المقالة

لهجة طرابلس الغرب

ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس (الصورة: عن الشبكة)


نزلت طرابلس الغرب عاصمة بلادي، قادما من مدينتي بنغازي، قاطعا مسافة ألف كيلو متر، عند الثامنة عشر من العمر للعمل، كنت صحفيا شابا. وكشاب كنت أعاكس الفتيات، لكن مع تحوير خاص بي…

لقد همت إلى جانب جمال البنت، بتغنج اللهجة النسائية الطرابلسية، ما لم تكن غريبة عني، ففي لهجة أمي، التي من بلدة غريان مشترك عميق، ما جعل جانب المعرفة للهجة الطرابلسية عاليا عندي. كانت البنت تزجرني: برا يا شرقاوي، أي تميزني من لهجتي، آمرة أن أذهب عنها، لكن التمييز ما يحثني على المعاودة، فهو يجعل مني كما نجم، وفي أحيان كثيرة يعني الغريب المستحب. من جهتي تشدني اللجهة ومن جهتهن أيضا، وكأنما كل منا يجد الجميل في الغريب المستجد، خاصة عند المغازلة والقبول، الرنين والإيقاع يبدوان مختلفين، لكن أيضا مستحبين، لم يكن أي منا مشدودوا للمعنى، بل للشكل ما في غرابته جماله.

عدت إلى العاصمة، بعد سنوات عشر، أول ما لاحظت كأن ملامحها شابها الكبر، لم تعد طرابلس الغرب التي عرفت، ولم أفعل فعل الشباب، وما سمعت لم يعد لهجة طرابلسية، كذلك لم تقل لي بنت أو امرأة: برا يا شرقاوي. في المرحلة الأولي، التي أشرت إليها بعهد الشباب، أطفال الصديق المخرج المسرحي محمد العلاقي في طرابلس، متى جئت بيته، يدعونني “عمو كنك” لتميُز لهجتي كشرقاوي عندما أقول: كنك، أي ما بك؟. أي بعد سنوات عشر، أخذت اللهجة الخصوصية ما أحببت تذوب، كانت لهجة جديدة نمت، وكنت قرأت أن أمبرتو إيكو قال: لم يوحد إيطاليا غاليباردي، بل وحدها التلفزيون. شيء من هذا حدث في ليبيا، وبلاد العرب، ما عرف الكثير من أهلها، لهجة (القاهرة المصرية) بسبب السينما.

فكرت في هذا كثيرا، كلما طالعت الشعر الذي شغفت به، خاصة الشعر العربي الموصوم بالعامي، لكن كنت أقرأ الحديث منه، والشهير منه في مصر مثلا، بالفصحى، كرباعيات صلاح جاهين. ولم أجد فيه اختلافا أو غرابة بيّنة، عما أقرأ من الشعر المُكنى بالفصيح، وعليه فهمت الملاحظة الشائعة عن الشاعر أحمد شوقي، حيث مدح شعر بيرم التونسي، بأنه خطير على شعر الفصحاء، لقد فهمتها في السياق غير الشائع: خطورة العامية على الفصحى، بأن فهمتها في سياق، أن شعر بيرم التونسي شعر فصيح فصاحة بيّنة، كان الراديو في مصر، قد أخذ متكئا على الصحافة، يفعل مفاعيله، أي كان يضع أُسا جديدا للغة معيارية، آخذة في التداول.

عن الفارق بين اللهجة واللغة المعيارية (الفصحى)، يذكر الباحث الليبي عياد أحمد: “أن اللهجة dialect تنويع من اللغة، حيث استعمال القواعد والألفاظ، يحدد الخلفية الإقليمية أو الاجتماعية للمتكلم. الدراسة المنهجية للهجات، تعرف بالديلكتولوجي dialectology. اللهجة الإقليمية، هي اللهجة التي تنقل معلومات، حول المنشأ الجغرافي للمتكلم، واللهجة الاجتماعية تنقل معلومات، حول الطبقة الاجتماعية والوضع الاجتماعي، والخلفية التعليمية والمهنية، للمتكلم“.

ويُعلق: “المصطلح “لهجة”، يستخدم أحياناً بشكل ازدرائي، رغم أن كل فرد يتحدث بلهجة، حتى هؤلاء الذين يستخدمون، تنويعا معياريا للغة. كما في الإنجليزية المعيارية، على سبيل المثال، والتي تقنياً هي تلك اللهجة من الإنجليزية المعدّلة، كنموذج للاستخدام التعليمي. اللكنة accent المنطوقات الصوتية، التي باستخدامها تتبين الهوية الاجتماعية والإقليمية. اللغة المعيارية standard لهجة، أو تنويع من اللغة، ذو مكانة لدى مستخدميها، وتُقدّم كمعيار أو نموذج، يستخدم في الإعلام والتعليم. اللهجات أو الأشكال اللغوية، التي لم تراعِ هذا المعيار، تعرف باللغة غير الممعيرة. والمعيرة هي النمو والتطوير الطبيعي، للغة معيارية في المجتمع، وأيضا محاولة المجتمع لجعل واحدة من اللهجات كمعيار (المصدر: قاموس بنجوين للغة. الطبعة الثانية. 1999. دار بنجوينه Penguin dictionary of language).

إن اللهجة هي اللغة، وإذا ما تفحصنا كتابات، مثل الموشحات، فنجد أنها فصيح الأندلس، حين كتابتها، فهي كما ألف ليلة وليلة، في طبعاتها المختلفة، وكذا المقامات، التي كتبت بفصيح زمانها، وإن سردت مشافهة حسبما المقام، كما هو حاصل مع السير العربية الأشهر، كسيرة بني هلال. وأما إذا ما جلنا، في دواوين الدول والرسائل، خاصة في القرنين الثامن والتاسع عشر، فإن ما تم تدوينه لا يبعد كثيرا، عن اللهجة المتداولة في المدن الرئيسة، والكثير من وثائق تلكم الفترة، عبارة عن مدونة للغة المعيارية المتداولة، وليست للغة المعيارية للقرآن، والكتابة الكلاسيكية للقرن الرابع الهجري.

اللهجة أو اللغة المتداولة، هي اللغة وقد جددت جلدها كما الحية، بل هي تجديد خلايا جسد اللغة، ومنها تتخلق أساليب الكتابة وتجددها، فترضع الكتابة من ثدي اللغة الحية، التي تتجسد في الصحافة في العصر الحديث، والآن في مجمل الميديا، خاصة في السوشل ميديا، هذه الوسائل التي تشيع الحياة في اللغة، وتنتج اللغة المعيارية للعصر، للآن وهنا.

ولهذا كانت كتابة اليوميات، والكناشات وما في حكمها، بالفصحى الدارجة، أي اللغة المعيارية التي يتم التدوين بها، ما هي لغة الكتابة العربية، فجميعها رغم تنوعها، أبجديتها العربية، وأغلب مفرداتها العربية واشتقاقاتها، وفي هذا تنوعها. يأتي من المفردات المتداولة والمهجورة، فما هجر في بيئة نجده في بيئة أخرى متداولا، كذلك ما لحق الكلام من انزياحات، ما أحيانا تمس الدلالة، ولهذا فإن مدونات كل عصر تقريبا، تشي به، من حيث محمول الألفاظ، ومن حيث السياق.

لقد تنبه لذلك الكتاب المبدعون، ولذا نجد الكاتب منهم، كتابته غنية بمفردات عربية، متداولة في محيطه، مما يساهم في إعادة تداول المهجور من اللغة، وكذا يجعله قريبا من متلقيه في دائرة محيطه. وفي هذا خير نموذج، اللغوي والكاتب فارس الشدياق، في كتابه “الساق على الساق”، ما أعده سفر اللغة المعيارية للقرن التاسع عشر، وفي السفر علامات أولية، للغة المعيارية للقرن العشرين. والكتاب السفر محتوٍ على سيمياء، ما سمي بعصر النهضة العربية، ومنه نرصد أن المفردات المتداولة، دالة على الفكر والمجتمع في حينه، وأن ما هو مستجد منها، يُدلل على الحس والشعور عند متداوليها بالعصر، وأما الشدياق فإنه من اصطنع مفردات جديدة، استشرافا منه للحاجة الملحة لاستيعاب العصر، والتطور العلمي والفكري والفلسفي. وقد كنت وقعت في هوى كتاب: “الساق على الساق” للشدياق، ما في تقديري أنه سيرة وليس يوميات، لكن يجمعه بيوميات الفقيه، إلى جانب التأريخ مسألة اللغة، وأنهما من حفريات القرن التاسع عشر، ما لم يتم تنقيبه، بتؤدةِ علماء وبحاث الآثار المثابرين.


بوابة الوسط | الثلاثاء 22 ديسمبر 2020

مقالات ذات علاقة

أزمة

عائشة الأصفر

طريقان لا يلتقيان

عائشة إبراهيم

أسرار العمل الفني

سعود سالم

اترك تعليق