دراسات

لرواية العربية والبحث عن واقعية جديدة

(أنا نتاج هذا الجنس وهذه البلاد وهذه الحياة، ولسوف

أعبر عن نفسي كما أنا) – جيمس جويس

 كتاب

يكاد يشكل هذا التصدير مفهوم الكتابة الروائية العربية الباحثة عن ( واقعية ) جديدة تتجاوز الوجه الشاحب والرومانسي لواقعية الخمسينيات. إن أنماط الكتابة والبنية الروائية على امتداد الوطن العربي في العقود الثلاثة الماضية ، تسمح بالقول أنها محاولة لتجاوز الواقعية الأولى ، بل تؤسس لنمطٍ يتسع لرؤية وقراءة الواقع العربي في تغيراته وتعيناته الجديدة ، اجتماعياً وسياسياً وفكرياً .

إن واقعية الرواية العربية في شكلها الجديد ليست تعبيراً مسطحاً عن الواقع المعاش، بل إنها طريقة حياة. الروائي هو الشاهد، يصوغ همومه الشخصية بشكل يتمثل الحياة ولا يمثلها. انه إنسان ( يحكي ) ليتواصل مع الآخرين. يحكي بالمفهوم ( الشهرزادي ) لمعنى الحكاية .

يقف الروائي شاهداً على عصره ، يعيد قراءة التجربة العامة في تجربته الشخصية ، وهو إذ يخدعنا بهدم أسطورة العالم الوهمي في النص الروائي إنما يدفعنا للتورط معه منذ الجملة الأولى ،وهو يسخر منا كلما أوغلنا في متاهته ، لأنه يقحمنا في سياق بحثه (الدون كيشوتي) عن معنى وزمن مفقودين . تتحول الحكاية من ( أمثولة ) إلى طريق للحياة ،يتحرر فيه الروائي ، حتى لو كان واهماً ، من كل قيد يأسره في الحياة الواقعية .

تتقاطع عدة روايات عربية في خاصية أن شخصياتها ( إشكالية )، بالمعنى الواسع الذي قصده ( لوكاتش ) ، فلم تعد الشخصية ( بطلاً ) ملحمياً صاعداً على طول الخط الدرامي للرواية ولم تعد الشخصية تناقش أو تبحث في القضايا المطلقة أو الميتافيزيقية ، بل شخصيات تعاني إشكالية الفصام بين ( الوعي والممارسة ) . حاضرها يشكل أزمتها فتنشد ماضيها في مستقبل حلمي ، شخصيات يحاصرها الواقع فيدفعها الحنين إلى ماضٍ مفقود ، أو الحلم بزمن آتٍ لا ملامح له .

إن البطل الإشكالي عند ( لوكاتش ) هو : ذلك الساعي إلى تحقيق قيم أصيلة ومبادئ سامية في مجتمع يقوم على الزيف ، نتيجة سيطرة العلاقات التشيؤية في المجتمع .

إن الحكم المعياري (اللوكاتشي) له ما يبرره ويسنده في الواقع الاجتماعي والسياسي الأوروبي في سياق التمييز بين البطل ( الملحمي ) و ( الإشكالي ) في عالم رأسمالي ، لذلك لا نتبنى التفسير( اللوكاتشي )بالكامل ، لاختلاف الواقع العربي في بناه الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعقائدية .

نرصد ملامح هذه الشخصيات الإشكالية كما تظهر في الرواية العربية ، مع التأكيد على نقطتين :

الأولى : رفض المبدأ السطحي الذي يقيس ( العالم ) بحركته وعنفوانه وشخصياته من خلال التعبير الفني ، أي لا نجعل من الوهمي والمتخيل في الرواية مرجعا لقراءة الواقع الحي والمتفاعل.

الثانية : رفض المادية ( الميكانيكية ) التي تقيم علاقات سببية شرطية بين( التطور الاجتماعي ) ، صعوداً وهبوطاً ، وبين ( التطور ) الروائي ،إن الأمر يتعلق أساسا بقراءة الرواية (كنص ) يقول ما في وعي و لاوعي الكاتب والقاريء معا . نص جمالي يستفيد من المنجزات الفنية في الرواية الأوروبية الحديثة ، ويستلهم ما في التراث الحكائي العربي من خصائص نفسية شعورية للروائي والقاري .

الشخصية الإشكالية في الرواية العربية الباحثة عن واقعية جديدة تعاني انفصاما بين (الوعي ) و ( الممارسة ) ، تهرب من الحاضر إلى الماضي ومن الواقع إلى الحلم . يغيب عنصر الصراع ويسيطر ( الصوت الواحد ) وذلك عبر مستويين للغة :

المستوى الأول تقريري ، والمستوى الثاني غنائي ، وتكون أداة السرد هي ( ضمير المتكلم) التي هي بشكل ما ( أنا ) الروائي، ويزول الحاجز بين ( الروائي)و( الراوي) وتقدم الرواية كشهادة وتجربة .

تبرز أعمال الروائي ( صنع الله إبراهيم ) كنموذج لهذه الواقعية بدءا من ( تلك الرائحة ) في أواسط الستينيات حتى ( ذات ) في التسعينيات .

أولا : ملامح وسيماء الشخصيات

يلتقط ( صنع الله ) شخصيات تندرج في إطار الشريحة الوسطى ، في شكلها وأفق وعيها ،وتحديدا من المجتمع المصري ، شخصيات واقعية من حيث الإمكان . شخصيات تمتلئ بكل ندوب وجراحات الواقع ، تمتلك نقائصها ووعيها المهزوم لضيق أفق رؤيتها ولهامشيتها على الخارطة الاجتماعية .

لا نجد في روايات ( صنع الله ) تلك الشخصيات النموذجية المعهودة في الرواية المصرية ، لا نجد مثلا الفلاح الذي يمتلك شجاعة تاريخية أو وعيا ثوريا للوقوف ضد الإقطاعي ، ولا نجد النازح إلى المدينة وقد أخذته الصدمة الحضارية ،ولا نجد نموذج المومس الفاضلة التي تعاطف معها كتاب الواقعية الأولى واعتبرت نموذجا مثاليا لسيطرة علاقات التشيؤ في المجتمع .

إنه يتحدث ( عنا ) ، يسخر منا ومن نفسه لأنه ينتمي إلى هذه الشريحة في لحظات مدها وجزرها التاريخيين .

في ( تلك الرائحة ) يسجل الروائي الصدمات التي تتلقاها الشخصية الرئيسية في كل ساعة أثناء بحثه عن عمل وامرأة ، يقابل بالشعارات المرفوعة والتي آمن بها ودفع ثمنها وقد مسخت وفرغت من محتواها . نموذج للمثقف الذي لا يستطيع التكيف مع ما يجري .

وفي ( نجمة أغسطس ) رحلة نفس المثقف نحو أمل يعتقد أنه سيشكل له الخلاص ، إنه وسط الهشاشة ينشد التماسك واليقين ، لكنه يؤوب من رحلته بخيبة كبيرة ، إذ يلتقي بنفس الوجوه الانتهازية المستفيدة من النظام ومن مشروع بناء السد العالي .

وفي ( ذات ) نجد أسرة ( عبد المجيد ) في فترة الانفتاح الاقتصادي ، وتقدم ( ذات ) كنموذج لفتاة ساذجة ينحصر وعيها في أن تعيش كالآخرين ، مع احتفاظها ببعض القيم ، إنها تبحث عن ذاتها وسط مجتمع يتحول فيه البشر إلى وحوش فتنكفيء على نفسها ، ولا تجد عزاءً سوى البكاء وحيدة في الحمام .

أما ( اللجنة ) فتقدم واقعا ( موازياً ) ، مثقف لا نكاد نتبين حدود وعيه بشكل ظاهر ، وان كان أسلوب السرد يخبرنا أن ثمة انفصاماً بين ( وعيه ) و( فعله ) ، يتخذ موقفاً عندما يجابه اللجنة وذلك بقتل احد أعضائها ، ولكنه يذعن لقرار اللجنة ويأكل نفسه .

أما السيماء العامة لهذه الشخصيات فنلخصها في الآتي :

1/ إنها شخصيات لا تمتلك أية صلات اجتماعية بالمعنى العميق والحميم ، فعلاقاتها الأسرية مفككة وتفتقد الحب والحنان .

2/ تعاني صراعا داخليا بين وعيها وممارستها، فهي ترفض السائد ومع ذلك تذعن له.

3/ شخصيات تتلقى الأحداث ولا تصنعها، لذا يغيب عنها عنصر الصراع.

4/ شخصيات ترفض حاضرها وتحن إلى ماض مفقودٍ.

ففي ( تلك الرائحة ) تظهر اللحظات السعيدة والحميمة في ( الذكريات ) التي تتخلل الرواية .

وفي ( ذات ) حيث الواقع أكثر شراسة تحاول الفتاة إسترجاع زمن الستينيات ، من خلال الأحلام والبكاء.

ثانيا : اللغة

يتعامل الروائي وفق مستويين للغة :

المستوى الأول: هو الجزء الظاهر من جبل الثلج العائم ، لغة تبدو محايدة في ظاهرها ، جافة وباردة ، فالجملة تكاد تشبه الجملة العلمية في موضوعيتها المتوهمة .

المستوى الثاني : لغة الجزء المغمور من جبل الثلج ، تفصح عن الوعي الحقيقي للروائي أو السارد ، سواء فيما تقوله أو تسكت عنه .

يستخدم الروائي هذه اللعبة الفنية في كل رواياته ، ففي ( تلك الرائحة ) تكتفي الرواية برصد الواقع كما هو دون تأويل ، لذلك كانت الجمل فعلية قصيرة وجملا محايدة لاتحيل إلى شيء منظومة في تتابع لاهث لايتوقف للتحليل أو التصنيف.

يقول السارد في إحدى الفقرات (..ظللت في السرير دون أن أنام. دخنت كثيرا. جاء الصباح فقمت واغتسلت وارتديت ملابسي وخرجت. تناولت سندوتشا وابتعت صحف الصباح كلها . ثم ركبت المترو وراقبت أبواب العربة وهي تغلق . نزلت . كان هناك رجل ملقى على الرصيف بجوار الحائط وقد غطته جرائد ملوثة بالدماء..) .

ونجد المعارضة الغنائية حين تنشط الذاكرة مستعيدة الماضي ، وهنا تكون اللغة شفافة ودافئة ومنحازة إلى الزمن المفقود ( .. كانت عيناها نجمتين في فضاء ساكن ..رأيت صورتي في بياضهما الواسع . كان ساعدها عاريا بجواري وبشرتها سمراء مشربة بالحمرة وتبدو ساخنة ..) .

وفي ( نجمة أغسطس ) يحاكي الراوي بنية الرواية ببنية السد العالي ، ويقابل السرد المسطح شبه التقريري بالتداعي الذي يستعيد التاريخ والذكريات ، حيث اللغة أكثر حرارة لتؤكد على الحنين إلى الزمن الماضي .

وفي كل روايات ( صنع الله ) نجد اللغة ذات المحمول والتورية الجنسية. وتماهي ( نجمة أغسطس ) بين فعل الآلة وفعل الحب ، وغياب الارتواء العاطفي أو انتفاء قيام علاقات حب سوية قيمة مكررة في كل روايات ( صنع الله ) وكأن العجز العاطفي ليس إلا عجزا على المستوى السياسي .

إن سيماء الشخصية في توحدها وعزلتها وفقدانها لعلاقات إجتماعية من أي نوع، تظهر من خلال البحث عن المرأة ، إنه بحث عن وسيط يحقق حضور الذات ، إن جسد الآخر هو أداة تحقيق الذات في عالم يعصف بالفرد ، ويطمس – في كل لحظة – هويته .

ونجد عجزا ( بالمعنى الحقيقي والمجازي ) في إقامة الحب أو ممارستة ، لذلك تسعى (الذات) إلى أن تجعل من نفسها ( موضوعا ) تتعامل معه وكأنه ( آخر ) .

فالاغتراب الذاتي هو عصب الشخصية ومفتاحها الأساسي ، ومن هنا أيضا غياب الحوار الخلاق وهيمنة ( الصوت الواحد ) . فالشخصيات في رواية ( ذات ) لا تتواصل ولا تتحدث ولكنها ( تبث ) كالآلات ، وتواجه الفتاة ( ذات ) بالمقاطعة من العالم الخارجي الذي لا يسمح بشيء ذاتي خاص .

إن روايات ( صنع الله ) هي رواية ( الصوت الواحد ) ، وهذا النمط – على حد تعبير أحد النقاد – قادر على أن يمنحنا صورة متوترة ومنفردة للحياة .

ولهذا فهي ملائمة للبعد النفسي وذلك بتركيزها على وعي الفرد في صراعه مع الجماعة أو مع نفسه ، وهي تصلح للإنسان المنكفئ على نفسه والمغترب و اللامنتمي وكل أولئك الذين يحاولون الحفاظ على فردياتهم في عالم يسحق الأفراد أو يدفعهم للانتحار أو الجنون.

ثالثا : الحدث

يحرص ( صنع الله ) على وضع الشخصيات والقراء في قلب الحدث الذي سيشكل المحور الأساسي طوال زمن السرد الروائي ، وبهذه اللعبة الفنية فإن الروائي لا يؤجل الذروة بل يقحمنا مباشرة في محور وعقدة العمل ، ويفيد هذا في تحديد السيماء الفكرية لشخوصه .

تستهل ( تلك الرائحة ) بسؤال الضابط للراوي عن عنوانه الثابت ، فيجيبه :لا أعرف. فتتحدد فورا العلاقة بين الراوي والبوليس . وفي ( نجمة أغسطس ) تبدأ الرواية بأن يستقل الراوي القطار ويفصله عن الجموع المودعة زجاج سميك ، يدخل أحد عمال القطار في سترة صفراء ، فيقف الراوي ويخاطبه قائلا 🙁 حاضر يا افندم ) . وتمثل هذه البداية تلك الخبرة المختزنة في ذاكرة الراوي إبان سجنه وطريقة استجابته للسلطة والنظام .

وفي ( اللجنة ) يصل الراوي إلى مقر اللجنة ويعثر على غرفة المقابلات في طرقة جانبية كابية اللون ، يقف أمامها عجوز تنطق ملامحه بالطمأنينة التي تغشى وجوه من يرفعون راية الاستسلام

هذه اللجنة التي ستقرر مصيره المأساوي فيما بعد .

تنتهي الروايات بخواتم تتسق والرواية الفكرية التي تسم الشخصيات التي ترفض الواقع وتذعن له فتنكفئ ( ذات ) على نفسها ولا تجد وسيلة للاحتجاج سوى البكاء في الحمام. ويحلم الراوي في ( نجمة أغسطس ) بكابوس مطاردة يفيق عليه ويعود إلى القاهرة رافضا فكرة صديقه (ذهني ) لمواصلة النضال ، وتكاد تلخص خاتمة رواية ( اللجنة ) الموقف العام الذي تنتهي إليه الشخصيات الروائية ، حيث يعيش الراوي حلم يقظة : يدين فيه اللجنة ويشعر بعدها بصفاء عقلي غريب ويقول ( ..وقع اختياري على أعمال ” سيزار فرانك ” الذي يتحول الشك عنده إلى نعمة اليقين و” كارل اورف ” الذي يتفجر بالحيوية والصراع ، و “بيتهوفن ” الذي يتغنى بالانتصار والفرح بعد الألم ، و” شوستاكوفيتش ” الذي يمزج كل هذا بالسخرية بقيت في مكاني مطمئنا ، منتشيا حتى انبلج الفجر ..عندئذ رفعت يدي المصابة وبدأت آكل نفسي .) .

إننا كقراء ندرك في رواية ( ذات ) وعن طريق الفصول التوثيقية حجم المأساة التي تنساق إليها ( ذات ) ، إنها كفتاة تنتمي إلى الشريحة الوسطى ، يداعبها حلم الثراء السريع . ولكن الحقائق الفاجعة التي ترد في الفصول التوثيقية ، ونعرفها نحن ولا تعرفها ( ذات ) تظهر حجم الدمار وعمق المأساة التي تنتظرها بل وتحيط بها .

وفي ( اللجنة ) وكلما أوغل الراوي في استعراض ثقافته الموسوعية ، فانه يكشف – دون قصد منه – عن جرائم اللجنة وتحكمها في مصائر الشعوب في الدول النامية ، مما يجعل حكم اللجنة بموته أمرا محتوما.

ولا أتفق مع ما ذهب إليه ( محمود أمين العالم ) من أن الراوي ( لم يأكل نفسه وإنما هو تعبير مجازي عن الاستسلام والهزيمة ) ،فمنطق الرواية الداخلي – بغض النظر عن لا معقولية الحدث – يقود إلى هذه النتيجة ، لاسيما وأن الرواية تقدم واقعا موازيا للحياة .

إن اندحار الشخصيات الروائية في ( ذات ) و (تلك الرائحة ) و ( نجمة أغسطس ) هو بمعنى ما انتحار فلسفي ، سواء بالهروب أوالحنين إلى الزمن المفقود أو بأكل النفس.

إن الوعي الفردي الممثل للشريحة الوسطى ، والتي تعاني انفصاما بين و(عيها) و(سلوكها )، يدفعها إلى الحنين ، اما إلى زمن ماضٍ أو زمن آتٍ ، عبر اللجؤ إلى معارضات غنائية وسط لغة تقريرية وتسجيلية ، مما يسمح بالمقارنة مع الفن الطبيعي في اعتنائه بالتفاصيل العرضية ، والتسجيل ” الفوتوغرافي ” والخضوع للشروط

والظروف المحيطة ، مما يولد إحساساً بالعبث ، ومناخاً قاهراً ومحبطاً .

ولكن ما ينقذ الرواية الواقعية الجديدة هو نجاحها في هدم العالم الوهمي والمتخيل بين الرواية والحياة الواقعية ، وإنها تضع الكتابة الروائية في تساؤل جديد ، وإنها استطاعت عبر وسائط جمالية ولغوية أن تعبر عما تريد قوله بكل مرارة القبح الذي تواجهه في الحياة، إنها صفعة لإعادة الوعي لخلق زماننا الخاص وواقعنا الحقيقي دون الارتكان إلى الذاكرة في البحث عن زمن ضائع.

مقالات ذات علاقة

بناء الحادثة في القصة القصيرة

إبتسام صفر

أساسيات التأليف في الآداب

يوسف القويري

التماسك اللغوي المكون للخطاب الحكائي عند زياد علي (الطائر الذي نسي ريشة) أنموذجا

المشرف العام

اترك تعليق