استطلاعات

لماذا يلجأ الكاتب الليبي للنشر خارج حدود وطنه؟ (2-2)


استكمالا لما بدأناه في الجزء الأول نواصل في الجزء الثاني استطلاع المزيد من أراء الكتّاب والمعنيين بواقع صناعة نشر الكتاب في ليبيا، فكوكبة كبيرة من الكتّاب والأدباء الليبيين لاسيّما الشباب منهم صاروا خلال السنوات الخمس الأخيرة يلجؤون لطرق أبواب دور النشر العربية أو الأجنبية للترويج لأدبهم وإيصال رسالتهم، ويُعزي البعض هذا الأمر لضعف أو ربما غياب شكل مقنن وواضح لصناعة نشر وسوق حقيقي للكتاب في ليبيا، ما دفع بالكثيرين منهم لإصدار أعمالهم من الخارج.

وقد يلعب المُناخ والظروف السياسية والأمنية الحرجة التي تمرّ بها البلاد دورًا في ذلك وأيضًا سوط الوصاية الأخلاقية والسياسية على المنتوج الإبداعي الخانقة لرئتيّ الورقة والقلم، فالكاتب لا يستطيع تذوق الهواء دونما سقف عالٍ يصون حريته ويحترم موهبته…ويظل مستقبل صناعة النشر في ليبيا على المحك فهل حقًا لازال للوصاية الأخلاقية والاجتماعية اليد الطولى؟ وماهي الأسباب الموضوعية التي تقف وراء لجوء الجيل الواعد من الكتّاب لخوض تجربة النشر خارج حدود الوطن؟ هل تتبنى دور النشر المحلية معايير تعسفية تُنفّر الكاتب؟ هل عين الكتاب الليبي تستهدف القارئ العربي أكثر من القارئ في ليبيا؟ أ بسبب محدودية سوق الكتاب في ليبيا تنامت ظاهرة النشر في الخارج؟ وكيف ينظر الجيل الواعد من الكتّاب لآفاق مستقبل النشر؟… سنحاول عبر هذا الاستطلاع الوقوف على أبرز العوامل الكامنة وراء نشر الكتّاب الليبيين الشباب لإبداعاتهم خارج الوطن من خلال تبيان وجهات نظر بعض الكتّاب وذوي الاهتمام المشترك.

العمل الثقافي في ليبيا مهمل جدا وغير مرغوب فيه

حنين عمر: شاعرة وكاتبة صحفية

الشاعرة حنين عمر

في الحقيقة العمل الثقافي في ليبيا مهمل جدا وغير مرغوب فيه بالمجمل فالثقافة أمر ثانوي ربما تتقدمه دائما الأمور الحياتية الأخرى لذلك فإن المؤسسات الثقافية في ليبيا شكلية إن وجدت وعاطلة عن العمل ودور النشر تتشارك أيضا في هذه الخاصية على ندرتها فوزارة الثقافة لاتعمل على تشجيع العمل الاعلامي والابداعي حيث تتأخر مستحقات المبدعين والكتاب والصحافيين لشهور والأغلب لا تصرف مستحقاتهم كما يحدث معي منذ أن امتهنت هذه المهنة (مهنة المشاكل).

القصد مما ذكرت أن تجربتي في النشر لديواني الأول (منذ زمن المساء) بدار السفير في تونس كانت لعدة أسباب أهمها.

سرعة الاستجابة من قبل دار النشر وابرام العقد وطباعة الديوان في مدة قصيرة جدا مع تحفظي على الأخطاء التي حدثت بالديوان وأفسدته.

وربما محاولة الكاتب للنشر خارج بلده لرغبته في الانتشار وتوزيع أعماله في بلدان أخرى ومشاركته في معارض دولية عدة ربما توفر له حظه من الانتشار المرجو، وهذا مالم يحدث معي فكثير من دور النشر لا تتكفل بالتوزيع والأغلب يطبع الكاتب أعماله على نفقته الخاصة ولا ينال أي مقابل عن مبيعات أعماله وهذا ينطبق أيضا على جُل أو كل دور النشر المحلية التي تحمل طباعة ونشر وتوزيع العمل على الكاتب وهذا أمر فاشل ومع تجربته يتوقف الكاتب عن النشر وأحيانا عن الكتابة كما حدث معي تماما.

ولم أجد في الناشرين الليبيين المهتمين بنشر الأدب ما قد يعطيني هذه المواصفات التي كنتُ أطلبها

محمد النعّاس: قاص ومدوّن

في البدء، هذا موضوع طويل، متشابك ومعقد يصعب تناوله في سطور قليلة، ولكن لتبسيط مدى تورط الوصاية الأخلاقية والاجتماعية في رسم الحدود للكاتب، يمكن تصور الكاتب وهو (أو هي) منذ تسلل فكرة ما عليه يحترق شوقاً لكتابتها، يشعرُ بالحرية والمحبة اتجاهها وأنّه ملك الدنيا، يمكنك تصوره يلهث ككلب وجد عظمته المفضلة نحو مكتبه، يجلس مع كوب قهوة (أو شاي، أو صينية محلبية) تحت نافذة بنيّة كلون الحياة في هذا الوطن ويفتح حاسوبه (أو ورقته أو ما شاء وما استراح في الكتابة عليه) ومن ثم وقبل أن تمتد يده لخطيئة الكتابة، يشعر برعدة في جسده، رعدة تنشأ من دغدغة خيالات وأشباح وغيلان تتمثل في أول مرة تصفعك فيها أمك لأنك قلت كلمة سيئة، شخص مجهول وعشوائي وقد علق ذات مرة عليك بأنّك لو تخفف من المشاهد الإباحية ستكون كتاباتك أفضل، أو حملة على فيسبوك قد طالت أحد الكتّاب أو الفنانين، ابن عمك الخنيْنة وقد قال لك بأنه لا يمكنك أن تعيش على الكتابة، أحد الكتّاب الكلاسيكيين وهو يخبرك بأنّ الشيت تكتب هباء (وليست هراء)، أحد عناصر الكتائب المسلحة وهو يصوب رأس بندقيته على رأس قلمك أو إصبعك الذي يكتب على الكيبورد، كل هؤلاء وغيرهم خلفك في مكتبك الصغير وفي رواق بيتك وفي الحمام والمطبخ وجنان بيتكم، كلهم يتبعونك بينما تحاول أن تبدأ الكتابة، هذا في بداية الكتابة، فإذا نجحت وتحملت الرعدة التي تكونها الرقابة الثقيلة على صدرك، فعندما تكتب سترى أنّك تستمع لأصواتهم وهم يقودونك نحو النص، ” لا، لا تكتب نهد…اكتب شيء مثل دلاعة”، فإذا نجحت من تخطي هذه الرقابة، فستجد الرقابة على النشر، فإذا نجحت فستجد رقابة القارئ المتلقي والقارئ الذي تلقى نصك وما فيه من قارئ آخر، وقد تجد نفسك في رقابة خطيرة قد تهذر حياتك كحياة كلب يحاول أن يتخطى طريق النقازة خمس بينما تدعسه شاحنة. هل فهمت ما مدى خطورة الوصاية؟ وكيف أنها بالتأكيد وبدون منازع تملك اليد الطولى، والقدم الطولى، والرقبة الطولى والعين الواسعة الكبيرة الضخمة حتى تغطي عين الشمس؟

الكاتب والقاص “محمد النعاس”

من تجربتي الشخصية، ومن تجارب معقولة خضتها في محاولة النشر، أجد صعوبة في الإجابة على هذا السؤال، وهو أيضاً كالسؤال الذي سبقه لا يعطيه استطلاع رأي سريع حقه، فالطرف الرئيس الذي كان مسيطرا على حركة النشر في ليبيا هي الدولة متمثلة في وزارة الثقافة، فهو الطرف الذي كان يملك القيد الكامل على حركة النشر في ليبيا، ومن خلال حديثي مع أحد الناشرين الليبيين زاد تفهمي لصعوبة الطباعة والنشر في ليبيا، إنّ الناشرين الذين يعملون في مجال النشر الأدبي قليلون، نادرون، وقد رأيت بعض منشوراتهم، تتسم غالبيتها بانحدار جودة الورق والطباعة نفسها وهذا أمر يعود للميزانية التي يملكونها في مخصصاتهم، ولعوامل الحرب وانهيار الاقتصاد الليبي وانعدام السيولة وغلاء العملة الصعبة التي تضحك من محاولة الدينار الليبي في العودة لسابق عصره، كل هذه عوامل تحد من عملية النشر بصفة عامة ومن جودة ما يُطبع ويُنشر ( أقصد هنا جودة المادة نفسها، لا جودة النص)، كما أنّ عمل الناشرين الليبيين لازال كلاسيكياً ولا يتخطى سوى طباعة ما يكتب ونشره في المكتبات والمشاركة ما أمكن في بعض المعارض في المنطقة، وبهذا يفقد الناشر ثقة الكاتب في اهتمامه بكتابه، كما فقد الكاتب ثقته في حركة النقد، وثقته في القارئ وثقته في نفسه وثقته في طعم قهوته أو جودة سجائره، هذه العوامل والتي لا أظن من بينها “الوصاية” هي ما قد يجعل الكاتب يتحرك للنشر خارج الوطن.

أنا نفسي لم أنشر خارج الوطن، نعم لقد قمتُ بطباعة مجموعة قصصية على حسابي الخاص، لأنني أردتها بجودة معينة وبتصميم غلاف معين، ولم أجد في الناشرين الليبيين المهتمين بنشر الأدب ما قد يعطيني هذه المواصفات التي كنتُ أطلبها، ولو وجدت لما بحثت عن مطبعة خارج ليبيا لتقوم بالأمر، أنا أتحدث عن نفسي هنا، ولا أعلم ما هي الأسباب التي قد تدفع الآخرين لتجربة النشر خارج ليبيا، ولكنني يمكنني التخمين أن سمعة الناشرين في المنطقة المتحدثة باللغة العربية قد تساعد كتبهم في الانتشار للقارئ المتحدث باللغة العربية، وهذا ما يريده كل كاتب، فقط اسأل نفسك، ما هي حظوظ كاتب ليبي في الوصول إلى أكبر عدد من الجمهور من خلال ناشر محلي ظلمه زمن طويل من الرقابة وغلاء المعيشة ومحاربة الإبداع؟

أعتقد أنّ المشكلة الكبرى تقع في القوانين التعسفية من الدولة الليبية، يجب أن لا نحمل دور النشر الليبية (والتي ولسوء الحظ لا تتعدى أصابع اليدين) أكثر مما تحتمل، الدولة الليبية والمجتمع الليبي هم من يضعون هذه المعايير، وهي معايير وقوانين وقحة في المجمل.

إننا في حاجة ماسة اليوم لمستقبل حقيقي لمجتمعنا أن نبدأ في تخصيص هذا القطاع، أن تشجع الدولة في البدء المستثمرون وأصحاب القطاعات الخاصة في الاستثمار والعمل في المجال الثقافي، وأن تسحب نفسها بالتدريج منه ونغلق أبواب وزارة الثقافة ونطرد الوزير، مع إمكانية ترك جهة غير ربحية حكومية مستقلة تماماً عن الحكومة ( كالجمعيات العالمية مثل معهد غوته الذي يتبع للدولة اسمياً فقط، أو عطاء الأمير كلاوز المؤسسة الهولندية العريقة التي تعمل على دعم الفنانين البصريين) تستمدُ تمويلها من الشعب ذاته على هيئة ضريبة، سيكون من الجيد أن نرى ضريبةً للثقافة؟ أعتقدُ ذلك، سيساعد ذلك الشعب في الإحساس بأهمية الأمر وتزيد من مسؤولية هذه الجهة أمام دافعي الضرائب وينتهي التلاعب بأموال الشعب في حركات سخيفة تدعي نشر الثقافة الليبية عن طريق دعم وزارة الثقافة لـ300 كاتب ليبي بطبعها لأعمالهم دون أن تطبع إلا أعمال المقربين للعاملين فيها. 

أنا أشعر بالحزن اتجاه مجتمعنا، أتذكر أنني كلما وليتُ وجهي في الدول التي زرتها، رأيت شخصاً يحملُ كتاباً، في ميترو الأنفاق باسطنبول تجدُ القراء ينتظرون قطاراتهم يقرأون كتاباً بينما أعلى الكرسي الذي يجلسون عليه دعاية برّاقة مزينة بضوء النيون لكتاب جديد لكاتب تركي، في هولندا كنتُ أرى القراء في كل مكان، صحبة كلابهم متكئين في الحدائق العمومية يقرأون رواية ما، يحملون كتاباً خارج حقيبة ظهرهم وهم يقودون دراجاتهم، الكتاب يتم تعاطيه كالحشيش والجِنس في أمستردام. حتى في تونس، لطالما شرد ذهني وأنا أشاهد القارئات يلجن مكتبة دار الكتاب في شارع الحبيب بورقيبة، كأنهنّ يدخلن لدكانة بيع المكياج، تكادُ لا تجد موطئ قدم في المكتبة المزدحمة في بعضِ الأوقات. في برلين، هناك سوق للكتاب في كل زاوية، وهناك كاتب وقارئ وناشر أينما وليت وجهك. ذات مرّة في مكتبة بمدينة أوتريخت الهولندية، كنتُ أبحث عن كتاب أهديه لصديقة هولندية، دخلتُ المكتبة، وفي خضم بحثي عن الكتب وجدت رواية العودة The Return للكاتب الرائع هشام مطر، اشتريتُ الكتاب وأهديته للصديقة، بعد ذلك بأشهر التقيتُ بها مجدداً، حدثتني عن الكتاب بشغف حتى أنني حسدتُ هشام مطر، حدثتني عن المشاعر التي خلفتها الرواية فيها بعد الانتهاء منها، مشاعر لم تنسى وجودها حتى بعد أشهر من لقاءنا من جديد، كانت تسألني عن قصصي وما أقوم بكتابته بالإضافة إلى ذلك. طوال حياتي في ليبيا لم أجد أحداً مهتماً بالعملية الإبداعية الليبية بطريقة تشابه هذه الصديقة والقارئة العادية، حتى من أصدقائي الكتّاب والمثقفين، كان هناك دائماً طابع سخرية من الكُتب والكتابة أراها في أعين الذين أعرفهم، أصدقائي من مرحلة الدراسة الجامعية كانوا يهزأون من كوني كاتباً، وسمعتُ من كاتبٍ يكبرني في العُمر أنّ هذا ما يحصل له، بل إنّ حماه كان يتندّر بمهنته الأدبية، هذا الاختلاف بين عقلية الإنسان العادي في الدول جعلني أشعرُ بالحزن اتجاه الإنسان الليبي الذي يرى عالم الأدب والفن عالماً غرائبياً بل أحياناً يرى العاملين فيه مجرد أناس يضيعون أوقاتهم، تعليقات عديدة سمعتها طيلة سنواتي الأدبية جعلتني أفكر في جدوى الكتابة. لكن رحلاتي في بلاد الله أضافت لي زاوية نظر جديدة لم تكن في الحُسبان، إنني أصبحتُ أعتقد بأنّ المشكلة الرئيسية التي تعرقل عملية النشر في ليبيا هي عملية التسويق للكتاب والكاتب، نحنُ في بلد تنعدمُ فيها الوكالات الأدبية والفنية، لا وجود لوكيلٍ أدبيٍ واحد، كما أنّ عملية النقد فيها تعدُّ ضرباً من الخيال، يتوقف نقدُ العمل الفني في العموم في القراءات الانطباعية والتي لا تخلو في مراتٍ عديدة حسب قراءاتي من التملق أو المجاملة، وصولك أنت وعملك للناس متوقف على علاقتك بهم، كأنّ الكاتب، تلك الروح الحساسة والمتبصرة يتوقف على نجاحها عدد معارفها من الناس وحصيلة أصدقائها. 

أرى أننا نحتاج لإعادة تعريف حقيقية لعملية النشر ابتداءً من عملية الكتابة الإبداعية، التحرير، الوكيل الأدبي والطباعة والنشر والتسويق والقراءة والنقد، نحتاجُ لوقفة حقيقية من أناس يملكون الحافز لذلك – أنا شخصياً لا أملك ذلك الحافز، حتى أكون صادقاً-، أن نعيد برمجة عقلية الكاتب الليبي وعقلية الناشر والقارئ والإنسان الليبي، أن نغسل الأدمغة من أدرانِ العقود الذي خلفها حكم الجمعيات التشاركية وقتل النجومية ومعاداة الفن والسخرية من أهله، كيف يمكننا فعلُ ذلك؟ لدي هاجس، يقول لي هذا الهاجس أننا لن نقوم بذلك إلّا عندما نجعل الشعب بكافة طبقاته يوقنون في البدء بأهمية الكتاب (أو العمل الفني في المجمل) التي قد لا تقل عن أهمية حكة طماطم المعجون، وأن نفعل ذلك، علينا استغلال الأدوات التي توفرها لنا تقنيات الدعاية والإعلام الحديثة، أن نعيد “النجومية” في ليبيا، هل فكرت لماذا يعد النيهوم من أكثر الكتّاب شهرة في ليبيا؟ إنّه ببساطة نجم، أن نجعل الكاتب نجماً مثله مثل لاعب كرة القدم، مغنّي الراب والممثلين المصريين، ولنفعل ذلك وعلى دار النشر أن تعيد تمركزها، وأن لا تتوقف فقط على طباعة العمل الإبداعي وتوفيره في المكتبات والمشاركة به في معارض الكتاب، بل عليها أن تأخذ خطوة أخرى، أن تسوّق الكتاب كما يفعل تاجر الحشيش ببضاعته، أن تدرس جيداً جمهورها المستهدف، أن تجعل فعل القراءة ” Cool” رِوِش كما يقول المصريون إن كان جمهورها من المراهقين والشباب، أن تجعلها مهمة كأكل الإفطار للأطفال، أن تستخدم يافطات الطُرق للدعاية للكتاب، أن تحتل مواقع التواصل الاجتماعي كما يفعل أدمن صفحة ليبيا فقط على فيسبوك، أن تفكر بطريقة مختلفة عن الماضي، ترسل الكتاب كهدية لمؤثري (انفلونسرز) الانستغرام والتيك توك وتويتر والسناب شات، أن ترسل الكتاب للنقاد الحقيقيين وللقراء المتحدثين بالعربية أو الأجانب الذين تثقُ بهم ويثقُ برأيهم جمهور الكتاب الليبيون -وهم كُثر-، لماذا أقول أنّ هذا الأمر يقعُ في مجمله على دار النشر وليس على الكاتب؟ حسب معرفتي وخبرتي، فالكاتب لا يملك الأدوات ولا الميزانية لفعل ذلك، ومن المثير للشفقة أن نشغّل الكاتب الذي في العادة لا يحبذ الظهور في العلن ويحاول الاختباء من الناس ونرغمه أن يقوم بالدعاية عوضاً عنا، نعم يتحمل بعض المسؤولية في الدعاية لكتابه، ولكن مسؤوليته الحقيقية والأولية هي أن ينتج عملاً فنياً مميزاً ويستحقُ أن تعمل دار النشر على تسويقه ووضع غلافه في يافطة فوق كرسي انتظار بمحطة ميترو.

حركة النشر في ليبيا كرجل عجوز منهك ومتعب أقعدته سنين قانون شركاء ولا أجراء، وطمس النجومية ومحاربة الإبداع والوصاية الاجتماعية والقانونية والأخلاقية على الكتاب، ودفع الكتاب إلى مخزن الدهر مع الرمح والنشاب والعجلة الصخرية والغرامافون يقتله الغبار وخيط العناكب وروث دودة الكتب التي قد تبدو المنتفع الوحيد من الكتاب في ليبيا، ولكن هذا الرجل يمكن أن يتم إحياؤه، إذا ما وضع أناس حقيقيون يهمهم أمره ليغرسوا فيه إبرة الإنعاش، هذا بالطبع…في حالة السلم والأمان ودولة القانون والمؤسسات، وليس في حالة الحرب وانعدام الاستقرار والانهيار الاقتصادي.

الشاعرة نعمة الفيتوري
الشاعرة نعمة الفيتوري

ينقصنا الكثير لتسير منظومة الثقافة بشكل صحيح

نعمة محمد الفيتوري: شاعرة

أعتقد أن السبب الأكبر في لجوء الشباب وبعض المبدعين المغمورين إلى النشر خارج ليبيا هو أن طبيعة الناشر الليبي أو تركيبة الشخصية الليبية لا تحب المغامرة لذلك لا تنشر إلا للأسماء المعروفة وهي بالنسبة لها” السلعة الرابحة ” ماديا وترويجيا

نادرا ما نجد دار نشر تبحث عن مواهب وابداعات ودماء جديدة نحن كعرب نفتقد لثقافة البحث والاكتشاف سواء في ليبيا أو خارج حدودها، وعندما يلجأ الشباب للسوق العربي لا يعني هذا ابدا أنهم الأكثر اهتماما بما يقدم لكنه بالنسبة لهم مج رد”زبون” سيتحصلون من خلاله على ربح مادي وهذا خلاصة الأمر..

والجانب الإيجابي الوحيد بالنسبة للكاتب الليبي هو دور المعارض الدولية في توزيع الكتب والترويج لكاتبها وهو ما نفتقر إليه أيضا..

بالنسبة لوضع ليبيا ينقصنا الكثير لتسير منظومة الثقافة بشكل صحيح

.أولا الوعي الكامل بدور المسئول الإعلامي والثقافي والاهتمام بتفاصيل وظيفته وعدم إهمالها وتتضمن تلك التفاصيل دعم المواهب وتحفيز الابداع عند الموهوبين والإيمان بأن من حقهم”فرصة”

.الإيمان بأن الإبداع لا يقتصر على أسم معين
.زرع بذور الثقة بين دور النشر والوجوه الجديدة، للأسف الإعلام دوره مفقود في ظل التخبط المحيط..غياب خطط المشروع الثقافي التي يمكن أن تقوم بتبني “الجديد”.. لذلك ينقصنا الكثير

الخلاصة: أن تتخلص دور النشر من تأطير عملها على أنه مجرد مشروع تجاري يعمل على الكسب على حساب الأسماء المعروفة دون أدني مخاطرة وأن تعمل ضمن دورها الطبيعي ألا وهو “الثقافة”.

القاص والروائي علي جمعة اسبيق

دور النشر المحلية فهي لا تتبنى إلا الأسماء الكبيرة

علي جمعة إسبيق: قاص وروائي

في اعتقادي أن السبب الأول في توجه الكتاب الليبيين إلى دور نشر عربية هو سهولة وسرعة الاتصال والتواصل مع تلك الدور، أما سقف الحرية التعبيرية فليبيا تكاد تكون فيها الرقابة حاليا معدومة أي أنه مستبعد جملة وتفصيلا، أما دور النشر المحلية فهي لا تتبنى إلا الأسماء الكبيرة لتضمن لنفسها ربحا مضاعفا، وفي ذات الوقت لا توجد دار نشر حقيقية، تواصلت شخصيا مع عدة دور نشر وكان التسويف في مجرد الاطلاع على المواد فما بالك في نشرها، إن أصحاب دور النشر الليبية أناس مليؤون بالغطرسة والحقد، وهم صيادون محترفون للجنس اللطيف، لم تكن الثقافة أو المثقف همهم، القارئ الليبي في نشاط وتحسن كبير، أفضله على القارئ العربي، حيث أن القارئ العربي يتجه للكاتب الغربي أكثر من مغمورية الكتاب العرب،

في النهاية المسؤولية تقع على عاتق وزارة الثقافة الليبية، لأنها ماتت عند الكتاب فقد تجاوزوها ليخوضوا غمار التجربة في الخارج بأنفسهم.

الكاتب والباحث عبدالمنعم الدبسكي

للتعامل مع دور نشر عربية فوائد أخرى

عبد السلام الدبسكي: كاتب وباحث

من أهم العراقيل والتحديات التي تواجه الكاتب الليبي في طباعة الكتاب داخل بلاده.. ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع وفرض أعداد كبيرة من النسخ على الكاتب لطباعتها وهو الامر الذي يرهق ميزانيته التي تتطلب دعما ماليا كبير لتغطيته وفضلا عن أنه ليس هناك مشاريع كبيرة وحقيقية تُعنى بموضوع التوزيع وتستطيع إيصال الكتاب إلى القارئ الليبي أينما كان.

كما أن التعامل مع دور نشر عربية، فوائد اخرى أن الناشر العربي يطوف على معرض الكتب الدولية باستمرار أو دورياً وفي كل بقعة يحطّ فيها يكون للكاتب فيها نصيب وافر بضمان نشر إصداراته.. مما يعطي الفرصة للمهجرين وخاصة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت موجات جماعية من اللجوء، بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية التي دفعت أعداد كبيرة من الليبيين إلى الخروج من بلادهم بإمكانية حصولهم على الكتاب بصورة أسرع، وهذا انتشار جيّد بالنسبة للكاتب.

الشاعرة غادة البشاري
الشاعرة غادة البشاري

إلى متى يزج بالكاتب الليبي في عنجهية هذه القرصنة المطبعية؟

غادة البشاري: شاعرة وكاتبة

لجوء الكاتب للطباعة والنشر خارج حدود بلده أمر ليس بالجديد، ولا يختص به كتّاب ليبيا دون الدول الأخرى، ولكن الذي لا أجد له مبررًا أن يحتل الكاتب والناشر الصدارة في الحديث عن التواتر القائم حول طباعة المنجز الأدبي ونشره، في حين أن عملية إصدار هذا المنجز في حقيقتها تقع على عاتق المسؤولين في وزارة الثقافة، والمجلس الأعلى للثقافة، واتحاد الكتاب؛ ممن أتاحوا لرأس المال المتاجرة بالمشهد الثقافي للبلاد؛ فلا قوانين مفعلة تحد من بهوضية أسعار الطباعة، ولا كيفيتها، ولا أسس تحترم حق المؤلف المادي، وتوزيع وترويج مؤلَفه، وسفره إلى معارض الكتاب العربية والعالمية، وحق الناشر أيضًا في عائد مادي يضمن ديمومة العمل، ولا رقابة على طبيعة المنجز وقيمته الأدبية، فكل من لديه ” قرشين “و بضع عبارات- قد يكون سهر على موسقتها من مؤلفات أخرى _ يطبع مؤَلفًا وينشره عربيًا؛ دون اعتداد بأن هذا المؤَلف بمثابة واجهة تتصدر واجهات البلاد الثقافية أمام العالم. بالنسبة لي كشاعرة طبعت ديواني الأول في الرباط المغربية؛ ويرجع ذلك لإقامتي هناك تلك الآونة، أما الديوان الثاني والثالث فطبعا في مصر؛ في مؤسستين مختلفتين؛ نتيجة لعدم المصداقية في الاتفاقات، فقد قمت بإتلاف خمسمائة نسخة من ديواني الثاني حرقًا؛ لما كانت تحوي أخطاء مطبعية، وتجميعية.

إننا نملك مقومات فكرية ومادية تجعلنا أداة فاعلة ومهمة في طباعة، ونشر المنجز العربي؛ الليبي فقط، غير أنه لا أحد يدري إلى متى يزج بالكاتب الليبي في عنجهية هذه القرصنة المطبعية.

مقالات ذات علاقة

المشهد الثقافي الليبي.. من الصوت الواحد إلى التعدد

المشرف العام

كل موجة عنف تعصف بليبيا يدفع الصحافيون جزءا من ضريبتها

المشرف العام

هل يوجد شعر؟ هل يوجد نشر؟…!!

سالم أبوظهير

اترك تعليق