طيوب النص

لقاءُ المشير

(1)

كان المساءُ دافئاً حين بدأ ينسج خيوط النهاية ليوم تمدد نهاره في أركان الوقت وآن له أن يرحل ليستريح، فتسربت لحظاته حتى حملت إلينا توقيت الموعد المضروب للالتقاء في مقهى صغير يقع تحت برج الساعة بسوق المشير وسط مدينة طرابلس، حيث ولدت إثرها هذه الكلمات لعلها تفي اللقاء ولهفته وأنفاسه وحواراته حقها فتأخذ مسكنها في سفر تاريخ العلاقة بيني وبين صديقي.

عن بوابة الوسط
عن بوابة الوسط

(2)

مأذنة جامع “الشأن شأن” كانت تنادي بالحق. وحين ارتميتُ في أحضان الله بعثت سكينة الصلاة في أعماقي راحةً وعذاباً. صحبتها دعوات بالصفح والقبول. إثرها وبعد التمام قذفت خطواتي كئيبا خارج بيت الله. وفي أزقة سوق المشير كنتُ أتأمل المكان المسكون بعبق الماضي.

هنا كان المشير.
وهنا كان الليل.
وهنا كان صديقي الذي مضى.

مطارق سوق القزدارة نامت عن عزفها الشجي، وأسواق الحرير استراحت من زحام الزبائن الرائحين والغادين، وألوان القمجة الطرابلسية ذرفت دموعا حلوة ومالحة حين تسربلت في أحلام العرائس.

يا لليل المجنون بنا.
يا للمكان الخالد فينا.
ويا للبنت التي تلعب بقطعة سكر، ولا تدري أنها..أحلى منه بكثيررررررررر.

(3)

حين وصلتُ في الموعد وجدت صديقي في انتظاري. يرتدي بدلته الرسمية ويضع على عينيه نظارته الطبية. كانت عيناه فضاء لمدايات مستقبل حالم، وأنياط قلبه لا تعزف الا حباً. حياني من بعيد ووقف لاستقبالي واحتضاني بكل الود الذي عهدته منه، مكللاً باحترامه لاجتهاداتي الأدبية والفكرية وهو الذي يعرف تخصصي العلمي. بعد العناق والترحيب دعاني إلى كرسي بجانبه وأهداني أول ابتساماته الرقيقة وهو يسألني ماذا أحب أن أشرب. طلبتُ عصيراً بارداً لعله يهدهد حرارة اللهفة. بعده بدأنا مشوار الكلام. لم يتحدث بلسانه كثيراً. فكل الكلام عزفه قلبه، وزرعته نظرات عينيه العسليتين في فضاء المكان. ظل الحوار الوجداني ينساب رقراقاً صامتاً بلا كلمات بيننا لفترة من الزمن تابعنا فيها قراءة بعض النصوص الأدبية. وحين انتهينا، تناقشنا حولها وتفاوتت آراءنا واتفقت على الاحترام.

(4)

سلةُ فواكه الكلام لم تنتهي معه. وعذوبة الحديث الرقراق كانت تزداد لذة حين يفيض بموسيقاه وأشجانه. الليل كان مؤنسا لنا، والقمر كان بدرا، والمكان ظل يطوقنا بنبضات التاريخ، وساعة سوق القزدارة كانت تحسدني لأني كنت في حضرته فصمتت وتوقفت عن إعلان الوقت.

(5)

ظل الليل منتشياً بحوارنا. وظل نادل المقهى مبتهجاً بنقاشاتنا وتعليقاتنا وحتى ضحكاتنا التي تعالت وارتفعت قليلاً في سماء المقهى لعدم قدرتنا على السيطرة عليها وسط ذاك الجو المفعم بالمسرة والانبساط. وحين طلبنا منه أن يلتقط لنا صورة للذكرى طلب أن يأخذ لقطة معنا، فرحبنا بذلك وسألناه هل تأخذ لقطة مع كل الزبائن؟ فأجاب بأنه لأول مرة يستقبل زبونين بهذا المستوى من الحميمية والاستمتاع في الحوار. شكرناه على ذلك وغادرنا بعد أن دفعنا فاتورة المقهى صوب سيارتينا. وفي الطريق كنا نتأمل جدران محلات ميدان الساعة ونتسأل عمن مروا من هنا، وزرعوا خطواتهم في نفس المكان عبر قرون مضت من الزمن، وغيرها من الأسئلة التي كانت تتوالد سرعى خلال حديثنا، ونحن نتهادى في مشينا بخطوات لا نريدها أن تتوقف أو تنتهي. وفجأة رفعنا رأسينا إلى السماء حين أحسسنا بقطرات من رذاذ المطر يداعب الوجوه المضيئة فعلق صديقي وقال إنها ستمطر الليلة.. وقلت بل هي دموع الوداع. وفعلاً بعدها بقليل برقت السماء، ودوت رعودها، وجادت سحابات الخير بزادها الوفير، فتوقفتُ مع صديقي مبتسمين كعصفورين مبللين، فقال هل هكذا تكون خاتمة اللقاء؟. فأجبته وما أروعها من خاتمة تحمل البشرى والغيث النافع لكل النفوس. ابتسم مودعاً ورددت بمثلها محيياً. وظل الليل في ميدان الساعة بسوق المشير يستقبل دموع السماء وحيداً… بدوني… وبدون صديقي.

________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

مهجورة مقطوعة

المشرف العام

هنا أراكِ

حسين التربي

رسالة حب إلى شاعر ليبيا الأستاذ الدكتور عبد المولى البغدادي

عادل بشير الصاري

اترك تعليق