سيرة

للتاريخ فقط (5)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

الحلقة: 5/ هـذه طرابلــس بعد طـول شــوق

الشاعر عبدالحميد بطاو في شبابه

كان عرسي و زفافي بتاريخ 1 ـ7 ـ 1967م
وكانت زفـّتي إلى الزنزانة البشعة بتاريخ 30ـ 7ـ 1967م

كان تغير رهيب مرعب ومفاجئ حدث لي فجـأة اختلطت فيه كل الأوراق وتداخلت فيه الاحداث المبهجة والحزينة من غرفة معطرة وسرير دافئ إلى زنزانة بشعة وفراش من خيوط الليف الخشنة يتهامر بقـًا وبراغيثًا في عتمة زنزانة تفوح منها الروائح الكريهة في ليلة صيف خانقة ومع انسان شكـّاك متوجس وترنى حد الاخـتناق.

 وهكذا اعتبرت أن مبيتي أول ليلة في زنزانة توقيف سجن درنة فرصة لتأمل وضعي الذى وجدت نفسى فيه ومحاولة ترويضها لكى تقتنع وتتعايش مع الظروف القاسية الجديدة التي لم يعد هناك مفـر منها والتي لابد لي ان أتأقلم معها وأتوقع الكثير والكثير جدًا من المفـاجآت غير السارة طـبعـًا

لم ينم مرافقي في الزنزانة (فيتور) ولم تكن تحرك الرتابة وتقلق الصمت الذى بيننا في تلك الليلة الليلاء سوى إشعالي لسيجارتي وشفطها بنهم وأنا أسمع تنهداته حسرة ولعلنا نمنا بعض الوقت، وفي ظهيرة اليوم التالي حشروا خمستنا في سيارة (رانجروفر) وقد جلس بيننا وبين بابها الخلفي عسكري حارس يحمل بندقية ويجلس بجوار السائق رئيس عرفاء شهير يدعى “طاهر أسلاح” يضع في حضنه مستمسكاتنا من الكتب، وبلغونا أننا ذاهبون إلى بنغازي التي وصلناها بعد المغرب من نفس اليوم.

وهناك استقبلنا رجل أصلع ضخم الجثة، على ذراعيه العاريتين أوشام عرفنا فيما بعد أنه “سعد بن عمران” (المفارقة العجيبة أنه نفس الرجل الذى استقبل وفي بنغازي أيضًا، من قبض عليهم القذافي من رفاقي بدرنة المرحوم “محمد فضل الله الحصادى” والشاعر “على الخرم” و”محمد اسويسى” وغيرهم كثيرين عام 1977م، لتمتلئ جدران زنازين الشرطة العسكرية بنغازي بدمائهم التي تفجـرت تحت سياط “حسن اشكال” وزبانيته).

بعد أن جلسنا في رئاسة المباحث هناك بعض الوقت، تم توزيعنا على كل توقيفات بنغازي، وكان نصيبي أنا و”رجب الهنيد” و”محمد فيتور” مركز الآداب بجليانه، استلمونا جنود هذا المركز وبعد تفتيشنا وزعونا في غرف تحت الأرض، كان نصيبي ورفيقي (فيتور) غرفة بها سرير خشبي عـار (كتلك الخشبة التي يغسلون عليها الموتى)، وحوض غسيل بوسطه حنفية بها ماء، يبدو أنها زنزانة مخصصة للنساء وبها شباك يطل على حديقة مهملة كنت أسمع من وراء سورها أصوات أطفال ونساء فاستأ نست بهم في سكون ساعات ذلك الأصيل الموحـش الكئيب.

وفي الليل رغم جيوش (البعوض) التي كدرت صفو ليلتنا، إلا أنني كنت ألهي نفسي بصوت (أم كلثوم) الذى كان يأتي من بعيد، وكأنها تعبر عن واقع حالنا فقد كانت تقول (حاولت أهرب مالأفكار اللى تشعلل نار حبي)، ولكن أى حب نحن فيه.

وفي ساعة متأخرة من تلك الليلة البنغازية القلقة، سمعت أحد السجناء في الزنازين المجاورة وهو يغنى بصوت بكائي يغالب خلاله عبراته أغنية علم يقول فيها (مستوحيات ياس بعيد لنـظار.. في عزيز أيـوادعن).

يا الله…كـم انسحقت وتلويت مع كلمات هذه الأغنية التي جاءت على الفاهق، كما يقولون، ورفعت صوتي من ثـقب باب الزنزانة وأنا أسأل صاحب الأغنية: من أنت يا أخي لتقـتلنا بهذا التشاؤم ونحن لا نعرف أين ستقودنا أقدارنا يوم الغد، فسمعته يقول لي: أنا “عبدالقادر أحمد الكبير”، من شباب القوميين العرب ببنغازي قبضوا علينا اليوم مثلكم.

وفي صباح اليوم التالي وعند الظهيرة، جمعونا وكنا أكثر من عشرة من الشباب من درنة وبنغازي، كان من بين جماعة بنغازي الذين تعرفت عليهم “عبدالقادر أحمد الكبير” و”بالنور مفتاح الفلاح” و”محمد الصادق المغربي” و”محمد بشير البرغثى”.

وخرج موكبنا في لهيب ظهر أول أيام أغسطس بسيارتين (رانجروفر) ودخلنا طرابلس عصر اليوم التالي (كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها طرابلس)، واستقبلونا هناك في رئاسة مباحث الدولة ووزعونا على توقيفات طرابلس وكان من نصيبي توقيف (نقطة قرجي) استلمني ضابط النقطة، وبعد ان غادرتنا سيارة المباحث وبينما هو يسجل بياناتي توقف عن التسجيل حينما قلت له أنني من درنة وتغير أسلوبه وطلب لي كرسي وقهوة، يشهد الله واجتمع حولي بوليس النقطة الشباب وشعرت بأنهم صاروا يعتزون بي وبتهمتي بعد أن حدثتهم عنها وقرأوها في الورقة التي استلموها من المباحث وهى أنني متهم بمحاولة قلب نظام الحكم بالقوة وأحاكم بنص المادتين (206) و(207) من قانون العقوبات.

وفي الليل أحضروا لي عشاء عملوه مخصوصًا من أجلى (فهم عزاب ويقيمون في نفس نقطة البوليس بالدور العلوى)، وتحرجوا وهم يقفلون على باب الزنزانة. بعد أن سهرت معهم سهرة حميمية من خلال حوارات سياسية ساخنة.

قضيت في نقطة (قرجى) هذه يومين وفي صباح اليوم الثالث جاء رجال المباحث واستلموني من النقطة، وحملوني في سيارة (فولكس) لمبنى المباحث العامة وهناك جلست في أحد المكاتب من الصباح حتى الظهر. كان يرافقني حارس لا أخلاق ولا ذوق له، يتصفح صحيفة ويضع حذاءه في وجهى وينظر نحوى بين الحين والحين نظرة توجس وريبة دون ان يتكلم معي، وأحضروا لي عند الظهر (ساندويش) وزجاجة ميراندا، وعند العصر جاء من أخذني عبر ممر طويل وطلب منى الدخول إلى مكتب وجدت بداخله ضباط المباحث، وكانوا ثلاثة رجال كبار في السن، حتى أن أحدهم يعانى من ضعف نظر واضح و يرتدى نظارة طبية يجلسون على مكتب يتصدره رئيسهم، الذى عرفت في ما بعد أن اسمه “عبدالرحمن الشايبي”، وقد كوموا أمامهم كتبي (مستمسكاتى التي اختاروها من مكتبتي)، وكان “الشايبي” هذا يتصفح الكراس الذى به يومياتى التي كنت قد كتبتها بخط يدى أيام انتسابي لحركة القوميين العرب، وطلبوا منى الجلوس غير بعيد عنهم وبدأ التحقيق معي.

دعونا نتوقف هنا، لكى أستعيد أنفاسي وأنا أتذكر هذه اللحظات المتوجسة، وفي الحلقة السادسة سنتحدث عن أسلوب التحقيق في المباحث، ثم النيابة ثم دخولي ليلا لسجن طرابلس المركزي باب بن غشير (بورتو بنيتو – الحصان الأبيض).

ولتبدأ مرحلة جديدة يجتمع خلالها كل مجموعة الـ(106) داخل سجـن (الحصان الأبيض)، وزنزاناته المحاطة بالعسكر والبنادق والأسلاك الشائكـة في انتظار ما تأتى به الأيام…

مقالات ذات علاقة

محمد رشيد قامة فنية ليبية عصيّة على النسيان

رامز النويصري

للتاريخ فقط (18)

عبدالحميد بطاو

في ذكرى ميلاد شاعر الثورة والحزن الـ70

المشرف العام

اترك تعليق