استطلاعات

لماذا الفجوة قائمة بين النص والمبدع ؟

استطلاع / مهنّد سليمان

قصائد من حصى.. لوحات من أعمال الكاتبة هاجر الطيار

النص الإبداعي حالة متفردة سرعان ما تتحول إلى واقع يجعلك تتلقف الأشياء والموجودات من حولك على نحو أكثر ذهولاً ودهشة وفي ذلك جرعات من اللضم القيميّ والأخلاقويّ يضخّها قلم المبدع في شرايين أبجدية اللغة فيأخذ فنجان القهوة في قصيدة الشعر خصوصية سيمفونية تُراقصها الملاعق وينمو الجسر في رواية ما كالحبل السُريّ لإعادة احتضان الوطن ولثم أشواق الحبيبة، التموسق الذي يمارسه النص الإبداعي يتأرجح ما بين النعومة الحادة والخشونة المُحببة فهو يُريك حقيقة ما ترفض أن تراه بيد أنك تجد ذاتك مستدرجة في حبائله دونما شروط مسبقة، هذا ما تحققه معايير النصوص الحقيقية التي تنتج معانٍ فُقدت أو أهملت أو صُودرت جراء عوامل ثقافية وإجتماعية وحضارية متباينة.
لكن ما نرغب في طرحه هنا هو حتمية التماهي المفترضة بين النص والمبدع العربي فهذا الأخير غالبًا ما يتجنب إخضاع تجربته واقحام حقيقته في لُجّة العملية الإنتاجية لمنتوجه الأدبي ! ليستعيض عنها بتأثيرات وتهويمات نجدها حلّت محل واقعه الصادق وقد يُفسّر هذا الأمر بأن تعاطي المبدع مع انتاجه الإبداعي يتم بحذر ربما لكي يضمن خطوط عودته وألا تتورط أقدامه في حقل إنفجارات الألغام، ما يخلق هُوّة تزداد اتساعًا بمضي التجربة وأرقام العمر يقع فيها المبدع بين مضامين نصه ووجه سلوكه اليومي، فكيف سيُصدّق قلم هذا المبدع طالما وُجِدَ هذا البُون الخطير ؟ مثلاً نرصد المبدع العربي بصورة منفرّة حينما يحتفي باحترام الإختلاف في نصوصه ويقمعه في تفاصيل حياته اليومية ؟ هذا التضارب الحضاري ؟؟الغريب ! إلى ماذا يُعزى؟ وهل تتوفر أسباب موضوعية له ؟ هنالك من يرى بأن العمل الإبداعي حالة تعويض يردم بها المشتغل بالإبداع أخاديد نواقصه ورواسبه، هل فصام النص الإبداعي عن سلوك المبدع بداهة سويّة ؟ ما جدوى ما نكتسبه من قيم معرفية وعلمية إن لم يكن لها آثار وأثر في نفس المبدع خاصة وفي نفس المهتم عامةً ؟ هذه قضية مزمنة لعلها تشغل بال البعض وقد إرتأينا أن نقف في ضوئها على مجموعة من الأراء لباقة مختارة من الكتّاب والمهتمين.

“عبد الرحيم ناصف “

عبد الرحيم ناصف : شاعر وكاتب مغربي:مازال النص الإبداعي خاضعا لسلط أخرى تمنع المبدع من أن يكون صادقا و.. حقيقيا.

وحده الإبداع الصادق.. ينبض بالحياة :
لعل في الأمر “جرعة أخلاقية”. لكن؛ عادة؛ الأخلاق تكون معادية للحقيقة..
في النص الإبداعي لا وجود لمفهوم الكذب كمعيار لقياس جودة النص.. لا يمكن أن ننجز قراءة ما في عمل إبداعي لنخلص إلى القول :هل هو نص صادق ام كاذب.؟
إذن؛ نحن نتكلم عن مفهوم آخر للصدق في العملية الإبداعية..
ننطلق من فهم بسيط جدا و واضح ل”ذات المبدع”.. أن يكون ابن بيئته؛ ابن مفارقاته و تناقضاته؛ أن يكون مرآة لما يقول؛ لما يكتب.. أن يصل إلى درجة التماهي مع نصه..
بلغة أخرى؛ أن يكون النص مرأة لصاحبه؛ دالا عليه؛ مؤديا إليه..
لم تكن المسألة أبدا هكذا.
طرأت تغيرات كثيرة على تضاريس الفعل الإبداعي العربي؛ و وجد ذات يوم نفسه أمام إشكالات أخرى لم يطرحها من قبل أبدا. إشكالات مرتبطة بالاطلاع على المتن الإبداعي الغربي؛ هذا المتن الذي حول عيون الأدب و الإبداع إلى الداخل؛ داخل الفرد قبل أن يصير.. جماعة.
لم تشتغل التجربة الإبداعية العربية الكلاسيكية على هذا المستوى؛ المستوى الذاتي و الوجودي.
لم تشتغل على أسئلة مرتبطة بالفرد؛ بوجوده؛ بمعنى هذا الوجود؛..
لم تشتغل أيضا على تيمات أخرى ظلت حبيسة المقدس و الممنوع و المحرم..
لكن الآن؛ الإبداع و أسئلته غير تلك النظرة الكلاسيكية القديمة المرتبطة بحاجز الأخلاق و الأعراف.. و مع ظل؛ ظلت الذهنية العربية هي هي..
مازال النص الإبداعي العربي؛ بشكل عام؛ عدا تلك الانفلاتات التي تشذ عن القاعدة و تتم دائما خارج دائرة الضوء.. محكوما بمعايير كلاسيكية يحتل فيها الشكل و الأعراف و الأخلاق أوج المحددات في الإبداع..
مازال النص الإبداعي خاضعا لسلط أخرى تمنع المبدع من أن يكون صادقا و.. حقيقيا.
مازال المبدع العربي…. خائفا.
خائفا من سلطة القبيلة..
خائفا من سلطة الفقيه..
خائفا من سلطة الدولة..
خائفا من جعل تجربته الحياتية و أسئلته الحقيقية.. موضوعا لإبداعه..
هل ننتظر من مبدع خائف على… امتيازاته؛ و هي :
البقاء على قيد الحياة، الحفاظ على مورد الرزق؛ الحفاظ على سرية حياته الشخصية… أن يكون صادقا في إبداعه؟
هل ننتظر من مبدع لم يتخلص بعد من مفهوم ” السلطة” داخله… أن يكون حرا في إبداعه؟
يبدو أن الرحلة مازالت طويلة و مليئة… بحراس جهنم و الجنة..
مات “عقيل علي” في الشارع؛ و هو الذي عاش “فرانا”.. دون أن يتنازل عن صدقه في الشعر.. و الحياة..
مات “جان ولد مو” على نفس الشاكلة.. مقصي و ملعون..
عاش محمد شكري نوع من الإقصاء و النبذ..
هي مصائر مبدعين اختاروا الانتماء إلى ما يكتبون و ما يقولون..
لم يعيشوا الفصام.

” مريم جنجلو “

مريم جنجلو : شاعرة وقاصة لبنانية :الفصلَ بينَ التجربة الشخصية للكاتب وَنتاجه أمر ضروري

أعتقد أن الفصلَ بينَ التجربة الشخصية للكاتب وَنتاجه أمر ضروري لِتبيُّن القيمة الفنية وَالنقدية للعمل المطروح. وَمع أنه أمرٌ ليسَ بِاليَسير كَون العملية الكتابية على اختلاف تصنيفاتها هي عبارة عن عجينةٍ إنسانية شعورية تختمر في داخل المُبدع وَتنضجُ مع ظهورِها لِعيان القراء والجمهور العام، وَمع هذا فإنها لا تخلو بالطبع من صبغة شديدة الخصوصية بالكاتب وحدَه، يواجه انعكاساتها بِذاته وقدرته الإدراكية المنوطة به كَإنسان وُلِدَ ليجرّب وَلِيشعُر وِلِيُكَوِّن آراءً وَيتبنّى مواقفَ إما قد تتعارضُ أو تتّسِقُ مع المحيط الخارجيّ المزدحم بملايين التجارب والخبرات الإنسانية كلٌّ على حدة من ناحية خصوصيّتها والانطباع الخارجي الذي تتركُه أيضًا.
غيرَ أنّهُ من الأهمية بِمكان إدراك المسافة الحسّاسة التي تفصلُ بينَ السطحية أو التسرُّع العاطفي في تقييم النص الإبداعي مِن مُنطلَق حُكميّ مُغايِر أو رافض لِمواقف كاتبه وَأفكاره المُتبَنّاة وَحتى ظروف حياته، وَتمييز هذا النص من ناحية نقدية مهنية ترصد مناطق القوة والضعف فيه بِعَينٍ متجرّدة وفاحصة تتوخى تصويب وَتوجيه بوصلة الذائقة نحوَ القيمة الفنية الفعلية لِلنّص مع تجنُّب اللعب على الوَعي العاطفي الجَمعي للجمهور، أو بِمَعنى أوضح التزام الحِياد عند الالتفات إلى الكاتب على أنّه إنسان لهُ الحقّ أن يعيش تطرّفاته الشعورية الحادة وَيخطىءَ وَيُصيبَ بمواقِفِهِ من دون محاسبتِهِ على هذا الحقّ أو حتى التقصّي حَولَ الروافد الشخصانية لِما يكتُب. وَحَسبُ الجمهور والنقاد في ذلك ما ينضحُ به هذا النّص من سلامة وَجمالية عناصر النص الرئيسية المُتعارَف عليها عمومًا.
إنّ الكاتبَ الذي يطرحُ موقفًا ما يخصُّ قضيةً مُشترَكة، أو نصًا إبداعيًا مزدحِمًا هو شخصٌ يقشّرُ جزءًا من روحِه ويَفرِطُها بِاستغرابٍ لا يقلّ عن دهشةِ القارئ وَتأثرهِ حينَما يصلُهُ النص. فالطّرفانِ هنا واقعانِ لا محالة تحتَ وطأةِ التلقّي، الكاتب حين يَستنطقُ نصَّهُ وَالقارئ حين يُدرِك قيمةَ النّص الجمالية وَالشعورية. لِذا ليسَ من داعٍ للخَوضِ ما وراءَ ذلك طالما تحقّقت الغاية الفنية من النّص وَهي: تأثيرُ الكاتِب وَتأثُّر المتلقّي، وَللنّقد الثاقب وَالدقيق دومًا حرية التجوُّلِ وَالمُراوَحةِ المُتبَصِّرة بينَهُما.

” جمعة بوكليب “

جمعة بوكليب : أديب ومترجم ليبي:واجبات الكاتب في واقع مقموع، ولا هامش فيه للحريات، ألا يسعى للصدام معه

أستهلُّ ردّي على سؤالك بسؤال، كما يفعل الأسبانيون: هل مطلوب من الكاتب العربي أن يتماهي مع ما يكتبه وينشره من نصوص ابداعية، على اختلافها، حتى وإن عَرّضَ نفسه لاحتمال النبذ اجتماعياً، أو التكفير دينياً، أو السجن سياسياً؟
خصوصية الواقع العربي واختلافه عن نظيره الأوروبي في مسألة الحريات، خلق وضعية خاصة- اجتماعياً ودينياً وسياسياً- تحددت، عبر الزمن، بمسارات وبعلامات وبضوابط وقيود، جعلت من غير الممكن على ممتهني الكتابة عموماً، والكتابة الابداعية خصوصاً، تجاهلها بالتمرد عليها. التمرد يصير نوعاً من مغامرة متهورة، ستقود إلى نتائج بمردود معروف. وإذا كان من الصعب تلافي تلك الحواجز الموضوعة، على مستوى الكتابة الصحفية المباشرة، فإن الأمر يختلف عنها في الكتابة الابداعية بسبب طبيعتها النافرة من المباشرة. لذلك، تتعدد التفاسير وتختلف في تحليل عمل ابداعي: رواية، أو ديوان شعر، أو لوحة تشكيلية. الأمر الذي يمنحه هامشاً للمناورة والافلات. إلا أن ذلك، لم يمنع من ظهور أعمال ابداعية لكتّاب عرب، أختاروا التعبير المباشر، كما فعل مثلاً الكاتب المغربي محمد شكري في “الخبز الحافي. ” وهوعمل ابداعي روائي سيروي يعدّ صادماً وقت صدوره، اجتماعياً ودينياً، ومايزال، إلى يومنا هذا، لا يجد قبولاً لدى قطاعات كبيرة من القُرّاء العرب. محمد شكري كان متماهياً مع ابداعه. لم يلجأ للرمز بغرض التخفي. وبالمقابل، في ليبيا، كمثال آخر، أعرف شخصياً كاتباً مهماً، كان في فترة ما في السبعينيات، لا يحب أن يُطلق النقاد عليه وصف “كاتب تقدمي،” لاقتران الوصف، آنذاك، بتيار سياسي، كان الأنتماء إليه، عقوبته السجن. ابداعات الكاتب المذكور، وباتفاق النقاد، تعدّ إلى يومنا هذا تقدمية، من خلال رؤيتها المعادية لكل من، وما يعمل على تجميد الواقع في صورته المتخلفة، ومنعه من التغيير والتطور.
وفي رأيي الشخصي، من أولى واجبات الكاتب في واقع مقموع، ولا هامش فيه للحريات، ألا يسعى للصدام معه، لأن ذلك قد يسبب عزله عن جمهوره من القراء الذين يريد التواصل معهم ابداعيا وفكرياً، وتستنزف قواه المعارك التي سيتورط فيها ويخسرها. بل عليه أن يضع ما يشبه خريطة طريق إلى هدفه، باكتشاف أساليب تعبير تتيح له الاستمرار في مهامه، بمواصلة الكتابة والنشر، وتضمن عدم تعرضه للنبذ اجتماعياً، أو التكفير دينياً، أو السجن سياسياً. هذا بدوره قد يسبب له الوقوع في مطب عدم التماهي مع ابداعه في الحياة العامة، بمعنى أنه يظل، فعلياً، حريصاً على مسايرة واقع حياة يوميه يرفضه. وتظل الهجرة والمنافي خياراً متاحاً للرافضين للمهادنة. لكن وجود الكاتب في مجتمعه وبين أهله ومع قرائه، حسب رأيي، يظل أجدى. الكاتب الجيد المتمكن سيكون قادراً بذكاء على الاستمرار في اداء دوره ابداعياً، من خلال نشر أعماله، والتواصل مع القراء، من دون المجازفة بمصادرة تلك الابداعات أو مصادرة حياته، ومن دون القبول بالدخول تحت جُبّة السلطة، والتمسح بجوخها. قد تأتي أوقات يكون من المهم له فيها المغامرة بحذر محسوب، وذلك بالاقتراب من الخطوط الحمر المفروضة، لقياس ردود الفعل المحتملة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الديني أو السياسي. وهناك أمثلة عديدة لمحاولات قام بها كتّاب عرب نجحوا في تمطيط بعض الخطوط الحمر بنسب متفاوتة، من دون القفز عليها، وبعضهم الأخر دفعوا حيواتهم ثمناً للمحاولة. ويكفي التذكير بما حدث مع روائي عملاق المرحوم نجيب محفوظ، وما تعرض له من محاولة اغتيال ،في وسط شوارع القاهرة،عن روايته أولاد حارتنا.
لكي يزدهر الأدب، وتنتشر الثقافة والفنّ ويترسخوا ، ويتماهي المبدع العربي مع ابداعه، لابد من توفر مناخ سياسي واجتماعي وديني، بهوامش متسامحة ، لا يشعر بالتهدديد من الرأي المخالف، ولايعاقب أصحابه. زمن المهم القول إنه قبل أن نطلب من الكاتب التماهي حياتياً مع نتاجه الإبداعي، علينا، كمجتمع وكدولة، أن نضمن له حق العيش كريماً، بعيداً عن جزرة السلطة وعصاها. وفي مأمن من أن تحوّله السلطة إلى مجرد مخبر أمني.
الثقافة والأدب والفن ضرورة، وأغلبنا يعرف لماذا. والمجتمعات التي تتنكر لتلك الضرورة، تتحول، بمرور الوقت، إلى بركة آسنة.

“عامر الطيب “

عامر الطيب : شاعر وكاتب عراقي :الشعر لا يغير حياة المبدعين فكل ما يتعلق بالذات يبدو معقداً و صعباً

أفترض أن الشعرَ هو قوة مؤثرة في الوجود الإنساني أن تكتب فهو أن ترى الحياة بعين خاصة، أن تعيشها كما لو كانت قصيدتك الأولى أو الأخيرة، أقول ذلك وأنا أعتبر السلوك فكرة وليس تظاهراً فقط فأن تكون مجنوناً لا يعني أن تتصعلك بملابس رثة أو تسب و تلعن و تعربد إن الجنون فكرة في الراس ، و المجنون يعني بالنسبة لي من يعيش سامياً مثالياً متعالياً عن الدناءة ،منعزلا عن الخوض في الفرص الرخيصة و مندمجاً بين الناس مثل حواسهم ، أعرف أن للشعر لا يغير حياة المبدعين فكل ما يتعلق بالذات يبدو معقداً و صعباً إلا إنه يعلّمُ و من تلك تأتي قوته و لعنته أيضاً،
شخصيا لقد تعلمتُ الكثير مما أكتبه ،تحليت بالصبر و الحكمة و ابتعدتُ عن التشنج و التطرف و النذالة .
صرت محباً حد البكاء مثل الصبيان و متسامحاً و حساساً، حاقداً نظيفاً و صادقاً بطريقة مؤلمة أحياناً.
التصقتُ بالتراب و حلمتُ بالغيم .
أحببتُ الجميع و ترفعت عن مشاركتهم الطريقة التي يحبونني بها،
أحببتُ الشعر ، و قبلت أن أكون شاعراً طيلة حياتي ،
أحببت الشعراء الأحياء الذين يعيشون مثل قصائدهم
أحياء و خالصين ، هادئين و مغامرين
أحببتُ الشعراء الموتى و أحببتُ نفسي.

” مريم الغزاوي “

مريم الغزاوي :كاتبة ليبية ومدير ومؤسس البيت الليبي الثقافي بروما: للنص أيضا سلطة جزئية محدودة في ذاته لا يتعداها إلا بالقارئ الذي يمنحه هذه القوة

(النص)و(المبدع)و(المتلقي)
هذا هو الثالوث المقدس في النظرية الأدبية الحديثة والذين لا يمكن فصل أحدهما عن الاخر لان قيمة كل طرف تؤثر في الاخر
عبر هذا التساؤل المطروح شعرت أنه توجد محاولة ليست بالجديدة فهي مستوحاه من أحد نظريات النقد الحديث التي قلّلت من شأن أحد الأطراف على حساب الطرف الآخر
:إن قيمة النص الإبداعي الذي أقدمه لا تنفصل عن قيمتى ابدا باعتباري المسؤولة عن هذا المولود الجديد في دنيا الابداع فأنا الأم التي أنجبت هذا النص ويحمل الشرعية من اول لحظة قرر أن يظهر من أفكاري لحيز الوجود، أما المتلقي الذي يفكك النص فهو كمن يعطي الحياة لهذا الكائن وهو من يقرر له قدر البقاء او يحكم عليه بالموت ،فبالنسبة لي كل النصوص لها طاقة خفية تختلف قوتها باختلاف قوة الكلمات وتوأمتها مع الأحداث في الواقع بكل ما نمتلك من أدوات التشبيه والبلاغة والاسقاط كما أنه للنص أيضا سلطة جزئية محدودة في ذاته لا يتعداها إلا بالقارئ الذي يمنحه هذه القوة، والثبات، والتطور، والنمو ،ولذلك ارى” أنه تتنامى فاعلية النص بتنامي العلاقات الرابطة بين (المبدع والنص) من جهة،و(النص والقارئ) من جهة ثانية، ولا يمكن أن يثبت النص كمدونة إبداعية خالدة أو وثيقة إبداعية مؤثرة إلا بتجاور هذه الأطراف الثلاثة في نظرية التلقي التي تأسست عليها المناهج الحديثة في نقل مدونتها المعرفية إلى عالمنا النقدي المعاصر.”.

” فاطمة غندور “

فاطمة غندور : كاتبة وباحثة ليبية :لماذا نضع المبدع في تصنيف ومنزلة المُنزه، ونسطر قائمة متطلبات قياسية تقيمية

بدءاً يُقدم المبدع نصه(فنهُ) الابداعي،ويتلقفه قاريء /مشاهد / سامع،وقد تمتد حياة ذلك الابداع قرونا وعقودا،عاش أبداع أسخيلوس،كما شكسبير،والجاحظ، وابن حزم الاندلسي،ومي زياده،صادق النيهوم…،ولاحقا مع مرور الزمن،جيل وراء جيل ،يتواتر المنتج الابداعي ويلقى مبدعه(من غادرنا) بابا مشرعا، دراسة ونقدا وتأويلا يرتبط بسياقات زمنه، ومستويات تعاطيه،من فاتوا ومضوا كمبدعين تركوا أثرهم وإرثهم، هل سنبحث في الربط بين مضامين نصوصهم في مماثلتها،و مشروطية نقاوة وتهذيب سلوكهم اليومي. هل نتربس على مشروطية سلوكيات المبدع، حمالة معايير تشيخوف التي دبجها رسالة لشقيقه نيكولاي! ،ومما أتذكره فيها: لايكذب ولو في الاشياء الصغيرة ،مندمج بين الجموع، وعليه أن ينصت الى صيحات اعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفوتوغرافية،وعليه أيضا أن يعمل ليل نهار،كما أن يكون عنوانا دائما للعطاء ،ودود ،دمث!.
من يملك حق تقييم،أو قطيعة مبدع، الذي “ميزته” أن يأتي بجديد أو يخالف السائد،أبداعهُ الذي أساسه خلخلة وضعية التنميط والنسج عن المنوال، كيف نواجه أبداعه المتجاوز،بحساب كونه مارس سلوكا منافيا لمجتمعه،أو لوجهة نظر قارئه ( هم قراء متعددو وجهة الرأي والتلقي)،هل نلغي أبداع كافكا مثلا لتهمة عقوقه والده،أو نقاطع لوحات فان كوغ لجنونه وعطبه النفسي،أو ننحاز ليوربيدس بكونه مناصرا للمرأة، ونصادر منتج حمواربي لأنه لم ينصفها،مسلك/ سلوك المبدع ،لا يُلغي ولايصادر حق الاعتراف بأبداعه،من منا يعلم مسلكيات أبوليوس صاحب الجحش الذهبي، وأبداعه ظل عنوانا وأيقونة لباكورة الابداع الروائي العالمي،وحتى معرفتنا بما يتردد عن ألبير كامو من موقفه السياسي تجاه تحرر الجزائر، لن ينف منجزه رواياته وكتاباته الاخرى،وقبله نموذج المتنبي عظيم الشعراء، وهو مُدعي النبؤة ، بماذا سنحكم عليه !.
ما اعتقده وفي زمننا هذا إذ نطرح سؤال مسلكيات المبدع ،لعل الصحافة ،و إفرازات السوشيل ميديا، وشغل “Scoop” ،السبق الصحفي،هو ماجعل من مادتها عارضة لخصوصيات المبدع،فنطالع تحت عنوان “فضائح”، ولعله تشهير وادعاءات، أو تمركز على موقف لخصومة في مشهد ثقافي، تصل الى المعارك والمساجلات “الشخصية ” ،التي تحلق بعيدا عن صلة الوصل مع المتلقي، الذي هو المنتج الابداعي، مايعنينا ومايبقى أثره.
ومن منحى آخر ،لماذا نضع المبدع في تصنيف ومنزلة المُنزه، ونسطر قائمة متطلبات قياسية تقيمية،هل نشترط على المثقف/ المبدع سلوكا متفردا ،حمال مثاليات أخلاقية بحسب مانُفصل ونريد. المبدع إنسان يُخطيء ويصيب، منه المنحاز،ومن يتطرف أو يتعالى، بالواقع والحياة بيننا ،له سقطاته كأي من البشر،ما من مثقف/ مبدع كائن كامل لانقيصة به،في حياته اليومية،أو في تعاطيه مع متلقي أبداعه ،(لو قاربهُ وعاصر زمنه)،وكما يقول لوك فيري : ” لم تمنع الثقافة أحدا من أن يكون سافلا،وأن الاعتقاد بكمال الجنس البشري بفضل التعليم،هو أكبر وهم ورثناه”.
وسأختم بأنه بمعادل البحث في سؤال ومشروطية مسلك المبدع ” الحياتي اليومي” لأصدار الأحكام بنفيه وصده،سنطرح سؤال أهمال “إبداع” المبدع، ورمي منتجه على هامش الدراسة والبحث،والوفاء والتكريم المستحق، فكما فكرنا في تقصي خصوصياته وتقييم سلوكه اليومي،فلماذا لانسأل عنه ساعة يتعرض لمظلمة،أو ضعف الحال فينتهي مكلوما مقهورا، كم من مبدع عندنا أضطهد وضُيعت قيمته في حياته، وهو بيننا،وبعد مماته صار نسيا منسيا.

مقالات ذات علاقة

صاحبة الجلالة…في غرفة الإنعاش

المشرف العام

المواقع الثقافية الإلكترونية رافد أم بديل للصحافة الورقية

خلود الفلاح

المكتبات والكتاب قبل ثورة فبراير.. حرية الفكر في ليبيا

المشرف العام

اترك تعليق