المقالة

لن أكون مثلكم…

من أعمال الفنان محمد الشريف.
من أعمال الفنان محمد الشريف.


لعل أحد اهم اسباب تطور اي مجتمع مدني حديث هي مدى قدرته على استيعاب ثقافات أخرى ومتعددة والاستفادة منها في التطوير والتغيير، بل اكاد لا ابالغ إن قلت بأن التعددية الثقافية في أي مجتمع تشكل عنصر قوة واثراء له، فالاختلاف الايجابي في المجتمع يؤدي إلى طرح الاسئلة الثقافية والمجتمعية الملحة والتي تعزز في النهاية من قيم التسامح، والمواطنة.

وهذا ينقلنا إلى الجانب الآخر من هذه الجدلية، ألا وهو المجتمعات التي تفتقر هذه التعددية نتيجة احداث سياسية واجتماعية/دينية، فرضت على جماعاتها الثقافية المتعددة، هذه المجتمعات والتي فرضت لوناً واحداً وطيفاً واحداً وعيناً واحدة لتقديم نفسها للعالم تعاني، من وجهة نظري، فقراً ثقافياً، جعلها مجتمعات منعزلة، تلتف حول ثقافتها الاحادية وتعاني من فقر وتحلل لقيم التسامح والمواطنة وقبول الاخر والمختلف، ويتغلغل خلال وعيها الجمعي مظاهر العنصرية، الكراهية، الحقد والسلبية المدمرة.

ولعل المجتمع الليبي مثال قريب لهذه الحالة. فليبيا وحتى قبل تكونها ككيان سياسي في منطقة البحر المتوسط، كانت بوتقة لصهر ثقافات متعددة ما تزال شواهدها ملموسة في بلدان شمال المتوسط. ففي زمن غير بعيد كان “الليبي” كهوية ثقافية يضم بداخله العربي، التركي، الزنجي، التارقي، الامازيغي، المسلم السني والاباضي والصوفي، اليهودي، المسيحي الايطالي واليوناني والمالطي.. وغيرها من الثقافات الاخرى، فليبيا وحتى الستينات من القرن العشرين كان مجتمعاً يضج بالحيوية والتعددية الثقافية الثرية وهو ربما ما ساهم في جعل الليبيين عامة يتصفون بالتسامح، قبول الاخر، وسعة الصدر.

إلا أنه مع مطلع سبعينات القرن الماضي بدأت ليبيا بفقدان اجزاء هامة من هويتها الثقافية المتعددة وتبنت السلطة الفكرية والسياسية السائدة في البلاد اتجاهاً احادياً لتعريف الهوية الليبية واصبح الجميع يعزف على وتر واحد هو العروبة والاسلام، بل ومع التسعينات صُدِّر لنا اسلام احادي الرؤية لا يمت بواقع وتاريخ وحضارة مجتمعنا بهويته المتميزة، حتى تلك الثقافات المتبقية، كالامازيغية والتارقية، حاولت الثقافة السائدة جمعها وصهرها ثقافياً في هوية جديدة لا تتناسب معها، مما ادى إلى ضياع أحد اوجه ثقافاتنا الغنية، وبذلك فقدان احد عناصر تطور ثقافة الاختلاف والحوار.

إن فقدان المجتمع الليبي لمكوناته لمكوناته الثقافية التي ظلت لفترة طويلة أو قصيرة تشكل وجهه، ومحاولة اذابة ما تبقى من مكونات اخرى ظلت تعيش في البلاد ولم يتم ترحيلها أو تهجيرها او “اجلائها” ادى إلى خسارة الجانب الاهم من ثرائنا الثقافي وفتح الباب لولوج قيم دخيلة على مجتمعنا كالعنصرية، والكراهية والتشدد والعنف “الرمزي” والجسدي، واكاد لا ابالغ إن قلت بأن ليبيا خسرت بتحولها إلى مجتمع احادي الثقافة والهوية والدين واللغة والعرق، وهو ربما ما اضعف من هويتنا المجتمعية والوطنية وادى لفقرنا الثقافي.

*قد يشخص العديد من الليبيين الحالة التي نمر بها في ليبيا على عدة مستويات وذلك بحسب تخصص كل منا او ربما خلفياتنا التي ننطلق منها لفهم ما حولنا من ظواهر للمشاكل التي تعترضنا، فهناك من يعزو إلى اننا نعاني من ازمة اقتصادية تنعكس بالسلب على حال المواطن وبشكل مباشر على حال المجتمع، لذا تجد من يدعو إلى تنفيذ حلول اقتصادية ترفع من المستوى المعيشي للمواطن الليبي. البعض الاخر يؤكد على ان صلب ازمتنا هي التركيبة الاجتماعية الليبية ومركزاً بدرجة كبيرة على النزعات القبلية والجهوية والتعصب الاجتماعي الذي ادى إلى مشاكل استفحلت في مناطق خارج المدن الرئيسية، بل وطالت بعضها في السنوات الاخيرة. إلا أن النقاش الذي يدور في البلاد عبر المواقع والصحف وحتى في “المرابيع” الليبية التي تمثل أكثر الاماكن قدرة على عكس الحالة الفكرية للرأي العام في البلاد يجعلنا نتلمس حراكاً لم نشهده منذ عدة سنوات، منح الجميع مساحة للتنفس خارج الكمامات التي نرتديها منذ زمن محاولة منا على ما اعتقد لتجديد الهواء الفاسد الذي نتنفسه كل يوم.

إلا أن هذه النقاشات، إن صح التعبير عليها بذلك، وخاصة من خلال التعليقات والتفاعلات الظاهرة من خلال مواقع الانترنت، أو من خلال المنابر السياسية والثقافية التي لم تعمر طويلاً، اظهرت مشكلة اخرى اكبر واعمق من كل المشاكل والازمات التي مرت بها وتمر بها ليبيا، ربما منذ قيامها ككيان سياسي منتصف القرن الماضي. فالجدل المتواصل بين التيارات السياسية – ان صح التعبير بوجود هكذا تيارات في ليبيا – والحدة والغوغائية في بعض الاحيان التي اتسمت بها بعض هذه النقاشات، والتعليقات السطحية والمتطرفة التي نقرأها كذلك على صفحات الصحف والمواقع والمدونات الليبية، كما ان استمرارية تواجد القوى السلبية والمتشائمة والمكتئبة والمحبطة بشكل مرضي احياناً، من قبل النخب الليبية من كتاب وصحفيين واكاديميين، مقابل سلبية مزمنة تميز الشارع الليبي بشكل عام، دلت كل هذه المؤشرات على ان الازمة الليبية تكمن في التكوين الثقافي للفرد الليبي، والذي ينعكس بالضرورة على حالة المجتمع ككل.

وقد يتبادر للكثيرين ان مصطلح ثقافة المستعمل بشكل مبتذل في ليبيا وفي ثقافتنا العربية التي تعاني ازمة مشابهة، يقصد به الادب والصحافة والفنون المختلفة، وهو ما يشملها ولكن لا ينتهي عندها، وقد اذهب بعيداً لأقول بأن هناك اتفاق مبيت لحصر الثقافة في هذه المحددات البسيطة واقصاء دورها المهم في تكوين وبناء الفرد.

فالثقافة هنا تعني المهارات العقلية والنفسية التي يتلقاها الفرد منذ الصغر من الاسرة والمدرسة وافراد المجتمع المحيطين به لكي تعينه على مواجهة ازمات الحياة من جهة وتساهم في بناء ادوات صنع القرار على المستوى الفردي والذي ينبغي ان ينعكس على المستوى المجتمعي.

ويجب ان لا يفسر كلامي هنا بأنه لا توجد ثقافة في ليبيا، او لنقل تجاوزاً ثقافة ليبية محلية تميزها عن باقي الثقافات الاقليمية المجاورة، ولكن السؤال المطروح هنا عن ماهية ونوعية هذه الثقافة الليبية السائدة التي تطبع المجتمع والفرد الليبي، وهل هي الثقافة التي تساهم في جعل التغيير والتطور حقيقة قائمة على الارض، ام انها ثقافة تقوم على منظومة قيم تغيرت مع الزمن نتيجة لضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية/دينية، جعلت منها ثقافة منعزلة، ترفض الاخر وتقمع الرأي المختلف وتنظر لأي أفكار جديدة بعين الريبة والشك، وتشهر اسلحة العمالة والخيانة ونشر الافكار الهدامة، وتدعو إلى مزيد من السلبية والاحباط والاكتئاب المجتمعي.

وهذه الحالة ازدادت تأزماً مع غياب آليات ثقافية وتقاليد ونظم اجتماعية لترسيخ قيم ثقافية اكثر فعالية، بل ان هناك قيماً ثقافية اكتسبها المجتمع الليبي أو اخرى تشكل جزءً من التاريخ الاجتماعي والثقافي للبلاد، اصبحنا نشاهد اندثارها واضمحلالها واصبحت تحل بدلاً عنها قيماً ثقافية اخرى مستمدة كذلك من تراثنا ومن تاريخنا وفي بعض الاحيان تشكلت نتيجة للمناخ السياسي والاجتماعي/الديني السائد والمعاش في ليبيا خلال العقود الاربع الاخيرة، مما قلل من شأن قيم التعلم واكتساب ادوات ثقافية يعتمد عليها الفرد في تكوينه الثقافي ليكون قادراً على صنع القرار والمشاركة بمسؤولية في الرفع من قيمة المجتمع، على حساب قيم ثقافية تمارس التسطيح وتنحو إلى تحويلنا إلى كائنات وظائفية هدفها تحقيق الحد الادنى من اسس الحياة من البقاء والاستمرارية وحفظ النوع من الانقراض.

ولعل الظواهر التي نرصدها في حياتنا اليومية في المجتمع الليبي، والتغيرات المتسارعة التي طرأت على القيم الثقافية التي اصبحت تسم غالبية نشاطتنا واحاديثنا وحتى مبادئنا الاخلاقية، اصبحت تطرح بقوة مسألة أن ما نعانيه من ازمات ليس سببه فقط اعلى الهرم السياسي والاجتماعي او نظريات تأمرية سحرية، او حتى قوى علوية، غيبية تتحكم في مصائرنا واقدارنا، بل ان الازمة اعمق من ذلك وتتزداد حضوراً بمزيد من الحفر في طبقات التراكم الثقافي في ليبيا، دون اغفال علاقة المشاكل كلها ببعض وتأثيرها على الحالة الثقافية السائدة في حاضرنا هذا.

إن ثقافة اليقين الاوحد سواء على المستوى السياسي الفكري أو الاجتماعي الديني، اليقين بأننا جميعنا متساوون ليس في الحقوق والواجبات كما تدعو مبادئ المواطنة الحديثة ولكننا التساوي هنا يهدف إلى اختزال القيم الفردانية واختزال الفرد في المجتمع، ليتم قمع الفرد على حساب المجتمع الذي يعامل كأنه كتلة واحدة متجانسة هدفها ابقاء حالة الوضع الراهن كما هي، تجعل أي محاولة للاختلاف والفردانية ومن ثم طرح افكار التغيير والاصلاح مسألة تنطوي على الكثير من الصعوبات والمخاطر، ولا وسيلة للخروج من الحالة الراهنة سوى بتحطيم ثقافة اليقين المطلق وافساح المجال لكافة وسائل المعرفة والتعلم للوصول للفرد بكل حرية، كونهما اساس أي عملية ثقافية قد تسمح لنا يوماً من أن نطرح الاسئلة الحيوية دون خوف من أي عواقب من قبل الدولة أو المجتمع.

مقالات ذات علاقة

تصفية الحساب مع وعينا الفلسفي السابق

محمد الترهوني

الشاعر يكتب كمن يرفع إصبعه الوسطى

هناء قاباج

حقول “الحرام” الأخضر

المشرف العام

2 تعليقان

rashad aloua 5 أبريل, 2021 at 00:57

اعتقد ان غياب الدولة وانتشار السلاح هو السبب الرئيس لما نحن فيه ثم تاتى تباعا الاشياء التى دكرت

رد
المشرف العام 5 أبريل, 2021 at 05:28

نشكر مرورك الكريم

رد

اترك تعليق