المقالة

لماذا يكره المعلمون مذكرة التحضير؟

مقال تربوي

تقرير

القلم وسيلة للتعبير عما يختلج الإنسان من مشاعر متدفقة ، هناك أشياء لانحسن التكلم عنها مشافهة ، ولكننا إذا أمسكنا القلم انبعثت كلماتنا تنطلق صريحة دون حواجز.

مذكرة التحضير أو التدوين : مشكلة قائمة في مدارسنا عند أكثر المعلمين، لايفضلونها ويتضايقون من التدوين فيها باستمرار، ومعظم من يهتم بها فهي من باب إرضاء الموجه التربوي ، أو من يقوم مقام المفتش الإداري من الإدارات التعليمية وغيرها.

بل وصل الـأمر حدا : أن يصاب المعلم بالإحراج حينما يُطالب بمذكرة التحضير ، ويعتبر ذلك من باب الإنقاص من شأن المعلم .

هذا ما يحدث فعلا في مؤسساتنا التعليمية : المعلم يكره ويتحرج من الحديث في مذكرة التحضير وكيفية تدوينه للدورس ، ويرى نفسه أنه أفضل بكثير من دونها .

ويخبر كثيرون أنهم جيدون ويرتجلون الدروس ارتجالا دون الحاجة إلى تلك المذكرة التي باتت أمر ملزما ، يفرض عليهم ويقض مضاجعهم.

ومن غريب الصدف : أن بعضهم الآخر لدى وصول الموجه التربوي ، تراه يتحجج بحجج قد تكون عليه ، رغم أدائه الجيد ، فمثلا هناك معلم يفتعل ظروفا وهمية كي يتخلص من عتاب المشرف ، وقد يختلق  ليتخلص من كل ما يخافه ويوجل منه .

لماذا يتحرج المعلم من المذكرة ، أو تدوين الدرس ؟

في هذه المقالة أود أن أهمس لكل معلم يعترض على مذكرة التحضير بجملة من المزايا التي أراها من جانبي مفيدة :

مذكرة التحضير هي مذكرة للخواطر العلمية ، لكل إنسان في هذه الحياة نوتة ، مفكرة ، كنّاشة ، يُدوِّن فيها خواطره ، ذكرياته، مواقفا تمر به ، حالات يحتفظ بها ، المفكرة محفظة لكل الأفكار والذكريات والهواجس التي تمر بنفس الإنسان ، فالإنسان لايخلو من كلمات يود الاحتفاظ بها ،فهناك من يحب تدوين الأرقام الهاتفية ، وأرقام المستندات الشخصية ، هذا على أقل تقدير لمن لا يحب الكتابة لكنه يحتفظ بكتابة أشياء كي لاينساها أو يجدها بسرعة حالة الرجوع إليها ، هناك من يدون مواعيد معينة في قصاصات تظل على مكتبه كي لاينساها ,,,,

الكثيرون يدونون لكن لكل منهم أسلوبه وطريقته في التدوين والكتابة .

بعض الناس يعبرون عن مشاعرهم في مذكراتهم الشخصية بالرسم ! هل تنكرون ذلك ؟ لاأعتقد ذلك !

ومما وقفتُ عليه أن هناك جملة من الناس حينما يخلون بأنفسهم ؛ يفتحون مذكرة أو كراسة ما …ويبدؤون برسم وجوه وعيون ، ومتداخلات وطرق ويشخبطون بألوان غير مفهومة التداخل أو التنسيق ؛ لكنهم يعبرون بمزاجية قلقة ، ويخرجون بمزاجية هادئة ورائقة .

القصة تكمن أن لكل إنسان في الحياة مفكرة يحتفظ بها ويود أن يحادثها ، ويحكي لها عن كل مكنوناته ، في غياب اللغة المباشرة الخالية من الجدل بين البشر . وفي حالة النسيان التي بدأت تتزامن مع الإنسان العامل ، نظرا لضغوطات الحياة ومشاغلها.

وعودة إلى مذكرة التحضير أو الخواطر العلمية ” فقد أحببتُ تسميتها بهذا الاسم أو إضفاء عليها هذا الوصف ؛ نظرا لما لها من فائدة عظمى تعود بفوائد جمة على المعلم وعلى المستقبل الإبداعي .

فمذكرة التحضير هي حكاية معلم لما سيكون عليه من أداء ؛ وهي اختراع لطرق تدريس مبتكرة ، وطرق علاج لمواقف تعليم واردة .

في يوم من الأيام الدراسية ، يحكي معلم ٌ ممن كان يعترض على عمل مذكرة إعداد الدروس : أنه لم يكن يعتقد بأي حال من الأحوال : أن للتحضير كل هذه الفوائد التي تساعد المعلم على أداء عمله على أكمل وجه ، فقال : بينما أنا متمكن من درسي ، حافظ لحرفي ، مغرور بقوتي البلاغية ، وإذ بموقف تربوي يحتاج مني أن أكون قد أعددتُ له العدة قبل الولوج للفصل الدراسي ، هذا الموقف تسبب لي بارتباك أمام طلابي الذين كنتُ أفتخر أمامهم ، من ملكة التفنن في المحاضرة ، والإلقاء عن ظهر قلب دون مواربة ، كيف أتعامل مع طالب قال لي : أنا لم أفهم كلامك الذي تتحدث به منذ أن جئتنا ، وأنا أحاول دون فائدة !!

أأعيد الدرس ؟

كلا !

لغتك وأسلوبك لن أتأقلم معها ، وأفكر كيف أجعل نفسي أحبك حتى أحب مادتك !!

طالب ٌ أجبرني على إعداد مذكرة تحضير (لتحضير ذهني وكتابي لكل ما يرد من شاردة وغاربة داخل الفصل المدرسي المليء بالمواقف التعليمية التي تحتاج لتشريح تربوي ).

فالتحضير ليس كتابة جملة من الأهداف العامة والخاصة ، ونقل الدرس من الكتاب المدرسي ، إلى مذكرة التحضير ، ثم سؤال التقويم أو التقييم وينتهي كل شيء .

إن مذكرة التحضير هي (برنامج تربوي لحشر المواقف التربوية ، وشغل المعلم داخل فصله المدرسي ، وما يمر به من مواقف تحْدث من تلاميذه، وكيفية معالجتها ، ما توصل إليه من نشاط وجهد مبذول داخل فصله المدرسي ).

كل ذلك وأكثر يستعرضه المعلم بطريقة فيها إبداع هندسي لمساره، هذا المسار يكشف عن معلم يمتلك نشاطا لايستهان به في مجاله التعليمي ، بل يعول عليه مستقبلا في رسم سياسة منهجية من خلال الاطلاع على ما يدونه في مذكرة الخواطر التعليمية .

ويرجع كره المعلم لمذكرة التحضير ؛ نتيجة ما كونه عنها مسبقا أنها معيار قياسي من خلالها يصنف المعلم من أنه ناجح أو غير ناجح ..وقد حدث عن غير قصد : أن هناك كثير من المعلمين لظروف ما – لم يدونوا دروسهم داخل مذكرة التحضير ، فحُكم على المعلم أنه مهمل وغير مهتم ، مما تسبب له في إحباط نفسي ، يجعله في مرتبة لاتليق به ..وتكبر معه تلك الحالة حتى يصبح فعلا معلما مقصرا في أدائه وتستوي عنده كل الرؤى .

فإن المعلم يحتاج لمن يُبَصِّره للطريقة الحسنة التي تجعله ثمِلا بالإبداع ، متشوقا للتدريس ، للعطاء ، للحب ! الحب أن يحب تلاميذه ويقدم من أجلهم .أن يعشق مادته التي يدرسها فعشقك للشيء يجعلك تفعل الكثير كي تجعل مَن حولك يعشقونه.

وفي سردنا لمذكرة إعداد الدروس : نرى أن هناك معلمين مبتدئين وآخرين قد خبروا المجال ومرسوه …فالمتبدؤون يحتاجون لمن يأخذ بأيديهم ويمهد لهم سبل النجاح والإبداع، وهذا يقع على الموجه التربوي ، فدور الموجه لايقف عند رؤيته لمذكرة التحضير وحسب ، وأن يوقع فيها أدناه. وفي حالة لم يجدها يُشعِر المعلم أنه كم مهمل ولايستحق التقدير ، صحيح أن تلك المذكرة مهمة في التجديد و حثّ المعلمين على أن يتبعوا منهجية جديدة في طريقة إعدادهم بالرسم شيئا ، وبتلوين الكلمات ، وبعرض الدرس بطريقة إبداعية فيها الدائرة ، واللون ، والإشارة ، والومضة ، ففي المذكرة حكاية عن موقف طريف حدث للمعلم داخل الفصل ، وفيها سؤال صعب لم يستطع الطلاب تحليله فأشار إليه المعلم، بل على المعلم أن يعرض كل ما استشكل في مذكرة الخواطر العلمية على موجه المادة، ويطلب منه  توجيهه لأشياء جديدة وابتكارات مفيدة في مجاله .

وفي حقيقة الأمر أرى أن المعلم الذي يكثر(الخربشة ) في تلك المذكرة ، ويكتب أسماء طلابه داخلها ، ويضع الدرجات فيها ، وما اعترض سبيله من مصاعب ومشاكل مدونة بتواريخها وأحداثها ؛ لهو معلم مبدع ويستحق من التقدير والثناء ما يليق به ، فلا تمر لحظة النجاح هكذا – عفوا – بل يجب أن يكون لها مهرجان نفسي يقع في نفس المعلم موقعا حسنا ، يدفع به للأفضل والأحسن والأجمل ..

فكما أن للطالب كراسة واجب يدوّن فيها مستخلصات درس طويل ، كان الأولى للمعلم أن يكون مذكرة يستخلص فيها حكايته مع يوم مليء بالعمل والدرس . وكما أن المعلم لايروقه أن ينسى تلميذه كراسته التي من خلالها يتم التقييم والتقويم ، كذلك على المعلم أن يكون قدوة لذلك الطالب ، بأن يضع  خبرته التي ستكون تاريخا لأجيال قادمة – داخل تلك المذكرة العلمية .

وكما أن كل ذلك لايكتمل إلا بذلك ؛ فإنه على الإدارات التعليمية ومكاتب التفتيش التربوي ؛ أن تكون الساعد الأيمن للمعلم في توجيهه التوجيه الأمثل ، و يوضح للمعلم أن مذكرة التحضير هي اختزال للمعلومات وتوثيق للعلم والمواقف التربوية داخل تلك المذكرة؛ التي نرى أهميتها الكبيرة في جعلها استكشافا تربويا ، يُكرّم من خلالها المعلم بأن تُجعل مرجعا يعود إليه المتأخرين ، كنتاج للمتقدمين .

مقالات ذات علاقة

مدينة قابيل

نورالدين خليفة النمر

يوسف الشريف: لكن أين الصحف الخاصة!؟.

أحمد الفيتوري

إجهاض العقلانية وشلُّ الحداثة

المشرف العام

اترك تعليق