سيرة

للـتاريخ فـقـط (2)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

الشاعر عبدالحميد بطاو

الحلقة: 2/ أســماء ووقـائــع ومـواجــهات

كنت قد تـوقفـت في الحلقة الأولى عند محاولة استقطابي من قبل الإخوان المسلمين، عن طريق أولئك الشيوخ الذين في سبيل الوصول إلى أهدافهم وغاياتهم لا تهمهم الوسيلة مهما كانت بشاعتها، وحركة القوميين العرب التي كانت في عزا أيام ازدهارها، منتصف الستينيات من القرن الماضي، كما عبـّر عن ذلك أحد المنظمين اليها الصديق “عبدالسلام على عيله”.

وذكرت أحداثـًا لم أذكر من خلالها المشاركين فيها ولا من تولوا قيادتهـا وتفجير غضب جماهيرها، وكان من بينها انتفاضة درنة تضامنـًا مع مصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956م، وكنت يومها صبيًا في الرابعة عشرة من عمرى، لا أعرف أشخاص وأسماء المشاركين في تلك الانتفاضة.

ولكن كان شارع الفنار يهـتز ويتزلزل تحت أقدام رجال المظاهرة الغاضبين، حتى إنني رأيت الخيول التي تجر الحناتير تهرب مرعوبة من محطتها في مقدمة الشارع، أما المظاهرة التي كانت احتجاجًا على مذبحة الموصل بالعراق (التي ارتكبها عبدالكريم قاسم ضد ضباط عراقيين منهم رفعت الحاج سرى وناظم الطبقجلى وغيرهم والتي كانت صيف عام 1959م)، (في جمعة من جمع رمضان الكريم) فقد أعلن عن بدايتها حينما صعد الشاب (خليفة اشحاته الباح) على منبر الجامع العتيق بعد نهاية صلاة الجمعة، وطلب من الجماهير أن تخرج للمظاهرة لتعلن رفضها للمجازر، وتطالب بإسقاط حكم الطواغيت وخرج يقودهم عبر زقاق الوشيش نحو شارع الاستقلال الرئيسي، ولكن تم اعتقالنا في ميدان المصرف التجاري سابقـًا، وأودع في السجن مجموعة من الشباب كان من بينهم الزعيم خليفه الباح (تيتى) -رحمه الله-، وسجن معنا يومها الأخوين الشويهدى (سعد و رمضان)، وجبريل الفريطيس وعبدالكريم الغزوانى ومحمد عبدالهادى (ليس مؤسس المسرح، بل رجل بسيط كان يبيع (المخلل) أمام مدخل سوق الخضار القديم)، وإبراهيم سلطان وعطيه بورحيله الشلوى والاستاذ موسى العوامي (المقيم حاليًا بالبيضاء) وغيرهم مم من لا تحضرني أسماءهم الآن، فقد كانوا أكثر مـن عشرين رجلا.

دعونا نواصل من حيث توقفنا عند نهاية الحلقة الأولى لكـى أقول أن (عبدالسلام عيله) لم يعرض على الدخول في حركة القوميين العرب، إلا بعد أكثر من شهر وهو يناقش معي القضايا الوطنية والقومية، ويقحمني في مقارنات مستمرة بين الأخوان المسلمين المعزولين البعيدين عن الناس حسب تعبيره، وبين القومية العربية التي تلهب مشاعر الجماهير وتقودهم في ساحات وشوارع الوطن العربي.

كانت درنة وكل المدن الليبية في الستينيات تتوهج فيها مشاعر القومية العربية، وتعشق عبدالناصر حتى الهوس، فكان حينما يخطب تتوقف الحركة في المدينة ويلزمون بيوتهم لمتابعة ما يقوله في خطابه، وكانت مرابيع الناس في كل المدينة مزدانة جدرانها بصور عبدالناصر وكانوا عصر كل يوم جمعه يستمعون إلى مقالة هيكل الأسبوعية (بصراحة).

وعن نفسي كنت ممهدًا وجاهزًا لمثل هذا الانتماء، خاصة حينما قال لي (عيله) أن حركة القوميين العرب قد فرضت وجودها في كل الوطن العربي، وهى تحت قيادة عبدالناصر، و تهدف إلى توعية الجماهير وجعلها جاهزة لاستقبال الثورة القادمة التي سيفجرها الشارع العربي في كل الأقطار العربية.

وهكذا وجدت نفسى منتظمًا وعضوًا رسميًا في هذه الحركة، وذلك منذ أواخر عام 1965م وبدأت أمارس معهم طقوس الانتماء، حيث كنا نجتمع مرتين كل أسبوع في بيت أي منا بالتوالي وكان تنظيم الحركة يسير على شكل الحلقات ثم الروابط ثم المراتب (التنظيم العنقودي الذى تتمشى به أغلب الأحزاب السرية)، ويقود كل حلقة عضو من رابطة لا يعرفون غيره وهو بدوره عضو في رابطة من خمسة أعضاء لا يعرف غيرهم ويقودهم هم أيضًا عضو قيادي من المراتب لا يعرفون غيره، كانت الحلقة التي شاركت فيها بها كل من (أبوبكر محمود الطشاني) والمناضل الراحل (فتح الله فرج انديشه) و(أحمد رواف الشاعرى) وكان يقودنا (رجب حمد الهنيد).

كنا طبعًا نقرأ ونتدارس كتب الكاتب القومى الشهير “ساطع الحصري” و”محسن ابراهيم” و”عبدالله الريماوي”، وكانت تصلنا من بيروت مجلة (الحرية) وهى الناطقة باسم حركة القوميين العرب، وبعض المنشورات والمحاضرات ذات الاتجاه القومي ومع الأيام شعرت بالملل وعدم الجدوى وبدأت أفكر في الانسحاب من الحركة، لأنها لم تجدد نفسها رغم انتشارها في كل الوطن العربي.

وعزلت نفسها عن الجماهير العربية على الأقل في درنة، حيث تحولت الى مجموعات من الشباب يجلسون في (المرابيع) ويناقشون قضايا الوطن العربي وما يستجد من أحداث في الساحة العربية دون لأي فاعلية او تطور، وفي نهاية عام 1966م أصريت على الانسحاب وانسحبت فعلا، بعد أن عاهدتهم أن أكون صديقـًا للحركة وعلى استعداد للتجاوب مع نداءاتها والانضمام إلى صفوف جماهيرها حينما يحين الحين. وهكذا انسحبت ولم أعد أتصل بهم أو أعرف الى أين وصل بهم تشوقهم الى التطور والتواصل مع الجماهير الكادحة المناضلة.

دعوني أتوقف هنا، لكى أقول لكم في الحلقة الثالثة القادمة ماذا حدث لدرنة أيام نكسة 5 يونيو عام 1967م، ثم كيف تم القبض على مجموعة من شباب درنة بتهمة الانتماء لحركة القوميين العرب، كنت من بينهم وكيف تم ترحيلنا من توقيف إلى توقيف حتى استقر بنا المطاف آخر الأمر في طرابلس. وكيف كانت أجواء السجن في سجن (الحصان الأبيض).

فإلى اللقاء في الحلقة الثالثة إنشاء الله…

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (10)

حواء القمودي

شريفة القيادي سيرة المُبدعة الليبية

فاطمة غندور

“عبد الله القويري” عاشق الوطن الذي رَحَل

المشرف العام

اترك تعليق