سيرة

للتاريخ فقط (28)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

الحلقة: 28/ رب ضـــــارة نــافـعــة ـ ويغفـر اللـه للمضطر

في بداية الحلقة السابقة كنت تحدثت عن تلك المافيا الرهيبة من الفاسدين التي صنعها النظام بشكل متعمد لأن السرقات والاختلاسات والتزوير كانت تمارس بشكل مكشوف وكما يقول إخوتنا المصريين (على عينك يا تاجر). كان رأس النظام يرى ويتأكد وربما يبارك هذه الممارسات، لكى يكون المناخ العام كله فاسـدًا ولا أحد يستطيع أن يحتج أو يفضح أو يرفض ما يحدث أمامه وحواليه وكانت سياسة الأحتواء تمارس بدقة وذكاء يكلف البشر فساد الذمة وممارسة الانحراف، ويكلف الدولة ضياع المال العام وتدمـير أسس الإدارة فكان الانسان النظيف الصادق لا يستطيع ان يبقى كثيرًا وسط هذه الأجواء الموبوءة الخانقة وله فرصة أن ينسحب من البداية فقط، أما حينما يباشر العمل سيكتشف وبسرعة أنه فقد خط الرجعة ويبدأ جيش الفساد الذى حوله في توريطه بخطة ممنهجة وتغريه السلطة والجاه والمال وتملق من حوله فيغرق وسط المتاهة التي تذهب بتوازن ورجاحة عقله ويتأقلم معها والكارثة انه يقنع نفسه مع الوقت واستمرار ممارسة الخطأ أن مايفعله عين الصواب وأن الناس كلهم جناة وأدعياء ولم يتفهموا شخص المسئول كما يجب بل يدافع عن هذه الممارسات ويعتبرها حقـًا مكتسبًا وأن السلطة لابد أن تكون بهذه الكيفية ويستغرب لماذا يعترض الآخرون ومن أجل هذه النماذج الوصولية الجاهزة للانحراف. كتبت قصيدة سميتها (نسيان) نشرتها في آخر دواوينى (أشجان هذا الزمان) أقول فيها:

جـــاءنـــى
يـتــباكـى عـلى الشـّـعـب
مــن ســارقــيـهْ
وهــو يـهـتـزّ مـن غـضــبٍ
ويـلـوّح مـنـفــعـلا بـيـديــهْ
قــال لي:
هــل تـطــيـق السـّـكـوت
عـلى هـؤلاء الـجـمـاعــهْ..؟
بـعـد أن ســخَّـروا
كــل شيء لصـالحـهـمْ
سـرقـوا لـقـمـة العـيش مـن فـمــنـا
جـعـلـونـا نعــانــى المـجـاعــهْ
كــان لابـد للشــعـب
أن يـرفـض الـظــّلـم
أن يفـضـح المـسـتـغـلّ
بـكـل شـــجـاعــهْ
بـعــد حــيـن ٍ
أتـيـتُ لـهـذا الـذى كـان يبــكـى
وقــد صــار في مــوقــع ٍ
فــيـه مـغـنـمـة واســتـطـاعـهْ
صــار ضــمـن البـضــاعــهْ
قــلـت:
كــيـف تــرى الـوضــع…؟
كــيف تــراك تـُعــالــج
مــاكـنـت تـذكــره مـن بشــاعـهْ…؟
قـــا ل لــــي:
وهـو يـهـتـزّ مــن طــرب ٍ
ويـهـشّ عـلى وجــهـه
بـطــراًبـيـد يــهْ
أن مـا كـنت أحســبـه واقــعــًا
لـيـس ثـمـّـة أى دلــيل ٍ عـلـيه
وعــلـى كــل حــا ل ٍ
وكــى تـسـتـقـيـم الأمـــوُر
وتمـضـى المـصـالـح بـيـن الجـمــيع
عــلـى الشــّـعـب
أن يـحـسـن الـظـنّ في حـاكـمــيهْ
قـــلــت:
(حـَــيـْـــه)

و(حيـه) هذه بلهجتنا الليبية الدارجة مثل كلمة (بخ) بلغتنا العربية الفصحى تقال لاظهار الندم والحسرة وهكذا وجدت نفسى أنا أيضًا في المحطة الأخيرة هذه أمام حسرتين أحلاهما مـر لأختار بينهما وليس هناك من حل آخر يسمح لي بالمغادرة دون الحس بالحسرة فإما أن أطعن في عمرى وأكتسب صحة وجه أصادع من خلالها وبقوة عين خبيثة (قسم النفوس وألبسه خطأ لم يكن ليفعله) وتبقى هذه الحسرة كما هى لا تتطور حتى أغادر هذه الدنيا و(باللى جابت) كما يقولون أو أواصل وضعى كما أنا لأكون مجندًا رغمًا عنى في شبكة الأمن الداخلى العنكبوتية الرهيبة وسوف أضطر بحكم الوظيفة وتحت ضغط (لقمة العيش) إلى ارتكاب الكثير من الموبقات حتى أتأقلم وأصبح مثل بطل قصيدتى هذه وأجد لعسف وطغيان وظلم الأمن الداخلى ألف مبرر.

حينما قلت في الحلقة السابقة أنني وأنا أركض بحكم المحكمة نحو قسم النفوس كنت قد توقفت وقلت لنفسى (سيد عبدالحميد أنت شاعر ولديك دواوين تباع في المكتبات ويطالعها الكثيرون وسيتناول النقاد والدارسون سيرتك الذاتية وسيقفون محتارين أمام هذه الفزورة التي ارتكبتها وتركتها للناس بعدك ولن يجدوا تفسيرًا لهذا اللغز وربما لن تكون حيـًا حينها لكى تقول لهم كيف حصل ماحصل فالناس عادة يتعاملون من خلال ما هو مدون على الورق) يشهد الله أن لحظة توجهى نحو قسم النفوس بحكم المحكمة كانت من أقسى لحظات حياتى فأنا لم أتعود الزيف والتزوير والكذب ولكن ما هدأ خواطرى أنها كذبة واحدة وارتكبتها وأنا مضطر ومرغمـًا عليها فالله أباح لنا أكل لحم الخنزير في حالة الاضطرار ثم أن هذه الجريمة التي ارتكبتها ستنقذنى من جرائم أكثر بشاعة ورعبًا لو لم أفعلها وواصلت عملى بالأمن الداخلى وهكذا أقنعت نفسى ولو على مضض وقدمت الحكم لأدارة قسم النفوس التي سارعت بتلبية طلبى ومنحى شهادة ميلاد تتفق وحكم المحكمة الذى يقول أنني من مواليد 1925م وليس كما ورد خطأ بسجلات نفوس درنة.

وركضت بهذه الشهادة المزورة المنقذة نحو إدارة الأمن الداخلى بدرنة وبعد أقل من شهر صدر قرار من رئاسة الأمن الداخلى بإحالتي على المعاش نظرًا لبلوغى سن التقاعد التي ينص عليها القانون وذلك أعتبارًا من 1 ـ 7 ـ 1991م وأحيل ملفي الشخصى لأدارة الضمان الأجتماعى.

ياه.. ياالله… كم شعرت بالراحة والانشراح وأنا أزيح عن نفسى هذا الكابوس الذى دمرروحى على مدى عامين، حينما كنت اشعر وأنا أتناول راتبى نقدًا منهم كأنني أشرب دماء أخوتى كما وصف السياب أمثالى في قصيدة (المخبر).

ياه.. يا الله.. بدل من أن تخرج الى التقاعد معززًا مكرمـًا مودعًا لرفاقك خلال لحظات عاطفية مؤثرة ها أنت تغادر عملك بالدولة بهذه الصورة كأنك سارق يتخلص من جريمته.

ياه.. ياالله… ها أنت تستلم قرارك هذا لتذهب وتدفن نفسك في بيتك لاتبرحه وتدخل في شيخوخة مبكرة، وأنت في بداية الخمسين من عمرك أنه قدرك.

دعونا نتوقف هنا بعد أن غادرت مبنى الأمن الداخلى، وكأنني (خارج من فم غوله) لأدخل في مرحلة جديدة من مراحل عمرى نعم ليس فيها اى تطورات مهنية تتبعها منافع مادية تساهم في تحسين وضعى المعيشى نعم ليس فيها اية طموحات رئاسية أو قيادية من خلال التطور الوظيفي المتدرج لكى تجعلنى أكثر حضوة.

نعم ليس فيها أى وسيلة للتعامل مع الآخرين من خلال الواجب الوظيفي الذى يحتم ذلك مهما كان هؤلاء البشر، ولكن الشيء الوحيد الذى كسبته راحتى النفسية وتفرغى للأبداع والشعر.

ودعونا في الحلقة القادمة نتحدث عن هذه الأمور بصورة أكثر تفصيلا..فإلى الحلقة القادمة.

مقالات ذات علاقة

أحمد الشريف: رجل الفكر والمقاومة..

سالم الكبتي

صخرة الماء.. ذاكرة مكان

محي الدين محجوب

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (23)

حواء القمودي

اترك تعليق