استطلاعات

لماذا يلجأ الكاتب الليبي للنشر خارج حدود وطنه؟ (1-2)

كوكبة كبيرة من الكتّاب والأدباء الليبيين لاسيّما الشباب منهم صاروا خلال السنوات الخمس الأخيرة يلجأون لطرق أبواب دور النشر العربية أو الأجنبية للترويج لأدبهم وإيصال رسالتهم، ويُعزي البعض هذا الأمر لضعف أو ربما غياب شكل مقنن وواضح لصناعة النشر وسوق حقيقي للكتاب في ليبيا، ما دفع بالكثيرين منهم لإصدار أعمالهم من الخارج،

وقد يلعب المناخ العام والظروف السياسية والأمنية الحرجة التي تمرّ بها البلاد دورًا في ذلك وأيضًا سوط الوصاية الأخلاقية والسياسية على المنتوج الإبداعي الخانقة لرئتيّ الورقة والقلم، فالكاتب لا يستطيع تذوق الهواء دونما سقف عالٍ يصون حريته ويحترم موهبته.. ويظل مستقبل صناعة النشر في ليبيا على المحك فهل حقًا لازال للوصاية الأخلاقية والاجتماعية اليد الطولى؟ وماهي الأسباب الموضوعية التي تقف وراء لجوء الجيل الواعد من الكتّاب لخوض تجربة النشر خارج حدود الوطن؟ هل تتبنى دور النشر المحلية معايير تعسفية تُنفّر الكاتب؟ هل عين الكتاب الليبي تستهدف القارئ العربي أكثر من القارئ في ليبيا؟ أ بسبب محدودية سوق الكتاب في ليبيا تنامت ظاهرة النشر في الخارج؟ وكيف ينظر الجيل الواعد من الكتّاب لآفاق مستقبل النشر؟… 

سنحاول عبر هذا الاستطلاع الوقوف على أبرز العوامل الكامنة وراء نشر الكتّاب الليبيين الشباب لإبداعاتهم خارج الوطن من خلال تبيان وجهات نظر بعض الكتّاب وذوي الاهتمام المشترك.

اختياري للنشر محليا سيقيدني

كوثر الجهمي: روائية ورئيسة تحرير مدوّنة فاصلة الإلكترونية

الكاتبة كوثر الجهمي (الصورة: عن الرواية)

قد لا يجوز لي الجزم بأسباب عزوف الكُتاب الشباب، خاصة الأقلام الواعدة منهم، للنشر في دور النشر الليبية، فتجربتي الاولى بالنشر في دار الساقي اللبنانية جاءت ثمرة مسابقة نظمتها الدار، لا نتيجة لرفض قوبلت به أو عراقيل قابلتني في مثيلاتها المحلية؛ ولكن يمكنني البوح بهواجسي التي سبقت اعلان فوزي بجائزة دار الساقي، فروايتي كانت جاهزة، وكنت أفكر حيال الطريقة التي سأنشر بها روايتي الأولى إن لم يُكتب لها الفوز؛ أنا كاتبة مغمورة، ولا أملك علاقات في الوسط الثقافي المحلّي قد تُسهّل عليّ الأمر.

الهاجس الأول كان ذاتيًّا، وهو الخوف، سيّما بعد الضجة التي أثارها كتاب انطولوجيا شبابية تتناول سنوات الحرب ورياح التغيير العاصفة التي هبت بقوة على بلادنا فقضتْ فيها على الأخضر واليابس، نُشر الكتاب وأثار ضجة بسبب صفحتين من بين الخمسمائة صفحة، هوجمتْ الكاتبات المشاركات تحديدًا قبل الكُتّاب رغم ان صاحب النص كاتب لا كاتبة، هُدّدتْ المحررة وخضعت للتحقيق! بل وصل الأمر لتكفير كاتب آخر جهارا نهارا!

وأعتقد اعتقادًا راسخًا (وهذا رأي خاص كونته بالملاحظة والمقارنة) أن معيار القبول محلّيًّا -للأسف- يرتبط ارتباطا مباشرا بالنجاح العالمي أو الإقليمي، وكأن النجاح خارج ليبيا يُحصّن العمل الفني من الهجوم الداخلي حيال هفوة أو كبوة للكاتب! صودر الكتاب رغم أنه كان من الممكن تلافي المصادرة بتجميعه واتلاف الصفحات المثيرة للضجة -ويظل هذا حلا تلفيقيا لا يليق ببلد يدعم فنانيه ولا أفخر به وإن ارتضيته- كأضعف الإيمان فقط من باب إظهار بعض الاهتمام والاحترام وحسن النية والاحتواء لبقية النصوص، صودر الكتاب من أرضه التي كان ينبغي أن يحقق فيها أعلى مبيعاته وأرباحه، فنحن لا نتوقع أن يغامر كثير من القراء العرب باقتناء كتاب تكتبه اقلام مغمورة، في بلد لا يعرفون عنه الا انه يرزح تحت نعليّ حرب أهليّة، إلا إن كان قد تحصّل على الدعاية والترويج الكافيين، وهذا يأخذني للهاجس الثاني.

دور النشر الليبية مقارنة مثلا بالمصرية واللبنانية هي دور نشر مغمورة وإن تساوى عمرها الزمني مع نظيراتها هناك، وليس لهم في ذلك ذنب بالنظر للحركة الثقافية المتذبذبة في بلادنا منذ عقود، ازدادت عزلتها في السنوات الأخيرة بسبب ما تمر به البلاد، عزلتها انتقلت وراثيًّا لأبنائها (الكُتُب)، لقد كان هاجسي الثاني أن يُحرم كتابي من القارئ العربي، فالكتاب العربي يصل لليبيين، ولكن الكتاب الليبي قد لا يصل للعرب!

الهاجس الأخير فنّيّ بحت، إذ أن اختياري للنشر محليا سيقيدني، لا خوفا من الأجهزة الأمنية -التي تتدخل فيما لا يعنيها- فحسب وهذا ما ذكرته في الهاجس الأول، بل بسبب كون الناشر ليبيّ، وهذا يعني ولا بد أنه يملك تحليلاته الخاصة للأوضاع الحالية، وقد تستفزه كلمة أو فصل يكون مخالفًا لفكره السياسي ومعتقداته الوطنية! وما أكثر الأيديولوجيات في زماننا! لا أقول هذا لأني أتبنى أيديولوجيا بعينها في كتاباتي، بل لأني أرفضها جميعًا، أرفض تقديس فكرة سياسية، أرفض عبادة شخصية أو جهة تزعم أنها تملك خلاصنا، أرفض رؤية الشمس من خلال الغربال.

أما عن المستقبل فهذا ما لا يمكن لأي فينا التكهن به، نحن البلاد التي تنام وتستيقظ على قرار، وعلى انسحاب أو هجوم، تغمض عينك فيُعلن عن حرب، تفتحها فيُعلن عن هدنة.

نحن فقط نتأمل ونرجو، نرجو أن يحصل الاستقرار الذي يسمح بنمو وتعافي حركة النشر بعيدًا عن أي تجاذبات وتدخلات من أي جهة كانت.

كان يجب أن ابحث عن منبر آخر لأقول ما أريد

سراج الدين الورفلي: شاعر

الشاعر سراج الدين الورفلي

لقد كانت تجربتنا الأولى مع كتاب شمس على نوافذ مغلقة والتي أشرف عليها د.خالد مطاوع وليلى المغربي، كانت هذه التجربة مهمة لأي كاتب شاب، فالشباب دائما يحتاجون لهذه الدفعة، كانت التجربة تسير بشكل جيد حين عرض الكتاب في طرابلس وبنغازي حيث لاقى التشجيع والاستحسان من قبل بعض المثقفين، لكن الأمر تغير فجأة حين عرض الكتاب في الزاوية، حيث قام احدهم باستقطاع مقاطع من النصوص حسب مزاجه، مخرجها عن سياقها العام، مما أربك المفهوم، وبدأت حملة تشهير وتشويه على منصات التواصل الاجتماعي، وبدأ يتضح أن المجتمع يعاني من أمراض خطيرة في طريقة تقبله للاختلاف أو ما لا يروق له، بدأ التهديد يطال بعض الكتاب والكاتبات، تهديد حقيقي بالقتل والعقاب، اتهامات بالتكفير ونشر الرذيلة، وكما يقول الاديب محمد الترهوني بأننا ربما نكون في ليبيا أصبحت لدينا مشكلة مع المجتمع أكثر من السلطة، كانت هذه التجربة كافية لتغييب عدد لابأس به من الكتاب الشباب، خاصة مجموعة من الكاتبات اللواتي خشين أن يصل الأمر الى أهلهن، فقد كان التشويه والكذب بلغ حد لا يمكن وصفه، مما جعل الأمر عكسي اي بدل التوسع والتعريف والانتشار، حدث تضييق واقصاء، ولكني على الصعيد الشخصي أخذت قراراً بالاستمرار في هذا الأمر ربما حتى أرى نهايته الى أين تقود، انه نوع من الالتزام اتجاه ما اؤمن به، ولكن المؤشر الذي رأيته كان خطيراً حقاً، خاصة حين ترى شريحة مثل المحامين والاعلاميين وبعض الكتاب أيضا بالإضافة الى وزيري الثقافة في الحكومتين يتخذون موقفا التملص وأحياناً مشابها لما اتخذته الجماعات الاسلامية المتشددة، كان يجب ان ابحث عن منبر اخر لأقول ما اريد قوله، كانت وجهتي مصر، وفعلا تم نشر اول ديوان لي هناك، دور النشر الليبية قليلة وهي متخبطة بين السوق والادب الجيد، بالإضافة للعلاقات العامة والتي افسدت كل شيء تقريبا يخص الثقافة، بعد فوزي بالجائزة المصرية طبعت ديوانين، لكن هذه المرة كنت قد قررت أن أوزعهما في ليبيا، بالفعل ابدت دار البيان مشكورة استعدادها للقيام بهذا الأمر، الديوان القادم افكر جديا في طباعته وتوزيعه بشكل كامل عبر دار ليبية، فالحقيقة انا أكتب لليبيا مهما كانت طريقتي في تناول الحرب والحب والسلام والخسارات وتلك الامور الانسانية يمكن تعميمها، لكني في ذات الوقت اقولها بلكنتي الليبية، هناك دائما خصوصية في التجربة تتعلق بالجغرافيا، وصناعة النشر بهذه السياسات التي أراها ستكون ضعيفة، المؤسسات الليبية الخاصة التي لا تتبع الدولة لا تستطيع المنافسة أمام الأسواق العربية والإقليمية، فالاستثمار فيهن جد ضعيف وحذر وتقريبا بلا حتى رؤية، بالإضافة ان ليبيا غارقة في كتابة  وطباعة الكتب منتهية الصلاحية، نادرا ما يأتي منها شيء جديد وله علاقة بالحداثة أو العصر الذي نحن فيه.

النشر في ليبيا … يحتاج لتغيير شامل وكامل في عقلية الناشرين والقراء والمجتمع ككل

غدي كفالة: كاتبة ومدوّنة

الكاتبة والمدونة غدي كفالة

لا أعتقد أن الوصاية الفكرية والأخلاقية مصطلح دقيق يجسد حالة الكاتب الليبي الشاب اليوم- فأنا ولا يمكنني التحدث باسم اي كاتب آخر- أحاط بمجموعة من الطبقات التي تسيطر على فكري الشخصي وليس أفكار المجتمع أو حتى الأفكار التي أخرجها للمجتمع – فقبيل الشروع بكتابة أي مقال أو قصة أحاول تصور ردود الأفعال الشاجبة وغير القابلة بأي (نواة فكرة) جديدة.

مصطلح وصاية لربما يكون مصطلحاً دافئاً مقارنة بحجم اللا وصاية والتنصل من أي كاتب خرج عن خطة الطريق الموضوعة سابقاً لكامل الشعب الليبي (أطباؤه وعماله وكتّابه وحتى صائدي الحشرات في البرية) هذه الخطة وضعتنا جميعاً في ذات النمط في التحايا والمراسلات ونوع التذمر وحتى أوضاعنا الجنسية المقبولة داخل غرف نومنا (يا سبحان الله).. عموماً لا أود الخروج كثيراً عن الموضوع.. ولكن وجود أي أسقف أو حدود أو حتى سماوات للكاتب هذا سيقتل أي رغبة في داخله للإمساك بقلمه أو شق طريق حروفه على الكيبورد لولادة أي مشروع أدبي او قصصي يسعد به نفسه وجمهوره والقليل من الآخرين.

خضت تجارب ممتعة (أشبه بطعم الكيوي اللاذع) مع النشر على مواقع إقليمية وعالمية فكنت أنا والمحررين نناقش أفكار لم أتصور يوماً أن أناقشها، حديثاً لا ينتهي وقيمة معرفية لا تنضب، بل كنا نبحر جيداً داخل الفكرة وأصل الفكرة وكيفية تطبيقها ونشرها للقراء، كنا ننتقد الجميع ونحترم الجميع في آن واحد، كنا نتحدث عن ليبيا التي لطالما احترمت رغبتها الشديدة في إقصائي وعدم فهمي ونفي (نعم أنا في منفى الأفكار بعيداً عنها) ولكن هي لم تحترم إيماني بقضيتها التي رغبت كثيراً في إيصالها عبر كلماتي ومقالاتي.

بخصوص دور النشر، أعتقد بأنها إنعكاس منطقي للمجتمع الذي نعيش فيه اليوم، فأي إيحاء لغوي أو معرفي جريء سيكون مستهجن وغير مقبول – فلن يكون مدراء أو رواد هذه الدور إستثناءاً من هذا المجتمع، لا أعرف السبب حقيقة لماذا تقوم دور النشر بذلك؟ ولكن الاعتقاد الراسخ لدي بأن أي مجتمع يضع المعيار الأخلاقي لأي عمل -وهي (قيمة فضفاضة) لا يمكنك تعريفها او ووضعها ضمن أطر معينة- هو مجتمع عاجز تماماً على رؤية الصورة الكاملة (صورة التنوع والاختلاف وكل الألوان ).

كل كاتب لجأ للنشر خارجاً كانت له أسبابه الخاصة- ولكن جميعنا نتفق في لغة تواصلنا مع الناشرين والقراء والفضاء الذي يفصل بينهما.

ولا يمكن التنبؤ بالمستقبل حتى وإن كان له مؤشرات، النشر في ليبيا بلا حدود أو قيود يحتاج لتغيير شامل وكامل في عقلية الناشرين والقراء والمجتمع ككل.

أعتقد بأن الجيل القادم قادر على صنع تغيير ما لا أدرى كيف يمكنه حصد ذلك ولكن أعتقد أن جرأته قد تتجاوز عدة خطوط موضوعة مسبقا يحرم عليهم تجاوزها.

أطمح كما يطمح أي كاتب إلى سرعة الانتشار

فتحي محمد مسعود: كاتب

الكاتب الليبي فتحي محمد مسعود

أولا دور النشر الليبية قليلة جدا جدا وإن وجدت اسعارها غالية، وتسويقها محدود.  ثانيا الوضع السياسي الذي تمر به البلاد لا يعطيك الحرية في الكتابة وهذا ينطبق على داخل ليبيا وخارجها عندي رواية تتحدث عن مدينة طبرق وتطرقت فيها بعض الشيء عن الوضع السياسي اوقفت الرواية اثناء طباعتها. والسبب الثالث السوق الليبي يعاني من ركود كبير وهذا نظرا للوضع الاقتصادي الذي تمر به الدولة في الفترة الأخيرة.  رابعا اطمح كما يطمح أي كاتب إلى سرعة الانتشار أو قل الشهرة وهذا لا يتوفر في ليبيا قديما وحديثا. فعلى سبيل المثال اديبنا الكبير إبراهيم الكوني معروف في الخارج أما في الداخل الذين يعرفونه لا يتعدوا المئات.

أما حرية التعبير غير متوفرة في داخل البلاد وخارجها عندي كتاب منذ 2012 إلي الآن لم ير النور.  واتمنى ان تكون لنا وزارة أو نقابة تدافع عن حقوق الكتاب في الداخل والخارج الكاتب الليبي حقه مهضوم. 

في الفترة الأخيرة ظهرت مكتبة مميزة (الكون) وإدارتها جيدة من ليبيا الأستاذ فتحي عيسى نعم هي الان في مصر ولكن إذا تحسنت الأوضاع ربما ترجع الي ربوع الوطن فهذه المكتبة أو قل دار نشر تستطيع تقديم الكثير للثقافة الليبية وللكاتب. وعذرا على الإطالة. وشكرا جزيلا استاذنا الحبيب لك كل الود والاحترام.

وهناك فجوة كبيرة في سوق صناعة ونشر الكتب في ليبيا

عائشة صالح: كاتبة وروائية

الروائية”عائشة صالح”

لا أعتقد أن للوصاية الأخلاقية والاجتماعية يد طولى فهناك مساحة كبيرة من المواضيع التي يمكن الكتابة عنها و الغوص فيها دون ان تخضع للمعايير التي تجعلها ممنوعة او مقيدة ورغم ذلك توجد فعلا بعض القيود من قبل بعض الجهات المتشددة التي تحارب اي جديد كما رأينا في اغلاق حدث جميل و معرض للفنون في طرابلس منذ سنتين تقريبا بسبب سوء الفهم حوله مما يبطل اي جهود او مبادرات لأعمال مشابهة مثلا وكذلك هناك حدث تذكرته الان وانا اكتب كان مشهد انتشر عبر وسائل التواصل لحرق بعض الكتب وإساءة فهمها من عناوينها رغم انها كتب عربية مشهورة و لا ثمت بأية صلة للأسباب التي ذكرت لمنعها او حرقها

وهناك فجوة كبيرة في سوق صناعة ونشر الكتب في ليبيا لم يتم سدها بعد فدور النشر المحلية تنشر كتب بعيدة عن اهتمامات القراء او غير متلائمة مع متطلبات العصر هذا أولا.

ثانيا الظروف الحالية صعبت الأمر على موضوع الثقافة ونشر الكتب واقامة معارض الكتاب فمثلا نفتقد جميعا لمعرض طرابلس الدولي للكتاب منذ سنوات ولا توجد هناك اي بوادر لإحيائه و لو على مستوى محلي.

ثالثا طموحات الكاتب بالوصول للجمهور العربي كافة في حين ليست هناك حتى الأن دار نشر ليبية تنشر كتب تصل لكل الوطن الكبير او معروفة على المستوى العربي.

رابعا دور النشر العربية واكبت التطور في العصر وعقلية الشباب فصنعت لنفسها هوية وبصمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مستفيدة من المواهب في التصميم أيضا فصارت أغلفة الكتب لوحات فنية مخاطبة كافة الجمهور العربي بمختلف أطيافه كما سمحت بالنشر بالعامية واللغة البسيطة فلم يعد شرط اللغة معيق بما ان المضمون يوصل رسالة واضحة للجمهور.

خامسا سوق صناعة و نشر الكتب في مصر وهي الدولة التي استقطبت عدة مؤلفين ليبيين يحظى باهتمام داخلي و عربي و اعلامي كبير بسبب نشاطاتهم و مشاركاتهم في المعارض كما يستقطبون افضل الأقلام العربية من المحيط إلى الخليج فطبيعي أن يكون طموح أي كاتب في النشر معهم فالكاتب كلاعب كرة القدم إن وجد عرض في نادي محترف سيبادر باستثمار هذه الفرصة حتما.

سادسا ثقافة القراءة في بلادنا محدودة فنادرا ما نجد اشخاص مهتمون بالاطلاع و الكتب والثقافة وأن وجدوا فإنهم لا يدعمون شراء الكتب من مصدرها الاصلي مما يصعب الامر على دور النشر للاستثمار في صناعة الكتب و على الكتاب في نشر أعمالهم داخل الوطن

مسالة تعسفية دور النشر المحلية لا أعلم عنها شيئا فلم أجرب التعامل معهم. ولكن لي تجربة بسيطة مع هيئة الثقافة قمت بزيارتهم قبل نشر روايتي رحلة كايا للاستفسار عن ألية تسجيلها برقم دولي

فأنا ككاتبة ليبية يسعدني ان تسجل كتبي باسم بلدي وفعلا رحبوا بي لكن عندما طلبوا مني طباعة الرواية على ورق و نسخها على قرص لتسليمها لهم لم افعل

ربما لأني تعودت التعامل بشكل اسهل مع دور النشر العربية عندما كنت ارغب في سماع تقييمهم لروايتي كل ما كان علي فعله ببساطة هو ارسالها لهم في ملف عبر البريد الالكتروني فتعبر روايتي بسهولة الحدود و انا جالسة في البيت و لكن في بلادي تحتاج مشاوير و جهد ووقت و مقابلات نحن في غنى عنها في عصرنا الحالي

فالكاتب ليس شخص متفرغ فقط للكتابة لانها ليست وظيفة فبالتأكيد لديه العديد من المشاغل الحياتية الاخرى و سيختار التعامل مع من يوفر عليه الوقت و الجهد

رسالة الكاتب الموجهة لكل العرب مع ندرة ثقافة القراءة داخل ليبيا

فأنا مثلا روايتي رحلة كايا توجه رسائل تهم كل المتحدثين بالعربية و قابلة للترجمة الى لغات اخرى فبمجرد ما وقعت عقد مع دار كتاب للنشر و التوزيع بالقاهرة نزلت روايتي و تم المشاركة بها في معرض جدة للكتاب ثم مهرجان الايام الثقافي بالبحرين ثم عادت للقاهرة فلو وقعت مع دار ليبية ففي الغالب ستبقى محصورة هنا .

نعم إن محدودية سوق الكتاب أحد الأسباب المهمة لتنامي ظاهرة النشر خارج البلاد

و أنا أرى أن أحد أهداف دور النشر يجب أن تكون تعزيز ثقافة القراءة و المعرفة في مجتمعاتهم عبر اقامة الندوات و تنظيم الحملات و المبادرات التي تسعى لنشر ثقافة الاطلاع و التزود من نبع المعرفة

هناك بوادر و مؤشرات تعطي انطباع بان الوعي بدا يرتفع بين عدد لابأس به من الشباب

فلو تواجدت دور نشر تقودها عقلية تواكب متطلبات العصر و متفهمة للمواضيع التي تلامس شريحة القراء في بلادنا فعلا و رسالتها نشر ثقافة القراءة و المعرفة و ليس فقط نشر الكتب و صناعة الكاتب قبل صناعة الكتاب

ستكون بؤرة أمل لاستيقاظ سوق النشر في ليبيا مع احياء المعارض و الفعاليات الثقافية و المسابقات التي تشجع كل من في داخله كتاب ان يخرج للنور

وأخيرا لابد أن أتوجه بالشكر لداري الفرجاني في طرابلس والحسام في بنغازي على استمرارهم في رفع راية القراءة و سوق الكتب في بلادنا رغم كل التحديات و الصعوبات بارك الله جهودهم و جهودكم الطيبة.

دور النشر المحلية تعسفية بقدر أنها تحاول النجاة من الغرق والافلاس

عبد الوهاب العالم: كاتب صحفي

الكاتب الصحفي عبدالوهاب العالم

برأيي أن الذي دفع الكتاب الشباب للنشر عبر دور عالمية أو شرق اوسطية هو ببساطة فقر دور النشر المحلية رغم عراقتها وإنتاجها الهام الا أن أغلبها لا يصل للخارج كما أنها تعاني شح الامكانيات فلا تفتح الكاتب/ة أبواب الفرص والشهرة مقارنة بدور النشر الأجنبية.

بلا شك، لدينا شواهد واقعية لردود فعل كارثية على نصوص أدبية أو بحوث أو أعمال فنية فقط لأنها لا تناسب البعض، أو أنها لا تروق للمتحكمين في البلد! وهو أمر مزعج خصوصا لو أدركنا أن هنالك أعمال مسرحية، أدبية، سينمائية وغيرها من مجالات الفن كانت أكثر جرأة من الأعمال الشابة التي تعرضت لهجوم من قبل جهات سياسية بخلفيات أيدلوجية متشددة.. وبالتالي المشهد لا يقبل سوى بالقصائد المحافظة حتى من الناحية الإبداعية الأدبية.. ولا يسمح سوى بقصص الأطفال المكررة وقليل  من السيناريوهات التاريخية لتعرض كمسلسلات في رمضان فقط. ورغم ذلك وجد المبدع الليبي الشاب مساحة واسعة على الأنترنت بما يقدمه من مواقع عالمية للنشر بلغات أخرى وجمهور أوسع وأكثر فهما لحرية الابداع.

ولا أظن بأن دور النشر المحلية تعسفية بقدر أنها تحاول النجاة من الغرق والافلاس، وبالتالي جميع محاولاتها حتى وإن كانت تبدو استغلالية فهي في الواقع محاولات بائسة لتبقى حية وتبقي تراث النشر متواصلا.

نعم إن بعض الكتاب عيونهم على القارئ “العربي” وهو فخ، أو سراب.. إذا رأينا وتابعنا كتابا ليبيين.. تاهوا في صحراء القراء ودور النشر العربية.. وذابوا فيها، غرقوا حين أدركوا بعد جهد وسنوات من اللحاق بهم أن تحقيق الذات يبدأ من جمهور تصنعه من ذاتك من محيطك أو بجودة العمل المكتوب.. وليس بالجري وراء عالم لا يرى أهمية حقيقية للكتاب الليبي.. فهي إذن مأساة الاستلاب من جديد لكن هذه المرة نراها في كتاب شباب يحاولون إثبات أنهم ينتمون لبيئة أخرى.

مقالات ذات علاقة

ترجمة القصائد بين الاقتراب والاغتراب

منى بن هيبة

المثقف الليبي.. نسأل عن غيابه

محمد الأصفر

بين سهام (كيوبيد) وتيجان (كوفيد19).. وقت مستقطع

حواء القمودي

اترك تعليق