قصة

لعنة الرواية

من أعمال التشكيلي عمران بشنة
من أعمال التشكيلي عمران بشنة


نزع الطبيب السماعة عن أذنيه ، وقالها بصوت يائس كئيب :

“للأسف .. ليس لهذه المريضة فرصة في الحياة بعد رغم كل الجهود التي بذلناها، إنها لم تحتمل التخدير لأسباب عديدة”

الممرضات المتواجدات نزعن الأنابيب المتصلة بذراعي وسحبن جهاز الأوكسجين المثبت فوق أنفي، وفردن الملاءة البيضاء فوقي ومضين.

.. سمعت  كلمة إكرام الميت دفنه.

سمعتها تتردد كالوصفة الطبية.. وبادرت إحدى العاملات بدفع سريري صوب حجرة غسل الموتى كنت في حالة استسلام شديد وقبول بالأمر الواقع عندما بدأت هذه المرأة عملها معي.

أي عندما ثبتت أصابعها على جبيني وراحت تسكب الماء بغزارة على فروة رأسي.

عطش شديد … عطش إلى شيء يرطب حلقي الجاف .واصلت المراة سكب الماء، وواصلت ترديد  عبارات كالترانيم .

ترنيمة تهدئ الروح وتجعلها تستعد لمباشرة الطيران إلى عوالم أخرى .

إكرام الميت دفنه

إكرام الميت دفنه

الكل يود أن يكرمني

الماء غسل روحي وجسدي

والترنيمة الحزينة هيأتني للاستسلام لمصيري .

المشيعون تهافتوا على حملي رغم ثقل وزني

أولادي سعوا لأن يجدوا لي قبرا في جبانة سيدي منيدر وهم يعلمون مدى ارتباطي بالأولياء الصالحين، وندائي لسيدي البهلول يوم أن قصدته لغرض ما.. وناديته باستغاثة (يا سيدي البهلول اصدقني في القول) إلا ان مساعي الاولاد أحبطت عندما علموا ان الجبانة قد أغلقت حتى إشعار آخر.

المشيعون توجهوا نخو مقبرة مطلة على البحر في شارع الشط .جميعهم رفعوا أكفهم تضرعا لله ودعوا دعاء الميت الذي بدأوه بالعبارات التالية :

اللهم اسكنها بيتا خيرا من بيتها

اللهم ارزقها زوجا خيرا من زوجها

اللهم ارزقها ذرية خيرا من ذريتها

اللهم اسكنها فسيح جناتك يا أرحم الراحمين ..  آمين يارب العالمين.

سمعت الدعاء بخشوع ورائحة الحنوط تكتم أنفاسي.

اللهم سامحني واقبلني مع عبادك الطيبين، ما كان لي أن أقول شيئت والأيادي تتبادلني من الخشب إلى الأسمنت .

الرجل الملقن ذكرني باسمي واسم عائلتي وديني ومضى.

وحيدة الآن.. ما أصعب الوحدة في هذا الخلاء الموحش.

وحيدة الآن إلا مت عملي الصالح الذي وسع لي مساحة القبر.

الملكان حضرا سريعا ورفرفت حولي كطيرين أبيضين

الملكان اللطيفان حولا القبر إلى مساحة مزروعة بالأمل والتفاؤل، وشهدا بحسن تعاملي مع جيراني وبري بوالدي وتضحياتي ونواياي الحسنة وحبي لوطني. الملكان سرعان ما رفعاني وطارا بي إلى السماء، إلى آفاق ملونة بالخيوط الذهبية وأدخلاني الجنة. الملكاني وضعاني في مكان ساحر.

الله.. ها هي رائحة الجنة تنفذ إلى شغاف القلب وتحيط بمكامن الروح.

ها هي الأشجار والأنهار الذائبة في ألوانها والطيور المرفرفة اللاهية بعذب تغريدها.

الله …ما اروع هذا السحر اللامتناهي !!

تلمٍست حاشية سريري وكنت بحاجة ماسة للنوم والراحة وسط هذا الرونق اللامحدود الذي لم أشهد له شبيها في الدنيا الفانية …

النوم سلطان

ولكن أين لي بالنوم إن لم امسك. بيدي كتابا وأقرأ؟

يا للنوم.. ويال تفاصيله المقلقة التي تبعتني حتى هنا..!

سألت عن الرواية التي كنت أقرؤها في الأمس الرواية التي عشت تفاصيلها كلمة كلمة، وتمنيت أن اكون كاتبتها.

رواية المرأة التي لخصت سيرة حياتها وقسمتها إلى عشر ساعات.

الساعة الأولى للطفولة، والساعة الثانية للمراهقة، والساعة الثالثة والرابعة لمرحلة الشباب والعمل، الساعة الهامسة والسادسة لمرحلة الكهولة الصعبة والساعات المتبقية والمشوقة جدا ستستعرض فيها للكاتبة صدماتها المتتالية وخيبة أملها.

الرواية.. الرواية.. أريد الرواية.

الملك اللطيف ادرك حيرتي وتمنى ان يساعدني، إن لم أقرأ قبل النوم سيحكم علي بالبقاء أسيرة الهواجس والقلق.. سألت الملك بكل حياء وأدب أن يعيدني للدنيا كي آخذ الرواية التي كانت معي وأعود. الملاك لم يتردد.. وعلى جناح السرعة طار بي في اتجاه ما وأعادني إلى المستشفى. إلى سريري رقم (9)، حملت سفر أخطائي وصورة أمنا حواء تلوح أمامي وهي تعود أدراجها إلى الأرض وخيط الألم ينصحني قائلا: تخلصي من لعنة القراءة لعل الزمن يعيدك يوما إلى الجنة.

تخلصي من لعنة رواية ما، اسرتك وجعلتك تحومين داخلها كعقرب الساعة.

الأصابع الحنونة دلكت جبيني بالماء.. صاحبة الأصابع الحنونة ربتت على خدي بلطف وفرح، الحمد لله على السلامة.

ها قد بدأت تصحو.. هكذا قال الطبيب …

الذين التفوا حولي كانوا يضحكون ويعلقون:

– ها هي الرواية

– ها هي الرواية التي طالما طلبتها وانت تحت تأثير التخدير .

مقالات ذات علاقة

العيد

عائشة إبراهيم

مونولوج

المشرف العام

انـثيــال

طاهر بن طاهر

تعليق واحد

تبقى الحياة والمعرفة – طيوب 21 سبتمبر, 2020 at 01:00

[…] لعنة الرواية […]

رد

اترك تعليق