سيرة

للتاريخ فقط (16)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

والد الشاعر عبدالحميد بطاو

الحلقـة: 16/ حـزن السـجون ودمــوع الشـجون

هامش بالمناسبة: (علق صديقنا “أحمد فضيل بالتبن” على الحلقة السابقة قائلا: لقد أبكاني بداية هذه القصيدة….الخ.

وأنأ أقول لصديقى هذا لعلك تخيلت هذا الشاب منذ أكثر من أثنين وخمسين عامًا، وكيف ستفعل الآن وأنت تتابعه في ما تبقى من شيخوخته وهو يعيد كتابة تلك القصيدة، ولكن هذه المرة في زنزانة أكثر عتمة وكارثية وهاك بقية القصيدة).

حبيبتي

وإن بـدت قلوبنا مثخنة الجراح

وإن هوى عصفور حقلنا على الثرى

مكسـّر الجــناح

ولم يعد على شباكنا يغـنـّي

ولم تعد تبهجك الآمال والتمني

فأنني برغم فقدك

الذي يؤلمـني وسـجني

سأحضن العذاب حتى يولد الصباح

ولن يطول يا حبيبتي البعاد

وسوف ينهض الجواد

قلت أنني كتبت هذه القصيدة مساء اليوم الذى ودعت فيه الوالد والوالدة، بعد زيارتهم الحزينة المرتبكة لي في سجن (الحصان الابيض)، وأعرض عليكم كم كان حجم تفاؤلنا في ذلك الحين، لكى يزداد حجم خيبتنا بهذا الواقع المرير الذى نعيشه الآن فقد انهيت القصيدة مؤكدًا:

حـبيبتى

مـن أجـل فجـرنا الموعـود والضـياء

من أجـل مولـد الربيـع والنمـاء

مـن أجــل هـذا الوطـن الحـزين

مـن أجــل أن نظـل صــامـديـن

لا تـنـحـنى مـهزومـة

إيـّــاك والبكــاء

لا تفـقدى حـبيبتى الرجـاء

لأننـا سـننـتـصر

وحـبنا سـيزدهـر

وقـيدنا سيـنكـسر

وفـجـرنا الأكــيد سـوف يهزم السواد

وســوف ينهض الجواد..

وألقيتها في عصر اليوم التالي، وقد فرش رفاق السجن بطاطينهم وجلسوا حولنا تحت شمس الساحة المثلثة المكشوفة بالقسم الخامس، بعد أن مهدت لها بالقصة التي حدثتني عنها الوالدة، وأغلبهم تأثر حتى البكاء وشارك معي في تلك الأمسية الشاعر “محمد الشلطامى” حيث القى قصيدة يقول في جزء منها:

وتــطاردين بنيك في الظلماء

ليتــك تحـلمــين

بالفجر مثلهم

فتعشب في مجاهلك الأمومة

لكن دونك ألف باب

قد أوصدوها الشاربون دماك

يا أمى الشقية

حزني لأنك بربريه

لا تعرفين

معنى ابتسامات الجياع الهالكين

في مفرق الطرقات

يبتسمون للأفق البعيد..

صرنا نحاول قتل الوقت في السجن بلعب كرة الشراب وقد صنعنا كرة من جواربنا القديمة وبعض الخرق، حيث أقمنا مباريات حماسية مع بعض مساجين الأقسام الأخرى ولعب الورق (الرومينو) في المساء، وفترة ما بعد العصر نقضيها أحيانًا في ندوات وحوارات سياسية، وأحيانا نقيم أمسيات شعرية، حيث صار أغلب رفاقنا شعراء تطبيقـًا للمثل المصري الذى يقول (كثرة الحزن تعلم البكا).

وخرج الكثير من رفاقنا الذين حكم عليهم بعام واحد، بعد أن أنهوا مدة الحكم وكانت لحظات وداع حزينة شعرنا بعدهم بأن السجن أصبح ضيقـًا عما كان عليه، مما جعلنا أكثر توتـرًا وضيقـة خلق وكثرت الخلافات والصراعات بيننا، بل وحتى العراك والاشتباكات الدامية في كثير من الأحيان لأسباب تافهة.

كان بداية صيف عام 1968م بداية قاسية إلى أبعد حد، شعرنا خلالها ببشاعة السجن وجفاف أيامه وطول لياليه الكالحة مهما كانت الأجواء التي نفتعلها لترطيب الجو وخلق نوع من التعايش يساعدنا على تحمل مرارة الفقد التي صرنا نحس بها تكبر يومـًا بعد يوم. وفي عشية من عشايا يونيو المحرقة سمعت صوت أحد حراس السجن ينادى با سمي وحينما ذهبت إليه قال لي يريدونك في الإدارة وذهبت معه، وهناك أدخلوني في مكتب من المكاتب وتركوني مدة جالسًا، وحدى بينما يطل على بعض الضباط ولا يدخلون وشعرت بأن هناك كارثة لا يستطيعون أن يقولونها لي، فزاد توتري وخوفي، وبعد فترة دخل مدير السجن وجلس على المكتب وأخذ يطالع ورقة أمامه ومرت بيني وبينه لحظات صمت لزجة مربكة، سمعته بعدها يقفز على الكلمات قفزًا متغلبـًا على حرجه وهو يقول لي:

– سيد عبدالحميد.. هذى دعوة لك لحضور جلسة في المحكمة الشرعية بدرنة، بخصوص زوجتك فمن المفروض أن تجهز نفسك للسفر غدًا صباحًا لكى تكون بعد يومين في درنة في الموعد الذى حددته المحكمة.

عرفت بعدها لماذا كان الضباط يتهربون من لقائي ذلك المساء اللزج الكـئيب، ولكنني كنت متوقعـًا حدوث مثل هذا الأمر ولهذا لم تكن المفاجأة مؤلمة رغم بشاعتها.

ولعل فرحتي بالعودة إلى درنة بهذه الصورة المفاجئة واللقاء بالأهل والأصدقاء هناك، أكبر من حزني لما آلت إليه قضية زواجي، وغادرت الإدارة وقضيت ليلتي في جمع كل حاجياتي وتوديع رفاق السجن الذين عشت معهم اكثر من عشرة أشهر، نتجول ونتشاكى ونحن نطوف متشابكي الأيدي في الساحة الأسمنتية المثلثة المكشوفة بالقسم الخامس بهذا السجن البغيض.

وفي صباح اليوم التالي نودى علىّ وصافحت مودعًا باكيًا كل الرفاق، وهناك في الإدارة شبكوني في قيـد واحد (كلبشه) مع مسجون آخر كان منقولا هو أيضًا إلى بنغازي وشحنونا في (رانجروفر) مع حارسين أوصلتنا إلى هناك ظهر اليوم التالي حيث استقبلونا بحفاوة في سجن (توريلى) الذى كان مقامـًا على الشاطئ قريبـًا من منارة الميناء، وقضيت ليلة هناك، وفي الصباح جهزوا من أجلى (رانجروفر) ثانية مع شرطي ورئيس عرفاء كحراس والسائق، وتوجهت بنا بداية صباح يوم 25 ـ 6 ـ 1968م الى درنة، التي وصلناها عصر نفس اليوم.

كنت وأنا اتأمل درنة من ارتفاع جبلها الغربى احتضنها بكل جوارحي حيث شعرت بمدى شوقي لها، وحنينى اليها بعد كل هذه الشهور المجدبة.

دعونا نتوقف هنا، لنتحدث في الحلقة القادمة عما تم في المحكمة، وعن عودتي بعدها لبنغازي والبقاء هناك، حتى لحق بى بقية شباب درنة الذين تركتهم في طرابلس، حيث سمح لهم هم ايضًا بالانتقال الى مدينتهم وهم كل من: (عبدالله الحصادى) و(رجب الهنيد) و(عبدالجليل الزاهى)، وعدنا معًا الى سجن درنة لنقضى ما تبقى من عقوبتنا هناك.

فإلى الحلقة القدمة إن شاء الله…


على شرف الوالد هذه الحلقة جعلتها اطول من غيرها ليزداد حجم المتعة عندكم

مقالات ذات علاقة

حكاية أول برلمان ليبي بعد الاستقلال

سالم الكبتي

حوافز ومفارقات كتابة سيرة*

نورالدين خليفة النمر

كامل عراب.. بهجة الصمت في الزمن الساخن

أسماء بن سعيد

اترك تعليق