سيرة

للتاريخ فقط (12)

يشرع موقع بلد الطيوب في نشر سلسلة (للتاريخ فقط) للشاعر “عبدالحميد بطاو“، والتي يروي فيها الكثير من الأحداث التاريخية والسياسية.

الشاعر عبدالحميد بطاو.
الشاعر عبدالحميد بطاو.

الحـلقة: 12/ مـحـاكــمـــة مــيـّــت

قبل هزيمة العرب أمام قوة طيران وجيش اسرائيل عام1967م، كانت قد حدثت هزيمة أخرى ولكن من وراء الكـواليس، ولم تكن على مستوى إعلامي لكى ينتبه لها الناس نظرًا لطابع السرية الذى فرض على حركة القوميين العرب داخل الوطن العربي، فقد جنحت هذه الحركة كما سبق أن قلنا مما أغضب الكثير من الشباب الصادقين المتحمسين وانسحبوا من الحركة، ولعلها انتهت وقد انشأوا بعض قادتها تنظيمات جديدة ولم يعد هناك تنظيم أو جسم سياسي كما السابق يحمل اسم حركة القوميين العرب، وكان اعتقالنا ومحاكمتنا تأكيدًا للمثل الذى قاله عنا (مفتاح الهنديانى)، حينما سألنا ما هى المستمسكات التي ضبطوها بحوزتكم فقلنا له مجرد كتب قال (أضربه على التبن ما عادش يفكر في الشعير). أي أضربه وبقوة عن الشيء التافه ينسى التفكير في الشييء المهم.

كان يوم السبت 3 فبراير 1968م، يوم بداية المرحلة الثانية من المحكمة حيث قدم الإدعاء شهود الأثبات الذين أكدوا في شهاداتهم أن بعض شباب الحركة التقوا بهم في الخمس وسألوهم عن إمكانية حصولهم على رشاشات ومسدسات ومائة قنبلة، ولم يتحصلوا إلا على مسدسين، ولم يسألهم القاضي وبأي صفة يسألونكم أنتم دون سواكم، هل كنتم تجار أسلحة؟

بعد جلسة الشهود هذه لاحظنا تغيرًا على القاضي ليس في صالح قضيتنا فقد توتر أكثر من مرة مع المحامين وهدد بعضنا بعقوبات تأديبية، ثم استدعى بعض رجال المباحث الذين اقسموا حانثين أنهم لم يستعملوا العنف والتعذيب معنا، وبعد ذلك ولكى يزداد الجو قتامة والوضع إحباطـًا وقف ممثل الادعاء وألقى مرافعة مطولة، استعرض في بدايتها تاريخ حركة القوميين العرب التي قال إنها ولدت في بيروت تحت اسم العروة الوثقى، ومن نظامها عقد مؤتمرين سنويًا، والحركة تخدع وتورط الشباب بالاسم، بينما أهدافها تصفية طبقات المجتمع لصالح الطبقة العمالية لكى تكون حركة رائدة في قيادة الجماهير، وتهدف الى بث الفرقة بين ابناء الشعب الواحد والترويج للمبادئ الماركسية الهدامة، ومن مبادئها النشاط النضالي وسرية العمل وشعارها نفذ ثم ناقش، وفي نهاية المرافعة قسم مجموعة المتهمين على أساس من (4 الى 10 قيادة، ومن 11 الى 17 شعب، ومن18 الى 33 روابط، ومن 34 الى 83 خلايا، ومن84 إلى 98 حلقات)، وطالب في النهاية من هيئة المحكمة تطبيق نص المادتين (206 و 207) من قانون العقـوبات، التي أحكامهما تتراوح من 3 الى عشر سنوات سجن، ولم تعقب هيئة المحامين كثيرًا على ماورد في هذه المرافعة القاسية.

وبدأت مرافعات المحامين وتقدم أمام منصة هيئة المحكمة المحامي (محمود نافع) كان شابًا في مقتبل العمر وسيمـًا مرحـًا متحمسًا أنيقًا في لباسه (قتلته عصابات القذافي ضمن تصفياتها في لندن في نهاية السبعينيات)، وألقى مرافعة أشاد فيها بالعروبة وحتمية الوحدة العربية، وأكد على أن حركة القوميين العرب تجنحت وانتهت، ونفي عنها العنف مستشهدًا بماورد في اعترافات (مصطفي العالم)، وقال إن الحركة كانت فكرية بحتة وانتهت نهاية فكرية، ولم يعد هناك مبرر لاعتقال هؤلاء الشباب.

ثم تقدم بعده وترافع المحامي (علي صدقي) الشاعر، الذى مزج القانون بالعاطفة بأسلوب شاعري متميز وكان صادقًا ومؤثرًا في طريقة حديثه، وبعد ذلك تكلم كل من المحاميين (محمد سليم) و(ميلاد اقناو)، وسلما مذكرتين لهيئة المحكمة، ثم ألقى المحامي (إبراهيم الغويل)، مرافعته التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات دافع خلالها عن القومية العربية ونفي تهمة الاشتراكية عن المتهمين باعتبارهم لا يفقهونها، وأكد موت الحركة بعد تجنحها، وطالب المحكمة أن تتوقف عن محاكمة جسد ميت (صار “الغويل” أحد محامي القذافي في قضية لوكوربي الشهيرة).

ورفعت الجلسة لكى يخصص اليوم التالي لمرافعة رئيس هيئة المحامين (كامل المقهور)، الذى ترافع بصوت أجش هادئ فند من خلاله الاركان الثلاثة للمادتين: 206 و207، وتساءل وهو يضرب المنضدة بيده فتحدث صدى في أرجاء الصالة من خلال ناقل الصوت، تساءل عن العنف وكيف يكون من خلال المستمسكات التي لم تكن سوى كتب وبعض الصحف ومحاضرات فكرية، وختمها مؤكدًا لهيئة المحكمة أن هؤلاء الشباب هم أبناؤنا وأقدمهم لعدالة المحكمة أمانة للتاريخ والعدالة.

وعقب بعد ذلك ممثل الادعاء على مرافعات المحامين وسألنا القاضي عن مطلبنا فطالبنا بالبراءة، وهكذا أعلن بعدها عن حجز القضية للحكم الذى سيكون يوم 24-2-1968م.

ولعلنا نتوقف هنا لكى نتحدث في الحلقة القادمة عن يوم النطق بالحكم والطريقة التي أعلن بها القاضي أحكام المحكمة التعسفية الجائرة، وردة فعلنا.

فإلى الحلقة القادمة إن شاء الله…

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (38)

حواء القمودي

في الذاكرة (الإعلامي المرحوم فتحي العريبي)

المشرف العام

امرأة خارج العزلة (الجزء الثاني)

فاطمة غندور

اترك تعليق