سيرة

للتاريخ فقط (26)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

الشاعر عبدالحميد بطاو

الحلقة: 26/ قلنا (باللـّى جـابت ) لوتركــونا في حـالنا

وأنا الآن قــد تجاوزت السبعين من عـمرى ودخلت مرحلة الشيخوخه.. ها أنا أضحك بل أقهقه ساخرًا وأنا أحدق من علو شاهق فأرى كل البشر بهذه الدنيا بصراعاتهم وأحقادهم وأنانيتهم وكيف يحاول كل منهم أن يكيد للآخر بل هو على استعداد أن يصعد فوقه ويقتله في سبيل أن يرتفع بضع سنتمترات كى يتنفس وقتًا أطول قبل أن يغمره الطوفان هوالآخر.

ها أنا أتأمل هذه الدنيا بعد أن رضيت تمامًا بالحاضر وأرهـق روحى الماضى بكل كوارثه وأحداثه الغريبة الشاذة ولم أعد أتحمـّس كثيرًا للمستقبل. وأنا اتحسس هذا الواقع الذى نعيشه الآن والمليئ حتى الفيض بالقتل والدم والتفجيرات والاختلاسات الضخمة والانانية البشعة والفتنة والكراهية والحقد لاإله إلا الله.

ها أنا أتأمل هذه الدنيا التي قاسيت كثيرًا من طعناتها الدامية غير المبررة ومفاجآتها المزعجه التي كانت تجئ عادة بعد أن تندمل الجراحات القديمة لكى تؤكد وبشكل حاد، صدق ماجاء في أغنية صديقى المطحون (صالح عبدالسلام المشيطى) التي صدح بها باكيًا في قيلولة من قيلولات أجدابيا المحرقة والتي تقول:

(الأيــام مـاعـليهن غـيظ… أعـكـسـن وين ماحـوتك زهـــن)

ها أنا أتـأمل هذه الدنيا وقد تجردت من كل الأحلام البراقة والأطماع المخجلة والآمال الخادعة التي كنت اقاتل الناس من أجلها واكتشفت في مابعد، أنها سراب خادع نلهث وراءه طول عمرنا ولن نصل اليه أبـدًا.

ها أنا الآن وقد تجاوزت السبعين كما قلت أجلس في بيتى الذى بنيته بعرقى وجهدي. أنا وزوجـتى الوفـية الصابرة وأنا أحاول ان أوائـم بين أحتياجاتنا المتواضعة السهلة التحقيق، وبين راتبي التقاعدى، وأحمـد الله في كل الأحوال راضـيًا.

ها أنا أتأمل هذه الدنيا بكل تجرد، وأنا أجرجر خلفي ماضيًا قاسيت فيه كثيرًا، مما جعلنى أخاطب نفسي قائلا:

كــيف لازلــت تحــيـا
وقــد جـــفّ كــل الـذى فــيــك
مـن هـول هـذا ا لـنـّـزيــف ِ
وصـرت كـأ نـّـك عــــودٌ
تــيـبـّـس
لـكـنـّـه ما انـحــنى أو تـكـسـّــر

تعودت من خلال تعاملى مع الدنيا أنني كلما انعدلت أمورى وتحسنت أحـوالى وذقت طعم الفرح، أضع فجأة يدىّ حول رأسى وأغمض عينى وأشد جسدى لكى لا تفجأنى الضربة القادمة.

ياه… يبدو أنني أطلت المقدمة هذه المرة حتى أوشك أن أنسى أين كنا قـد وقفنا في الحلقة الماضية ودعونى أذكركم أن موضوع العجز المالى الذى اتهمـت به والذى رأيت الويل في ظل كابوسه المرعب كان باطلا وملفقًا وكان الغرض منه ازاحتى والتخلص منى بتخطيط من العاملين معى وبنية سيئة مبيتة من فرع المنشأة العامة للنشر والتوزيع فرع بنغازي ومكتب البيضاء أيضًا (كلهم وحدوا جهودهم لأجل تدميرى دون أى مبرر).

وهكذا عدت للعمل بمكتب المنشأة العامة للنشر والتوزيع والأعلان بدرنة، التابع لمكتب البيضاء كان ذلك منتصف عام 1987م، صرت يومها موظفًا أمارس دوامـًا روتينيًا، ولم اعد متحمسًا لممارسة اى نشاط. كتبت قصيدة قلت في نهايتها:

إذا رأيت هذه المرارة التي كانت تعيننى على المواجهات ذابت
إذا رأيت لحيتى من هـول هذه المفارقات شـابت
إياك أن تلومنى إذا رأيتنى انطويت صامتًا وقلت (باللـّـى جابت)

ورغم هذا، كان المسؤولون بهذه المنشأة يجهزون لي كارثة أخيرة كانت هى القاضية فعلا، حيث جاءتنى منهم بعد فترة قصيرة من تبرئة ساحتى وعودتى رسالة تقضى باحالتي الى الأمن الداخلى، انا والعاملين معى باعتبار انه لاضرورة لفتح مكتب للمنشأة بدرنة، وكل العاملين به يحالون الى هيئة الأمن الداخلى أسوة ببقية شركات اخرى تم تصفيتها في ذلك الحين.

يااللـه.. كانت هذه ضربة قاسية ورهيبة ومؤلمة، وجاءتنى في وقت زهدت فيه في أى طموح ولم تعد امكانياتى الجسدية بفعل تقدم السن قادرة كما في السابق على المواجهات والمصادمات، وصار منتهى أملى أن أوفر لقمة العيش الكريمة لي ولأسرتى بصورة تحفظ ماء الوجه، ولا تورطنى في مساومات وتنازلات تذهب بآخر ماتبقى من هذا الجسد الضامر الهزيل.

الصورة للمرحوم ـ صالح سعيد الشلوى ـ رحمه الله

لم يعد هناك بد من تنفيذ ما ورد في رسالة الاحالة والا سيوقف راتبي، وقد افصل من عملى، ورغم أنني حاولت الرفض وبقيت في بيتى إلا أن بقائى بدون راتب أشعرنى بضيق ذات اليد وحاجة اسرتى الى الطعام واقتنعت ان المعادلة هذه المرة تقول وبكل وضوح (رومني والا نكسر قرنـك). وقد كان مسئول الامن الداخلى بدرنة خلال عام 1989م رجل عاقل وإنسان وقد تعاطف معى وهو السيد (صالح سعيد الشلوى)، كان سابقًا بالمباحث الجنائية والذى توفاه الله هذه الايام رحمه الله، وقد اعطانى رسالة قال فيها أنني طول المدة السابقة كنت اتردد عليهم وطالب مدير هيئة الامن الداخلى بصرف رواتبي وذهبت الى طرابلس ووجدت منهم تفهمًا وتعاطفًا مع وضعى وتم صرف كل مرتباتى، وحين عدت الى درنة دعانى صالح سعيد مدير فرع درنة وقال لي: اعرف ان هذا المكان لايناسبك، ولكن لابد مما ليس منه بد فعلى الأقل تأتى كل يوم في الصباح وتثبت حضورك، ثم تعود لبيتك حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولا.

وكم اسرنى هذا الرجل بتعاطفه وتفهمه لوضعى، ولكننى كنت اشعر بينى وبين نفسي أن الموضوع كان أكبر من مواقفي، وأصعب من كبريائى وأشد قسـوة من عزة نفسى (كان هناك آخرون ملزم بأن أوفر لهم العيش الكريم مهما كانت مصادره).

وهكذا رضخت للأمر الواقع مؤقـتـًا، وأنا أقول لابد أن هناك بديل ما قبل أن تقتلنى الغصة وتذوب مرارتى وأشعر أن هذا العالم أبشع صورة وأكـثر وحشـية من كل أحلامى وأمنياتى التي أذبلها العسف والقمع.

فإلى الحلقة القادمة إن شاء الله..

مقالات ذات علاقة

كلمات على الرصيف

سالم الكبتي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (25)

حواء القمودي

للتاريخ فقط (12)

عبدالحميد بطاو

اترك تعليق