النقد

لماذا تبهرنا كتابات الفـاخري؟*

جزء- 1

 

بكل الأوراق والدراسات، والأبحاث العديدة التي قرأتها عن إبداع “الفـاخري”، لا أذكر أنني وجدت سطراً واحداً ينتقد فكرة أو جملة، أو حتى كلمة واحدة لم تكن في محلها في نص من نصوصه!.. تملكتني رغبة في معرفة سبب هذا الإجماع على نجاح نصوص “الفـاخري”.

لمَ تبهرنا نصوصه؟

قلت في ذات نفسي: لأنه كاتب مبدع متميز.

ولكن هذه الإجابة المنطقية البسيطة قادتني إلى سؤال ثانٍ أكثر تعقيداً من الأول.. إذا كان الكاتب المتميز المبدع يكتب نصوصاً تبهرنا، فما هي خصائص هذا الكاتب؟.. كيف ينبغي أن يكون هذا الكاتب؟.

ظل هذا السؤال يعتمل في رأسي، يلح أن أجد له إجابة، فلقد أدركت أنه في الإجابة عنه تكمن معرفة سر نجاح الكاتب.. ثم تنبهت فجأة، أنه لم أجد لهذا السؤال إجابة عندي –ذلك إن كنت أريد تعريف الكاتب المتميز- من خلال أعمال “الفـاخري” وشخصيته فلن أجد إجابة له بمكان آخر!.. لأنه بالإضافة إلى اهتماماتي الأدبي وعشقي للكتابة وممارستها، تربطني بالفـاخري صداقة حميمة متصلة لم تنقطع منذ أكثر من أربعين عاماً.

عشنا بمنطقة واحدة، وسافرنا معاً، وتحدثنا في صحونا وفي تجلينا، وتناقشنا في مختلف المواضيع، جمعتنا أفراح عديدة وأحزان قليلة، عانينا معاً من فقر، وأيضاً من سعة.. أعرف عاداته، أعرف لمن يقرأ ومتى يقرأ وكيف يقرا؟.. أعرف كيف يكتب ومتى يكتب وأين يكتب.. اعرف معظم الكتب التي تحويها مكتبته، اعرف رصيده المصرفي الذي يدعوه (حسابي العسير).. اعرف ديونه وهمومه، أعرف رصيده من حب الناس، الذين يعرفونه وأيضاً الذين لا يعرفونه، وأعرف مدى سعادته بحبهم له، ومدى امتنانه لكونه منهم.

لا أذكر أننا لم نتطرق إلى قضية أدبية صغيرة كانت أو كبيرة.. ولا أذكر أنه كتب شيئاً من دون أن أراه قبل نشره، خصوصاً مند سفره إلى الدنمارك، ولا أذكر أنني تحدثت معه عن وجهة نظري في فقرة أو كلمة دون أن يتأملها، ويفكر فيها، وكثيراً ما شرح لي ما غاب عني، وأحياناً يقتنع بوجهة نظري باعتبار أنني قارئ أرى من زاوية لا يراها –أحياناً- الكاتب، ولا أذكر أنني كتبت نصاً دون أن يقرأه ويقول رأيه فيه.

بعد كل ذلك.. من يا ترى يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال غيري؟.. فقررت المحاولة، قررت أن أسترجع بقدر ما تسمح به ذاكرتي، ما سمعته من “الفـاخري” عن كل ما له علاقة بالسؤال الذي ذكرته لكم، فعلني اعرف من الإجابة عنه، الأسباب التي تجعل من الكاتب، أي كاتب، مبدعاً كالفـاخري!.

تعريف الفـاخري للأديب المبدع المتميز:

صباح ذات يوم، على غير عادته اقترح “الفـاخري” أن نترك الفندق الذي كنّا نقيم به بمدينة (جربة) في (تونس)، لنرى معالم المدينة الحقيقة، فقد كنا نقيم في منتجع سياحي لا علاقة له بطابع تلك المدينة، لم يكن الجوُّ رائقاً للغاية ولكن فكرته كانت جيدة، فترددت قليلاً ثم قلت له، بعفوية مستعيراً من رواية (القرود) لـ”صادق النيهوم” عبارته المشهورة: (رأسي يقول لي هذا رأي حسن.. ورأسي يقول أيضاً هذا ليس رأياً حسناً)!!.. ضحك “خليفة” في حينها ثم ضحكنا كثيراً في المساء عندما شرع يحكي عن مقدرة “النيهوم” الساخرة في معالجة  العديد من نصوصه، وإخباري عن الكثير من حكاياهما معاً، قال:

– تولاه الله برحمته.. لقد كان عبقرية فذّة وأديباً متميزاً.. فسألته:

– ما هي في رأيك العناصر التي تجعل الأديب متميزاً على هذا النحو؟.. ما هي أسباب نجاح الكاتب؟.. فقال:

– يحتاج قبل أي شيء للموهبة، والموهبة من اختصاص الله نفسه، لا أحد يستطيع أن يبيعها أو يشتريها أو يسرقها.. من دون الموهبة يصبح الكاتب مجرد كاتب عمومي يجلس أمام دائرة الجوازات أو المحكمة، أو في أي مكتب للكتابة العمومية أو تحرير العقود، ذلك إن كان الكاتب متمكناً من اللغة، واللغة وحدها لا تخلق الكاتب، وغلا كان خريجو الأزهر أدباء قبل سواهم.. إنك تحتاج إلى موهبة وإمكانات لغوية هائلة لتصبح أديباً، ولكنك لن تكون متميزاً ما لم تعبئ رأسك بمخزونٍ هائل من ثقافة واسعة، ثم تسخر هذه العناصر الثلاثة لتحدث الناس عن تجاربك.. إن الكاتب يبدع عندما يتحدث عن تجاربه مستثمراً الموهبة واللغة والثقافة، يبدع عندما ينتقي كلماته ويكتب أفكاره من خلال تجربته، ولكن يتعين أن يكتبها بصدقٍ بالغ.

.. الأديب المتميز إذن.. هو ذلك الكاتب الموهوب، المتمكن من اللغة، المثقف، الصادق في صهر تجربته الملتزمة دائماً بالحقيقة.

عندما أقول أن “الفـاخري” أديب متميز، فأنا لا أقول شيئاً جديداً، ولكن عندما نكتشف معاً أن العناصر التي تخلق الأديب المتميز متمكنة منه، فإننا نكون قد برهنا على صحة هذا التعريف حقيقة ساطعة كالشمس تنير لنا جميعاً الطريق الصحيح.

دعونا، إذن نناقش معاً عناصر تميزه.

المــوهـبة

في نهاية الستينات، كان عليَّ أن أقدم بحثاً في مادة من مواد تخصصي بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، جامعة بنغازي آنذاك.

البحث كان في مادة الإبداع أو (Creative Writing)، كما كانت تسمى في أثناء دراستي، فانتقيت موضوع التأليف من الموضوعات المطروحة، ولكن الوقت سرقني بسبب ظروف أبعدتني تلك الفترة عن الانتظام في دراستي.. فحورت نصاً من نصوص “الفـاخري”، وهو (سنوات العمر الصدئة)، ترجمت بعض فقراته ولكنني لم أغير شيئاً من تشبيهاته وصوره الرائعة الدقيقة، وقدمت البحث.

نال بحثي أعلى الدرجات، علمت من الطلبة أن أستاذ المادة يبحث عني، وعندما ذهبت إليه قال لي: إنه معجب بأسلوبي وبصوري وبتشبيهاتي وأكد لي أنني موهوب ونصحني بمواصلة التحصيل والكتابة.

شعرت أني أخدعه، ولذلك أخبرته أنني استعنت بالكثير من نص لأحد كتابنا المرموقين وحددت له ما اقتبست، وحدثته عن “الفـاخري”، وأيضاً عن طفولتنا حتى يعي أبعاد الصور التي ذكرت في النص.

قال لي بعد أن وضحت له الأمر إنه خشي أن يخبرني في البداية، بأنني ولدت لأكون كاتباً وان الذي وجده في النص يعكس موهبة خارقة، لقد خاف من غرور قد يركبني إن هو أخطرني برأيه هذا، ولكن وحيث إن الأمر كما وضحت له فإنه سيعتبر الدرجة التي منحها لي عن الترجمة باعتبار أنني استطعت إيصال أفكار “الفـاخري” بسهولة إليه.. وانتهى الأمر بتقديم أستاذي آنذاك إلى صديقي “خليفة الفـاخري”، فأصبحا صديقين، وشرع خليفة في تعليمه مبادئ اللغة العربية وتواصلت صداقتهما حتى بعد أن غادر أستاذي البلاد.

هذه شهادة من أستاذ أجنبي متخصص في مادة الخلق أو الإبداع، اتضحت له موهبة “خليفة” من خلال ترجمة بسيطة لطالب لم ينه دراسته.

وكيفما اتفق فإن التدليل على الموهبة لا يحتاج إلى براهين وإنما يحتاج فقط إلى إطلاع على إنتاج الكاتب، مع الانتباه إلى التفاف القراء حوله، فإن كان موهوباً فسوف نجد كماً هائلاً من قراء متبايني الأفكار والمستويات ملتفين حول إنتاجه. ولا أظن أن أحداً منا لا يعرف الكم الهائل من القراء الليبيين الذي يتابعون إنتاج “الفـاخري”.. خلال الستينيات، من القرن الماضي كان العدد الأسبوعي لصحيفة (الحقيقة) ينفذ بعد سويعات من وصوله وكان فارسا ذلك العدد هما: صادق النيهوم وخليفة الفـاخري.. وما كان ذلك ليحدث لو لم يكونا موهوبين.

الـلــغـة

قام “الفـاخري” بتقديم كتابي (أسماك المتوسط)، وقال فيما قال: (إنني الآن أستطيع بكل ثقة أن أضع رجلاً فوق أخرى، في أي مكان، ومع أي حلقة من البشر، وأنفث دخان لفافتي في استغراق كامل، وأن أحكي عن “الفرّوج” الذي لا يترك وطنه أبداً ولا يهاجر مثل الأسماك المتشردة الأخرى…).

أنا أيضاً، أصبح بإمكاني أن أضع جراً فوق أخرى وأن أحكي عن الممنوع من الصرف والمفعول المطلق وغيرهما.. فأنا، في الحقيقة طورت لغتي العربية –التي لم تكن جيدة عندما كنت طالباً، ولم تكن كذلك حتى بعد أن تخرجت- بفضل توجيهات وسبل “الفـاخري” في فهم وإفهام اللغة.. طريقته في شرح قاعدة نحوية تختلف عما تعارفنا عليه من مناهج تعليم اللغة، لأن “الفـاخري” ببساطة شديدة يعشق اللغة، إحساسه بالكلمة عميق ولذلك لا يعجز مطلقاً في إيصالها إليك بمختلف السبل.

قال لي إنه ظل فترة طويلة محتفظاً بقصة (الرجال) لم يسلمها للنشر، لأنه يحس أن بمقدوره أن يوظف استعارة أفضل لصورة ما لا يذكرها الآن، ولكنه بعد أيام وجد الكلمة المناسبة واستخدمها. وذات يوم أقبل مبتهجاً وقال: (إنها تنبض (تنبض) التي أحللتها بدلاً من كلمة (تشع)، فكانت الصورة (تنبض النجوم بدلاً من (تشع النجوم)!!).

أنا لا أود أن أشرح لكم الفرق فأنتم أهل الكلمة والبلاغة، وهذا النص في نظري من أروع ما كتب “الفـاخري”، وأعتقد أن ما زاده روعة هو انتقاء كلمة النبض بدلاً من الكلمة الأخرى، وسوف أتطرق إلى هذا النص لاحقاً.

“الفاخري”، كما اخبرني هو بذلك، يعد نصه بادئ الأمر في ذهنه.. تختمر الفكرة أولاً ثم يجعل لها منهجاً وحبكة، وينـتـقي كلماته وعبارات جمله.. كل ذلك يتم في خياله على امتداد فترة قد تطول أو تقصر يسميها مرحلة التخزين، ثم بعد ذلك يكتب نصه، ليتركه فترة ثم يعود إليه ليضع له لمساته الأخيرة، ثم يسلمه للنشر، وهذا لا يتم عادة إلا بعد قناعته التامة بما كتب، عندما يصل إلى هذه المرحلة يظل راضياً عن النص إلى النهاية.

منذ أيام فاجأني (خازن دار) الأدباء الليبيين الأستاذ “سالم الكبتي”، بنصٍ كتبه “الفاخري” ونشره مع مقال آخر سنة 1966، يقول:

عندما يورق شعاع الكلمات المتموجة.. ويتصاعد عبيرها في حلقات.. عندما تغزل ألف دمعة، وابتسامة جذلى في كلمة مشرقة، نازفاً من أجل ذلك سماء عينيك.

عندما تتضمن الكلمات قطة داستها عربة، وطائراً مهاجراً أرهقته المسافات عبر المحيط، وانطواء زهرة (عباد الشمس) حين المغيب، وانتصار (سنتياجو) رغم هزيمته في قصة همنجواي (العجوز والبحر).

عندما تتمخض أعصابك المحترقة عن حزن مضيء وصادق.

عندئذ تنسدل عيون البشر في غيبوبة بلهاء، ويشرعون في الحلم.. فيما تستنشق أنوفهم عبير الكلمات، وبسذاجة سيقولون إنك ساحر فحسب..

ولكنك إله.. إله مبدع..

إله مهان طيلة الزمن الكافر..

أخذت هذا النص، وصديقي “سـالم” وذهبنا إلى “خليفة” قلت له إننا سنعيد نشره، فأقراه لعلك تستبدل بعض كلماته. قرأ “خليفة” النص وأعاده غلينا موافقاً على إعادة نشره ولم يغير منه إلا كلمة واحدة.. لأن النص كان قد اختمر تماماً في ذهنه في السابق، ولم يقدمه لقرائه، منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة إلا بعد أن نضج تماماً.

قال لي “الفاخري” ذات ليلة فيما كان يتحدث عن اللغة:

عليك أن توثق علاقتك باللغة، تتعامل معها كما تتعامل مع صديقك، تحترمها، لا تهينها بأخطاء لا داعي لها.. تجعل صلتك بها متصلة، تجدد باستمرار معجمك من كلماتها تضيف ما استجد من مفردات، وتستبعد ما اندثر منها، ادرس علم الدلالات وعلم الأصوات والفروق في اللغة، والأدب المقارن في اللغة، فضلاً عن فقه اللغة وعلمها.

إنك لن تعجز مطلقاً عن التعامل معها إن أحببتها واحترمتها.ز تأمل مفرداتها وبناء جملها ونغماتها، سوف تعرف كل ذلك إن تأملت القرآن، وقرأت الجيد من الأشعار. عندما تحفظ ما تستطيع من القرآن، وكذلك بعضاً من الشعر الجيد سوف تعرف روح اللغة، وعندئذ سوف تصح اللغة طيعة ودوداً تحبك وتحبها.. اقرأ القرآن تأمل مفرداته وتفسيراته حاول أن تعرف لماذا استخدم كلمة معينها ولم يستخدم الكلمة الأخرى التي تطابقها في المعنى.. احفظ ما تستطيع من الشعر الجيد. إن ذلك بالتحديد متا يساعدك على الكتابة الجيدة.

قلي لي مرة:

خذ مثلاً قوله تعالى: (والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس).. تأمل كلمتي (عسعس) و(تنفس) إنك لن تجد أي بديل أجود منهما على الإطلاق.

تأمل أيضاً قوله تعالى: (والليل إذا يسر)، كلمة يسري تعني الرحيل في الليل، مثلما يقول “المتنبي”:

وأسري في ظلام الليل وحدي                        كأني منه في قمر منير

إنك لا تستطيع استبدال كلمة (يسري) بأية كلمة أخرى.

إن هذا يعني الجانب الإيحائي في اللغة، بدلاً من الجانب الدلالي، الجانب الدلالي يقول لك:

– اشتعل اللهب

والجانب الإيحائي يقول:

– واشتعل الرأس شيباً.

بهذه السلاسة يشرح لك اللغة، فنصل إليك ببساطة، وهذا لا يستطيعه إلا متمكن عاشق للغة وآدابها.

أقول لكم إن “الفاخري” يحفظ عن ظهر قلب أكثر من نصف القرآن، كما يحفظ دواوين كاملة للعديد من الشعراء المتميزين.. إنه في الشعر راوية حقيقي.

سنة 1967 بعث “صادق النيهوم” برسالة من (هلسنكي) إلى المرحوم “علي الفزاني”، قال في فقرة من فقراتها: (.. الكتاب الذي أتمنى أن تبعثه لي اسمه (أبيات ريفية) وهو ديوان للشاعر “عبدالباسط الصوفي”، ولكني لا أعتقد أنك ستجد منه نسخه في سوقنا الكئيب، فاتصل بـخليفة الفاخري وتسول منه نسخة..).

في تلك الفترة كان “خليفة” يقرأ بعضاً من قصائد ذلك الديوان، خصوصاً قصيدة (مكادي) التي كان يحفظها على الرغم من طولها عن ظهر قلب.

“الفاخري”..  يستاء كثيراً من الأخطاء اللغوية، التي تصادفه وهو يقرا نصاً ما، أما إذا كان الخطأ قد وقع في نصٍ له، فإن ذلك يزعجه بدرة لا توصف.. ولعلني أبوح لكم بشيء قد لا تعرفونه، وهو أن أعمال “الفاخري” لم تحظ بنصيبها من الانتشار خارج البلاد بسببه هو، لأنه ببساطة لا يحب أن ينشر له نص لا يستطيع مراجعته قبل النشر.

قرأت، مرة أخرى قصة (النوارس) التي أعيد نشرها مؤخراً في مجلة (الفصول الأربعة)، وقد قام صديقنا الدكتور “زيـاد علي”، نظراً لمعرفته بحساسية “الفاخري” تجاه الأخطاء المطبعية بمراجعة النص شخصياً قبل طباعته.. وعندما لم أجد بالنص أي خطأ، قلت للفاخري:

– أ رأيت، أصدقاؤك حريصون على نصوصك، ليس ثمة خطأ واحد في قصتك التي نشرت بالفصول.

قال لي على الفور:

– بها خطأ واحد.. لقد كتبوا (اختيار فصيلة الدم) بدلاً من (اختبار فصيلة الدم).

وقد صدق، والخطأ كما لاحظتم نقطة واحدة.. ومثلما هو بالغ التدقيق في تصحيح النصوص، فهو أيضاً بالغ التركيز في قراءته.. ولعل الذين يعرفون “الفاخري” يتفقون معي في كونه أحد القلائل الذين يجيدون اللغة العربية ويعشقونها ويتعاملون معها تماماً مثلما يتعامل الحبيب مع حبيبته.. إنه يمتلك قدرة عجيبة على الحفظ، خصوصاً حفظ النصوص الجيدة.

“خليفة” كما قلت، يحفظ الكثير من القرآن الكريم.. والكثير من دواوين الشعر الجيد، وهما الزاد الهائل كما تعلمون لكل كاتب موهوب وعاشق للغة العربية كالفاخري، ومصحح للأخطاء.

عندما كلف بتصحيح مجلة (الثقافة العربية)، سأله أحد الأصدقاء عن عمله تلك الأيام، بعد أن ترك العمل في المجال الوظيفي، أجابه:

– أعيش –الآن- على غلط الآخرين.

الثَّـقـافـة

في أوائل الثمانينات زرت “الفاخري” في (الدنمارك) عندما كان يعمل مستشاراً ثقافياً بسفارتنا هناك، في ذلك الحين كان منشغلاً بإعداد الكتاب السنوي، وهو مشروع ابتدعه ونفذه لمدة خمسة أعوام متتالية، والكتاب يقع في خمسة مجلدات، يضم كل ما في دول اسكندنافيا من نشاطات ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية وفنية، وهو موجود الآن بأمانة الاتصال الخارجي، وكذلك بالمعهد الدبلوماسي بطرابلس.

لقد ذهلت من حجم المعلومات التي جمعها واستوعبها، ومن الكتاب يتضح أنه كان يتابع كل كبيرة وصغيرة، وقد توج فترة عمله هناك بالأمسية الشعرية التي أقامها للبياتي، حيث قدمه وترجمت الأشعار التي ألقاها إلى اللغة السويدية والدنمركية، وظلت حدثاً ثقافياً متميزاً تناولته الصحف الدنمركية بأسرها.

إجادة “الفاخري” للغة الإنجليزية، التي باع من أجلها سيارته ودرسها بمدينة (بورنموث) في (بريطانيا) سنة 1970، هي التي مكنته من تنفيذ هذا العمل.. مكنته أيضاً من الاطلاع على الأدب الإنجليزي وأيضاً الأمريكي، خصوصاً أعمال: شتاينبك، أرسكين كمالدويل، ووليم فوكنر وريتشارد رايت، وهمنجواي، الذي تأثر به كثيراً.

إلمامه بالشعر العربي القديم، خصوصاً أشعار “المتنبي” الذي يعد شاعره المفضل، ساعده كثيراً في اكتساب روح اللغة العربية وجمالها، و”الفاخري” يعد موسوعة للشعراء العرب، فيندر ألا يعطيك نبذة وافية عن شاعر عربي، شريطة أن يكون جيداً، وغالباً ما تجده يحفظ له عن ظهر قلب قصيدة أو أكثر.

ولع “الفاخري” بالثقافة والأدب اتضح عنده منذ أن كان شاباً، منذ سبعة وثلاثين عاماً عندما كان يعد ويحرر ويخط صحيفة نادي (التحدي) الحائطية (المتـنـبي) و(الـرأي)، التي ظلت واحدة من أروع سبل نشر الثقافة الراقية آنذاك، وفي أواخر الستينيات قدم العديد من المحاضرات الشائقة بنادي (التحدي)، وخلال بعض الأمسيات والأصبوحات الشعرية قدم بجامعتي (قاريونس) و(العرب الطبية) مختارات من الشعر الجيد، وقد نالت إعجاب الحاضرين بسبب حسن إلقائه وحفظه لتلك المختارات

إن ثقافة “الفاخري”، هي في الواقع دعائمه الأساسية في تميز أدبه، الذي سخر له أدواتٍ جمالية صاغ بها تجربته بصدق هائل، وأسلوب فريد فعانقت قلوبنا.

_________________________

عن كتاب: محمد عقيلة العمامي- قطعان الكلمات المضيئة/ عن العلاقة الأدبية بين المبدعين: صادق النيهوم وخليفة الفاخري

الناشر: مركز الحضارة العربية-القاهرة/ ط1/2003

 

مقالات ذات علاقة

في محـاولة لفـهم ما يحـدث

إنتصار بوراوي

سير الشخوص والأمكنة والمدن في كتب ليبية

خلود الفلاح

هل لدينا نقاد؟

أحمد الفيتوري

اترك تعليق