سيرة

للتاريخ فقط (24)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

الحلقة: 24/ نقـلة مدمـرة من الأغــنام إلى الذئـاب

لاشئ في نظام السلطة الشعبية يحدث صدفة أو بناء على رغبة وإرادة وتصويت واختيار أعضاء مؤتمر الشعب العام فكل قوائم التصعيد تعرض عليهم في غرف الفندق بالمساء ثم يمثلون في جلستهم الصباحية أنهم هم من اختاروهم من قرر تصعيدهم خلال مسرحية (كوميديا سوداء) هزيلة مقرفه وطبقناها نحن الأدباء والكتاب حينما اخترنا رئيس وأعضاء رابطتنا، حيث وزعت القائمة في الفندق ليلا على أشخاص بعينهم، وهم من سيروا التصعيد في صالة التصعيد ذلك المساء وكان لهم ما أرادوا.

وليلة أن اجتمعنا بالقذافي في خيمتة بالعزيزيه لنقوم صباح اليوم التالى بالزحف على المنشأة العامة للنشر والتوزيع طلب من الصحفيين الذين كانوا معنا بالخيمة أن يلتقطوا لنا صورة معه قائلا: ساعد سيدك عبدالسلام بحبيل.
وفي الصباح وقبل الزحف خرجت الصحف وعلى صفحاتها الرئيسيه وبالخط العريض (القائد يجتمع بالأدباء والكتاب ويحرضهم على الزحف والسيطرة على كل وسائل الاعلام ليكونوا هم من يراقبون انفسهم بأنفسهم)، وفعلا حينما وصلنا لعمارة المنشأة، هتف بعضهم تلك الهتافات المعروفه ثم صعدنا للدور الرابع لنجد أن الأمور كما يجب واستلم الأديب الكاتب محمد أحمدالزوى إدارة المنشأة بسلاسة وسلام وأصبح أمين المنشأة العامة للنشر من ذلك الصباح.

بعد بضعة شهور كنا في مؤتمر، والتقيت بالصديق محمدالزوى وهو انسان رومانسى وخلوق سألنى يومها عن عملى فقلت له أنني موظف بشركة المواشى واللحوم، وظن أنني أمزح معه ولما تأكد عرض على أن يتم ندبي بصورة مستعجلة للعمل بالمنشأة العامة للنشر والتوزيع وفعلا تم الندب.

لم تكن هناك بدرنة سوى مكتبة واحدة وكشكين لبيع الكتب، وثلاث موظفين هم من يبيعون الكتب في المكتبة وسائقين يتناوبان استلام سيارة (ميتسوبيشى) يحضرون بها الكتب والمجلات وهم يتبعون فرع المنشأة بالبيضاء، حينما استلمت عملى عرضت على أمين فرع بنغازي أن يكون هناك فرع مستقل بدرنة، ووافق وخولنى ان استأجر شقة بعمارة الأوقاف ومنحنى عهدة ماليه اشتريت بها أثاث ومكاتب وأحضرت من طرابلس شاحنة بالجرار كتب متنوعة، وافتتحت مكتبة كبيرة وسط شارع ابراهيم الاسطى عمر سميتها (مكتبة ابراهيم الاسطى عمر النموذجية)، وتوسعت في فتح أكشاك بيع الكتب والمجلات وافتتحت معرضًا ببدروم مدرسة الزهراء وكنت متحمسًا وسعيدًا ومنتشيًا وأنا أرى العائلات يخرجون من المعرض يحملون الكتب في أكياس عليها شعار المنشأة.
يشهد الله أنني كنت أعمل بحماس حتى ساعة متأخرة من الليل، وكان هناك تجاوب من أهل درنة والكتاب والأدباء والفنانين بشكل خاص (ولكن لم يكن هناك تجاوب من رفاقى العاملين معى بالمنشأة، فقد كانوا يتآمرون ضدى ويخونوننى بصورة خسيسة لا تخطر على بال لأنهم كانوا أكثر راحة أيام تبعيتهم لفرع البيضاء).

فبعد نهاية معرض الزهراء كنا نعيد الكتب في السيارة (الميتسوبيشى) ويسوقها سائق من العاملين بالمنشأة من صالة العرض في ساعة متأخرة من الليل لمخزن كان مكتبة قديمة بشارع (حشيشه)، ولم تكن الكتب كلها ترجع للمخزن بل كان جزء كبير منها يخزن في بيوت العاملين معى دون علمى (كانوا يسرقونها طبعًا) ويبدو أنهم بعد ذلك أرسلوا رسالة باسم مواطن صالح لرآسة فرع بنغازي بأن أمين مكتب فرع درنة اختلس أموالا من ايرادات بيع كتب المنشأة ويطالبون بتشكيل لجنة جرد له. وفوجئت بفرع بنغازي يرسل لي لجنة جرد بصورة مفاجئة لحصر ما في عهدتى من الكتب وحصر قيمة المبيعات بفرع درنة.

وبعدها صدر قرار من أمين فرع المنشأة العامة للنشر والتوزيع والأعلان بنغازي بايقافي عن العمل وتكليف موظف من بنغازي (محمد بشير القبائلى) ليسير الفرع بدرنة، وفوجئت بكل هذه الأجراءات العدائية السريعة التي اتخذت ضدى من قبل فرع بنغازي، ولكننى لم أعترض أو أرفض حتى أن (القبائلى) بعد أن سلمته كل ما في ذمتى أقسمت له ان يتغدى عندى يومها فكان الرجل مرتبكـًا ومحرجًا وقال لي:
صراحة لم أكن أتوقـع أنك ستعاملنى بهذه الشفافية وسعة الصدر.
فقلت له: رغم أنني لا اجد سببـًا لكل هذه الاجراءات المتسارعة المشبوهه الا أنني آخر الأمر لابد ان ارضخ للواقع فهذه أوامر دولة وأنا موظف عندها.
وحينما وجدنى بهذا التساهل والتفهم أكد لي أن لديه أوامر بإلغاء كل الأجراءات التي قمت بها بما فيها مكتب الفرع وستعود درنة تابعة لمكتب البيضاء. فقلت له: كل هذا لا يعنينى فقط شيء واحد سأقاتل من أجله لو ألغيتم الأكشاك والمكتبة النموذجية.
فطمأنني أن هذه الأشياء ستبقى وفعلا الغى الفرع وعادت تبعيتنا لمكتب البيضاء كما السابق وقبل أن يغادر (القبائلى) عائدًا إلى بنغازي قال لي وهو في قمة الحرج: يا سيد عبدالحميد انت متهم بعجز مالى يتجاوز الثلاثين ألف دينار، ومدير فرع بنغازي سيقدمك للنيابة حال ما تتم بقية الاجراءات القانونية.

يا الله كم كانت مفاجأة مذهلة ومضحكة ونادرة وغريبة وآخر ما يمكن أن أتصوره، فيوم أن أوقفوا راتبى وأوقفونى عن العمل أكثر من شهرين كان والدى وأخوتى يتناوبون شراء سجائرى والصرف على بيتى (هذه الأحداث أذكرهاا لآن ومن شارك فيها لازال حيـًا في إمكانه أن يكذبنى وعلى الملأ لو قلت غير الحقيقة هناك السيد صالح البرشة والسيد محمد بشير القبائلى، واحمد الفزانى واحمد نتفه وعبدالسلام بوزيد وأبوبكر عريف والكثير من أعضاء لجنة الجرد موظفي المنشأة من بنغازي عام 1987م).

دعونا نتوقف عند هذا الحد لكى احدثكم في الحلقة القادمة عن كيف تم كشف أمر العجز الكاذب الكيدى وكيف اكتشفت سرقة الكتب، وكيف برئت ساحتى بصورة قانونية ولم أنتقم من أحد رغم انكشاف حجم ما فعلوه ضدى هؤلاء الذئاب.. وكنت كلما ضغطت على أسنانى متغيظًا من هول ما عانيته وكلما حاولت أن أغضب أو أنتقم أجد والدى يربت على كتفي ويبتسم لي ابتسامة تذيب عنفوان تفجرى وأسمعه يردد لي: لا تكافي.. لك مكافي.

فإلى الحلقة القادمة…

مقالات ذات علاقة

الكاتب ممثلاً مسرحياً

أحمد إبراهيم الفقيه

من سيرتي: كتبت علاقتي في السلم الموسيقي.

محي الدين محجوب

محمد السيليني.. فنان «عالي الدرجات» والإحساس

أسماء بن سعيد

اترك تعليق