سرد طيوب النص

لم يفزّعها الرصاص.. وأيقظها سعال الصغير !!

الى حليمة التواتي

عائلة الكاتب زكريا العنقودي (تصوير أيمن الشعتاني)

كانت الثالثة فجراً، الطفلان بغرفتهما. وكانت هي بفراشها تغط في نوم عميق، حين غادر الحوار الملتهب للرصاصات ملاعبه الشاسعة بالشارع الكبير، مختاراً أن يدخل بكامل عدته لزقاقنا الصغير.

كنّا في مرمى النيران فأقفلتُ نوافذ البيت، وأوصدتُ بابه بالمتاريس (الثلاثة) حرصاً على ألا يدخل ما فاض من رشقات رصاصهم لقلب البيت، وكي لا يتسرب ضجيجها لمخادع نومنا.

رفعت من عيار صوت التلفزيون إلى (الشًّرطة) الأخيرة، والذي كان بالصدفة يبث صراع ضباع وأسود على عجل صغير ع قناة (ناشيونال جيوغرافيك).

عدتُ لجوارها تأملتها، كانت لا تزال بخدرها الملائكي، أدركت أنها لم تسمع شيئاً مما يدور. فأحكمت الغطاء من حولها، أزلت شعرها، والذي نست أن تجمعه كما جرت عادتها، فانهمر كسيل حرير على مشارق وجهها.

(غير متعجب) بما انبعث من هدوء وجهها، رحلت بعيداً لتلك السنوات التي جمعتنا (حلوها ومرّها تذكرت صبرّها علي أنا الذي لا أحتمل نفسي، تذكرت الشقيين الصغيرين، وهما يمعنان ركلاً برحمها الصغير إيذاناً بقرب وصولهما، لكن لم يمهلني الرصاص المنهمر كثيراً للمكوث في تلك الحدائق الخلفية للذاكرة، فرحّلتني (السافانا) عن براحها الشاسعة، وكل مراعيها الخصبة، لتقف بني على حواف صحراء تجف بها الذاكرة وبالكاد تجد ما يرويها.

فوجدت نفسي معها من جديد، لكن هذه المرة وقد أخذتنا الأحداث معها في (2011)، فتذكرت ونحن نخوض في تسونامي وجحيم تلك الأيام. وكيف كانت تمسكني بيد وكان الولد الكبير يسبقنا بخطوة، في حين كانت هي تمسك الصغير بيدها الأخرى، كان همّنا فقط ألا ينفرط عقدنا ويتوه شملنا، كنّا حينها نتّساند كي لا نقع، وكي لا يجرفّنا سيل الحمم معه.

حدث ليلة، وكان القصف شديداً، وأكثر من المعتاد، فقد أفتتح غاراته باكراً واستمر حتى صباح اليوم التالي، حين استفاق الولد الكبير ليلاً، وتتبعها بعينيه وهي تنط على قدم واحدة وتصول على غير وعي منها من أول البيت إلى آخره، كان الخوف هو من يقودها، وبدون إدراك منها، كانت لتوها قد علمت أن شظية وقعت ع سطح جارنا، مما ضاعف نوبة فزعها.

ابتسم البكر؛ كان في العاشرة حينها، وهو يراها تنط، تخفي خوفها متحججة بالبحث عن فردة (شبشبها)، في حين كان يقع تحت نظرها مباشرة، فنظر لي ويغمز عنها بالكلام:

– ماما قولينا خيرك؟؟، اقعدي في مكانك ما يوصلك شيء، هذوا صواريخهم بلاستيشن، وكانك على الشبشب هوني تحت عيونك.

بعد كلامه أغلظت إليه النظر، ثم أعادت قدمها الثانية للأرض لحيث (شبشبها) تحديداً، فاكتملت وقفتها، وشدت ما تساقط من حبال خوفها أمام الولدين، لكنها لم تملك إلا أن تبتسم رداً على تعليقه (رغم شدة القصف)، ودخلنا جميعاً في نوبة ضحك هستيرية، كان الولد ساخراً وحكيما في آن، فهو الآخر كان الخوف يعصف ببراءته، حتى أخيه ابن الست سنوات، كان ثابتا كصخرة، لذلك لم يتوقف عن الضحك حتى نام لوصلة القصف التالية.

عدت من شرودي الطويل هذا، والذي أرسلني إليه سكون منامها المزدان بابتسامة غير مكتملة. همست لنفسي ربما تراودها الأحلام؟ تركتها لسكونها الملائكي، شربت كاس الحليب بجانبي، وسحبت وجه النمر على الغطاء، وجعلته على يمين وسادتي ووضعت عليه رأسي. أخفضت صوت التلفاز، فقد كانت الضباع قد طردت الأسود وحظيت بالعجل الصغير. أما صوت الرصاص الذي كان أخد في الابتعاد، وأنا أقف على حواف الذكريات، يبدو أن صداه هو الأخر قد سرقه الأفق.

كان تملكني النعاس وأنا أفكر بأن الزقاق قد نجى تلك الليلة، وتمنيت أن يكون كل الشارع كذلك، وقرأت (المعوذتين وحوقلة)، وأغمضت عيني، وأنا أتمتم: اللهم نجي البلاد والعباد.

أفقت مفزوعاً بعد دقائق، فقد ثبت إنني كنت مخطئاً حين استسلمت للنوم، فقد تبين أن للمشكلة فصل ثاني، أكثر شراسة وحدّة، فكثافة النيران والرصاص عادت بعنف وأكثر قرباً، من البيت كانت الرصاصات متتالية، وعلى غير وضع المفرد (صلي)، فالأسلحة آلية، اضاقة لضجيج الـ (بي كي تي) ودّل على ذلك صوت زجاج السيارات الذي أخد في التحطم تباعاً وصوت معدنها وهو يلتوي كعلبة بيبسي، كما أن رجع صداها من على الجدران وأبواب البيوت دل على شراسة المعركة، وهذا ما تأكد لنا لاحقاً ونحن نجوب مستطّلعين أرض المعركة في الصباح التالي.

تعوذّت من إبليس وأذنابه، فغادرت فراشي وتفقدت البيت كرة أخرى، فأكدت على النوافذ، وشمعت بخامس المتاريس قفل الباب، لكن ما إن وصلت لفراشي، وأطرقت السمع، كان صوت أقدام صانعي تلك الحرب قد أخد في الإسراع خارج الزقاق، وبالتالي من كل الشارع، وكأن صافرة الإخلاء قد أخلتهم جميعاً، فصوت الرصاص أخد في التلاشي، فقد تتبعته حتى آخر الصدى، وأكدت على عدم رجوعه بطريق عودتي.

عدت لسريري وحمدت الله (أدعوا الله لنجاة الجميع)، رسمت منامي مرة أخرى، لكن هذه المرة أقفلت جهاز التلفزيون نهائياً.

التفت ناحيتها، فوجدتها على نفس إيقاع منامها. كانت غفوتي بالكاد أخذت تفرض سطوتها على، لكن أيقظتني حركتها بجانبي وبتسرع أرعبني، فأنا لتوي قد اجتزت خط بارليف، أما أم الولدين، فقد اجتازت الحرب نائمة، فما بالها تفيق على تلك العجلة وبهذه بسرعة المبالغ فيها، جلست مشدوها، معطياً أذني تحسباً لرجع الصدى، والذي سبق وأن تأكدت من إقفال طريق رجعته.

مشدوها تتبعتها في حركتها السريعة والصامتة محاولاً الفهم، فقد كانت مفزوعة وتسرع نحو الباب، ارتعبت؛ وغيرت بدوري وضع تأمين المفرد ورميتها بأسئلتي بشكل آلي:

ـ ما بك ما الذي أيقظك؟ شن فيه؟

أجابتني وهي تترك الغرفة مسرعة وبيدها مسكن للحرارة متجهة لغرفة الولدين، وردت على أسئلتي، ملتفتة إلى نصف التفاتة

– خيرك ما عا دش تسمع!!! لقد أخذت الصغير نوبة (كحة). سعال يعني.

وأضافت قائلة:

– ربما سقط عنه الغطاء، ربما تركت (حضرتك) أحد النوافذ مفتوحة عليهما!!!

ابتسمت برضا من عاد من حرب، وأخذت نفساً عميقاً، وعدت لغفوتي بعد أن ضمنت وكما العادة أن وجه النمر على يمين وسادتي.

________

النص من مجموعة حكايات من زمن حرب لم تنتهي بعد.. ليس لها عنوان بعد فقط للأرشفة اسميتها (يوميات الجحيم) 

الصورة للمبدع الجميل أيمن الشعتاني.

مقالات ذات علاقة

ذات فرح

زهرة سليمان أوشن

رواية الحـرز (49)

أبو إسحاق الغدامسي

عن المدن … !!!

عطية الأوجلي

اترك تعليق