سيرة

للتاريخ فقط (13)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

عبدالحميد بطاو: الصورة المرفقة وجدتها بصفحة الصديق محمد الشختيرية؛ التقطت لنا في فترة الاستراحة بين الجلسات وفيها من يسار الصورة السنوسي ادهان من الزاويه و على اللافى من طرابلس ومحمد الزنتانى من الزنتان وضو نجاح من قصر اخيار ورجب الهنيد من درنه وعبد الحميد بطاو من درنه.. والذي خارج القفص المحامى كامل المقهور.

الحلقة: 13/ أحـكـام قاســــيه جاهزة سـلفـًا

انتهـت مراحـل المحكمـة التي بدأت أول جلسة لها يوم 15 يناير، وحتى الثامن من فبراير 1968م، وقد تم التحـقيق بصورة روتينية مع كل المتهمين واستعرضت المحكمة الأدلة وكل المستمسكات التي قدمتها المباحث، ولم يكن فيها قنابل وبنادق ومسدسات كما ادعى شهود الاثبات الذين قدمتهم النيابة، وقدم ممثل الادعاء محاضرة طويلة الديباجة طالب في نهايتها بمعاقبتنا بأقصى العقوبات، ثم القى المحامون مرافعاتهم لينتهي كل هذا بإعلان القاضى حجز القضية للحكم الذى حدد له يوم 24 فبراير 1968م.

قضينا نصف الشهر هذا الممتد بين آخر جلسة وجلسة النطق بالحكم في قلق وتوتر، حيث انتشرت الكثير من الإشاعات المحزنة والمفرحة فمن قائل يقول: لقد صدر قرار بالإفراج عنكم لعدم توفر الأدلة، وقائل يقول: إن الملك سيصدر مرسومًا بالعفـو عنكم وتجميد القضية، بمناسبة زيارة الرئيس التركي (جودت صوناى)، ومن متشائم يقول: إن أحكام البعض قد تصل الى المؤبد.

ورغم هذا كان التفاؤل وعشم الخير هو السائد بيننا، حتى إن بعضنا في صباح جلسة الحكم جمع هدومه ليكون جاهزًا للخروج، وأعطى عنوانه لبعض أصدقائه.

وخرجوا بنا ذلك الصباح في نفس السيارات المصفحة، ودخلنا القفص بانتظار دخول هيئة المحكمة لكى ينطق القاضي بالحكم، واقترب منا الأخوة المحامون يشجعوننا ويشدون من أزرنا وهم لا يقلون تفاؤلا عنا، وفجأة دخلت هيئة المحكمة وسمعنا المنادى يزعق كغراب: محكمـه.

لنقف جميعنا ولم يجلس القاضي وفرد ورقة أمامه كان يقرأها بصوت مرتبك ويشدها بيدين مرتعشتين حيث تلا علينا الأحكام واقفـًا ومتسرعـًا، كأنه يريد التخلص من هذه اللحظة الحرجة وكانت الأحكام التي أعلنها قد قسمت على أساس أن قيادة التنظيم وهم كل من (عمر المنتصر) و(عبدالسلام الزقعار) و(عزالدين الغدامسى)؛ قد حكموا بست سنوات سجن. والمجموعة التي اتهموهم بالتدرب على السلاح في مصر أربع سنوات، وأعضاء الروابط ثلاث سنوات، ومن ضبطت بحوزته كتب من أعضاء الحلقات عامين، ومن لم توجد معه مستمسكات كتب عام واحد، اثنان فقط من فازوا بالبراءة من سبعة وتسعين متهمًا أحدهما قالوا بواسطة من “عثمان الصيد” وهو (على عيسى) من الجنوب، والآخر وهو من درنة ارتكبت المباحث خطأ في كتابة اسمه لم ينتبه له أحد منـهم وهو المرحوم (عبدالمجيد بوزويته) كانوا خلال محضر القبض والتحقيقات ينادونه باسم (عبدالمجيد بوازقيه)، وكان في منتهى الذكاء حيث ترك خطأهم يتواصل حتى جلسات المحكمة، وهناك قدم للقاضي بطاقته الشخصية التي تؤكد أن اسمه من واقع البطاقة (عبدالمجيد بو ازويته) وليس “بوازقيه” كماورد في صحيفة الاتهام. وكان ذلك من حسن حظه فلم يتم التحقيق معه من قبل المحكمة وكانت براءته متوقعه وثالثهم (سعد مجـبر).

هذه الصورة لرفاق السجن ونحن نقضى بعض عقوبتنا فى مستشفى درنه حيث قضينا بضعة اشهرفى رفاهية المستشفى بين اهلنا واحبابنا الذين صاروا يزوروننا بدون قيود الاخوة بالصورة هم من ايمين 1 ـ عبدالجليل الزاهى 2 ـ عبدالله الحصادى 3 ـ رجب الهنيد 4 ـ الجالس بينهم عبدالحميد بطاو التقط لنا الصورة السيد انورالنويصرى اطال الله عمره

بعد تلاوة الأحكام القاسية المفاجئة وبهذه الصورة السريعة المتوترة، صرخنا في وجه القاضي معترضين رافضين بينما غادر المنصة بسرعة وعدنا لنشيدنا الذى بدأنا به منذ صباح اليوم الأول من أيام المحكمة:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلابـد أن يستجـيب القــدر

ولابـــد لليـل أن ينجـلـي
ولا بـد للقـيد أن ينكســـــر

خرجنا في السيارات المصفحة التي تشق بنا شوارع طرابلس في تلك القيلولة ونحن نزداد حماسـًا في ترتيل النشيد الذي لم نتوقف عن ترديده إلى أن فكت قيودنا، ودخلنا مرة ثانية للقسم الخامس لنجلس بعد الغداء في الساحة المكشوفة وكل منا يحسب كم مضى من مدته وماذا تبقى على خروجه.

للحق والتاريخ كان القادة الثلاثة (الغدامسي) و (المنتصر) و(الزقعار) كبار في مواقفهم وفي صبرهم وفي صمودهم في وجه هذا الحكم الجائر، وكانوا يبتسمون في وجوهنا ويشجعوننا مما شد في أزرنا فعلا.

أحكام قضية القوميين العرب (الصورة: عن حائط الكاتبة ميسون صالح)

دعونا نتوقف عند هذا الحد لنلتقي في الحلقة القادمة، التي سأبدأ من خلالها في سرد أمور ربما تكون شخصية وقد كان نصيبي عامين سجن، ولكن المصائب التي نتجت عن هذا الحكم كانت غير متوقعة.

فإلى الحلقة القادمة إن شاء الله.

مقالات ذات علاقة

جُنينة.. مبكرا غادرتنا فكانت مسك الحكاية

رامز النويصري

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (43)

حواء القمودي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية؟! (4)

المشرف العام

اترك تعليق