجدّته، حتى وعدت نفسي بالسؤال عن الرواية، لاستكمال قراءتها والتعرّف إلى كاتبها.

لم تحضر في ذهني حينها الردودُ التي استدعاها صدورُ الكتاب، وتمثّلت في سجالاتٍ واسعةٍ، حدث أن تابعتُها من بعيد وبغير اهتمام، على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض الصحف. ثم، حين قرأت فصليْ أحمد البُخاري، تذكرتُ متأخرةً أن السبب وراء تعالي تلك الأصوات، الرافضة والمُدينة، هما بالضبط ذانك الفصلان الجميلان المعبّران عن واقعٍ يملك من البذاءة والوقاحة والانحطاط ما يفوق مقدرة أي خيال على وصفه. لقد رأت تلك الأصوات النصّ منافيا للأخلاق، وخادشا للحياء العام، ولم ترَ الواقع الكامن وراءه. اليوم، للأسف، تتكاثر التهم الموجّهة إلى الكتّاب بـ “خدش الحياء العام”. حين أسمع هذي العبارة، أشعر وكأن أحدهم يضغط بالطبشور على اللوح، مصدرا صفيرا يُدمي الآذان، أو كأنّ أظافر مسنّنة لئيمة تئن بتؤدة فوق البلّور. عذرا أيها “الحياء العام”. فكلّما خدشوك، أغلق مريدوك مزيدا من النوافذ، مطلقين على شموسنا كلّ الرصاص.

_____________

نشر بالعربي الجديد

مقالات ذات علاقة

أنـا مـدون… أنـا حــر!

فاطمة غندور

ما بعد صوت الربيع العربي: لا صوت يعلو على صوت الثقافة

أحمد الفيتوري

مُدَوَّناتُ ما قَبْلَ التَّارِيخ

يوسف القويري

اترك تعليق