طيوب البراح

لا يزال النحسُ يطاردني

 

محمد عياد العرفي

 

 

عزف”  يطول في الطرقات.. على بعد أمتار يجلس جابر شاب يبلغ الثلاثين من عمره.. غير متزوج.. فقد مضى عليه  سنوات وهو يبحثُ عن عمل لكنه لم يوفق.. فالوقت بالنسبة لجابر هو الفراغ. أصابه اليائس  بسبب أن فرصة العمل في المدينة تحتاج للمؤهلات ومعارف اجتماعية قبل الدراسية !!فجابر درس في الجامعة وتخرج لكنه ليس من المدينة..  وأسرته تقبعُ في أحد القرى المجاورة.. معارفه لا تتجاوز زملاء الدراسة.. وعمته الوحيدة التي يعيشُ معها.. كانت دائماً تحزن عندما يرجع جابر مستثقلا  لا يتكلم.

العمة:- انشاالله خير يا جابر

جابر:- انشالله..لكن مافيش حاجة الباين..

العمة:- اصبر ياولدي..ربك أيفرجها..

جابر:- ماعنديش واسطة ياعمتي.. آه يستر الله.

أستمر هذا الوضع لمدة ثلاثة أعوام.. وجابر كما هو الحال عليه..   يقضي معظم وقته جالساً  بالقرب من الطريق السريع.. يشاهد السيارات وهي تسابق بعضها البعض.. يمر الناسُ بجانب الرصيف  يتسألون..لماذا هذا الشاب يجلس بالقرب من الطريق ؟. وكأنه يغامر بحياته.. وفي عشية يوم الخميس..تصادمت سيارتان ببعضهما البعض. فوقف جابر مذعوراً.. يصرخ يطلب النجدة !!  أقترب من الحادث.. ولم يلبث إلا دقائق  وتزاحم الناس من كل الاتجاهات. السيارة الأولى كان يقودها رجل عجوز.. تقدم نحوه جابر وفتح الباب وسارع بإخراجه ومن ثم وضعه على أرض.. لكن العجوز قد مات في ساعته.

أما بالنسبة لسيارة الأخرى..كانت سيارة أجرة (تاكسي).. تقل امرأتانِ كانتا تصرخان.. فاطمئن جابر وقال الحمد لله قد نجى من الحادث.  وقف جابر بالقرب من سيارة العجوز  يمشي ويجيء.. وفي لحظة نظر جابر للكرسي الخلفي فوجد حقيبة ملابس كبيرة الحجم ملقية أسفل الكرسي.. أحس بالفضول لمعرفة ما بداخل الحقيبة. مد يده عبر النافذة وسحب الحقيبة..  وفي أثناء ذلك وقفت سيارة بالقرب من الحادث..

 يسأل سائق السيارة:- أي خدمة يا أخ ؟

جابر:- لا  لا  شكراً.

ثم انطلقت السيارة.. لم يستطيع جابر حمل الحقيبة حاول أن يضعها على ظهره لكن لم يقدر.. فبدأ يجرها على الأرض. دخل الظلام ومازال جابر يجر الحقيبة إلى أن وصل شقة عمته.. ففتح باب الشقة ودخل.

العمة:- منو ؟ جابر

جابر:- أنا يا عمتي.

العمة:- كانك تأخرت يا ولدي

جابر:- كنت امقمعز مع صحابي وخذانا الوقت في الهدرزة.

   اقتربت العمة وهي تدفع الكرسي المتحرك بكلتا يداها..فقد أصيبت العمة قبل سنوات..عندما كانت تنظفُ المنزل..فانزلقت وتأذى نخاعها الشوكي.

نقلت إلى المستشفى.. لكن الأطباء عجزوا عن فعل أي شيء. كانت تحتاج لعملية في الخارج والعمة من ذوي الدخل المحدود.. ومنذ ذلك الحين وهي قاعدة على الكرسي المتحرك.

دخل جابر الغرفة.. ينتابه الفضول  يردد قائلا:- ماذا في الحقيبة يا ترى ؟ ماذا في الحقيبة يا ترى ؟  فوضع الحقيبة على السرير وفتحها.. شهق جابر بل كاد أن يغشى عليه مما رآه.. ألاف من الدولارات..بل مئات الألوف  أو ربما أكثر. جابر الذي كان مفلساً منذ ولادته لم يضع عشرة دنانير في جيبه واليوم يجد نفسه أمام وليمة العمر.. ناضل من أجل الحصول على وظيفة.. واليوم يجد نفسه ثرياً.. كان يرضى ببائع في السوق الخردة لو بجنيهاتٍ قليلة.. وألان يرى الكنز..هدية أعطيت له من دون جدٍ أو تعب.

جلس جابر بعد ما أغمرته البهجة و الهلوسة معاً. وفي لحظة ضرب كف يداه على جبينه.

وقال:- لكن هذا المال ليس لي.  يرد عليه قرينه الجائع:- لا يا جابر هذا لك..لا تضيع هذه الفرصة..استمتع بحياتك. يبتسم جابر ابتسامة عريض كمهرج في السيرك. ثم يتراجع عن قراره مرة أخرى. لا لا لا أستطيع أن أتصرف بهذا المال أنه ليس لي سأذهب إلى مكان وقوع الحادث.. وأنا متأكد من أن هناك من أتى بعدي..يحاول قرينه الإقناع من جديد.

– لا تذهب يا جابر إلى مكان الحادث فأنت من أخرجت العجوز ستتهم بقتله. يلتفت جابر:- كيف ؟

– لأنك إذ ذهبت ستشعر بالعاطفة نحو ما جرى وفي هذه الحالة ستتجه إلى مخفر الشرطة وتُقر بما حدث وتُسلم إليهم المال. وبناء على ذلك.. ستتهم أنك من قتلته لكي تستولي على ماله.

 فوقف جابر يهمس ما الذي يحدث لي بالضبط ؟. استعاذ من الشيطان.. وتوضأ لأداء صلاة المغرب.. ودع ربه أن ييسر له الطريق.

في الصباح الباكر أنطلق جابر نحو مستشفى الحوادث.. فسأل الاستعلامات..

جابر:- أسأل عن رجل عجوز  توفى في حادث سيارة  عشية أمس.

الاستعلامات:- اذهب لتلك الغرفة وسيخبرونك.

اتجه جابر نحو الغرفة.. وقلبه يخفق وكأنه يسأل عن أحد أقاربه.. وعند وصوله للغرفة خرجت إحدى الممرضات تتحدث مع عاملة نظافة.

الممرضة:- تعرفي الشايب الى جابوه أمس قالوا كان معاه في السيارة خمسمائة الف دولار.

عاملة النظافة:- شنو !! وين راحن.

الممرضة:- خذوهن عيال الحرام.. لكن حظه الى طاح فيهن.

عاملة النظافة:- لا يا سمية ماتقوليش هكي.

الممرضة:- مسكينة أنتِ.. الشايب ماعندش حد في هادنيا الا زوجته الى بدري جت. وطلقها من زمـــان بعد ماعرف انها عند علاقة مع واحد.

عاملة نظافة:- باهي عليش جتْ ؟

الممرضة:- جتْ بيش تلحس افلوسه.

عاملة النظافة:- يا عليك زمان شين.

الممرضة:- لكن اسمعي ايقولوا ان عندها منه عيل !!

عاملة النظافة:- معقولة وين توا هو ؟.

انطلق جابر مسرعاً نحو الشقة.. يركض تارةً , ويمشي بخطوات سريعة تارةً أخرى.. يشير بيديه كالمجنون.. وصل الشقة ودخل مسرعاً نحو غرفته.. وحدق في المال بقوة.. اشمئز من الكلام الذي سمعه في المستشفى. شعر بالتعب الشديد لم يشعر به قط..فقد كان فيما مضى فقيراً لكنه مرتاح البال.. وألان يملك المال لكن التفكير يأكل جابر  رويداً.. رويداً.

تمدد على الأرض وفرش يداه.. وبدأ  يعاتب الزمن.

–         يا زمن لماذا قسوت علي ؟ لقد أمضيتُ أياماً وشهوراً وأنا مفلس , فارغ اليدين. واليوم بعد ما جاءت الفرصة  أمامي.. أجد أني في اختبارٍ ليس بسهل.. لا يوجد لي خيار.. إذا ذهبتُ إلى المخفر سأتهم بأني أنا من قتلتُ العجوز.. وإذ احتفظتُ بالمال سيعذبني ضميري.. وستصبح حياتي شقاة ومعاناة حتى الموت. إنه ليس مالي..  ليس  من حقي أن أتصرف به.. هناك طفل هو من له الحق الكامل في هذا المال وهو الوريثُ الوحيد لهذا العجوز.  وقف من على الأرض مستعجلا. يلملم الدولارات ويضعها بداخل الحقيبة..وكأنه مسافر قد تأخر على موعد الرحلة.. فوشوش قرينه:- يا جابر على الأقل خذ بعضاً منها.. وجابر يهز برأسه لا لا.. عاود يقنعه بأمور أخرى:- تعرف يا جابر أن عمتك تتقاضى مرتب من الضمان الاجتماعي.. والمسكينة تحتاج إلى عملية جراحية.. خُذ القليل.. ثمن العملية لا أكثر. وأخيراً رضخ جابر وضعف أمام نفسه..بعد ما كان مصمماً على أن يُرجع المال لأصحابه. أخذ ثلاثة آلألف دولار..وانطلق نحو السوق ليبيع الدولارات. دخل إحدى محلات الذهب..فوقف ينتظر أن يكمل صاحب محل الذهب مع الزبائن..وعندما أصبح الدكان فارغاً..اقترب جابر وقال:- تشري دولارات

البائع:- نشري..كم عندك ؟

جابر:-  ثلاثة ألاف دولار

البائع:- كذا هات.

أخذ البائع الذهب يُقلب العملة يميناً وشمالا..ومن ثم وجه سؤال لجابر بصوتٍ جاف

البائع:- جيب الى عندك وانا نشري منك.. ونعطيك أحسن سعر في السوق.

جابر:- باهي يا حاج معندكش أي مشكلة.

أدار البائع ظهره ورفع السماعة  يتكلم بصوتٍ منخفض.. أحس جابر بأن هناك خطبا ما !!

فسأل:- كنك ماتبيش تشري خليني نسترزق علي حالي.

البائع:-  لا لا شاري منك لكن نقص على المبلغ وقاعد نتصل بصاحبي بيش يكملي باقي  المبلغ.

وفجأةً دخل رجلانِ يسألان البائع عن عقد الذهب.. والتف أحدهما على جابر ووضع معصمه على رقبة جابر وقال:- ماتحركش !!

جابر:- شنو في من أنتم ؟ اسكت ماتتكلمش..  نحن من البحث الجنائي.. ومن مدة جانا بلاغ عن عملة مزورة.

وضع جابر داخل السيارة ونقل إلى المخفر.. وبعد أسبوع أحيل إلى النيابة.. وبعد التحقيق المكثف..والبحث في سجله تبين أنه خالي من السوابق. اعترف لهم جابر بما جرى وكيف تحصل على تلك النقود المزورة.. وأبلغهم عن مكان باقي المبلغ في شقة عمته. وبسرعة  انطلق رجال الشرطة إلى شقة العمة.. وقفوا يطرقون على الباب أكثر من خمسة دقائق..ولم تفتح لهم العمة.. فكسروا باب الشقة.. ولما دخلوا اذ برائحة  نتنة تنبعثُ من داخل الشقة..  وجدوا العمة ميتة على الكرسي..  منذ فترة طويلة  فتصلوا بالطبيب الشرعي..  ومن ثم اتجهوا الي غرفة جابر وجدوا النقود على فراشه.. ورجعوا بها نحو المخفر.. في ذلك الوقت كان جابر محجوزاً في زنزانة منفردة يلف يديه على ركبتيه.. ورأسه أسفل صدره..  أصبح المسكين في حالة يرثى لها.. شعره مشتت وثيابه رثة من جراء التحقيق.. وذقنه كذقن المتسول.. يرفع رأسه بين الفينة والأخرى.. ودموعه تنساب على خده دون توقف. قدم أحد رجال الشرطة يفتح باب الزنزانة.. فعدل جابر جلسته..وقال:- هيا تعال يبك المحقق.

وقف جابر والعبرة لم تنقطع.. إلى أن وصل مكتب المحقق.

المحقق:- اجلس

جابر:- حاضر

المحقق:- يا جابر انا عندي لك خبر..وانا عارف انك شاب مؤمن بالله..

جابر:- شنو في ؟

المحقق:- عظم الله أجرك في عمتك.

قال جابر وعيناه تجحضان من هول الخبر:- كيف ؟ ومتى حدث كل هذا ؟! لقد تركتها بصحة جيدة.

المحقق:- قال لنا الطبيب الشرعي بأنها كانت بحاجة إلى عملية مستعجلة.. لكن صحتها لم تمهلها حتى إجراء العملية والاعمار بيد الله.

أجهش جابر بالبكاء وكاد يغمى عليه. فقام المحقق بتهدئته وحثه على الصبر.. وأخبره بأنه بريء وأنه بإممكانه أن يغادر المخفر بعد أن يوقع على أقاوله.

غادر جابر المخفر وهو يشعر بأن قدماه  لا تحملانه.. وبدأ يرثي عمته ويقول:- سامحيني يا عمتي.. سامحيني يا عمتي.

مقالات ذات علاقة

تبـقى الصـورة

المشرف العام

على ناصية الأمل.. هُنـاك!

المشرف العام

عصفور مهاجر

المشرف العام

اترك تعليق