المقالة

لا.. لهذا المسلسل الدموي

تتداخل الأحداث والشخصيات على المشهد السياسي الليبي، الضيق بطبيعته. ففي الأسبوع الماضي كانت مساءلة السيد مصطفى عبد الجليل عن مقـتل المرحوم اللواء عبد الفتاح يونس ، ثم كانت فاجعة الصدام المسلح أمام مديرية الأمن.

وقد نال المستشار مصطفى تعاطفا عاما، حين رفع أحـد أعـضاء المحكمة يده بعلامة النصر وسط هتاف البعض. سلوك أشبه بما كان يفعله ثوريو القذافي في مشاهد الإعدام العامة .. وإهانة لكل الليبيين والشهداء وقيم ثورة فبراير، فالأستاذ مصطفى يبقى رمزا التف حوله الوطن واعترف به العالم في أوقات صعبة، وحول إسمه وصورته تماسكت وحدتنا الوطنية. وأخيرا يكفيه شرفا أنه قام بتسليم السلطة للمؤتمر الوطني المنتخب.

زلات المستـشــار

لكن المستشار، ربما في ساعة غضب وإحساس بالخيبة، مزج القضايا وفجر قنبلة كان أجدر به ألا يمسـها، حين قال إن “مجموعة لا تريد الاستقرار لليبيا وتود حكم البلاد بمغالاة وتطرف هي وراء مقتل يونس والسفير الأميركي كريس ستيفنز والاختراقات الأمنية التي تحدث حاليا”. كلام قد يتداوله رجل الشارع، لكنه محرج للدولة لأنه صادر عن رئيس المجلس الانتقالي.

إنها زلة أخرى من زلاتـه الشهيرة، التي دفع هـو ثمنها على صعيد الرأي العام. فـقـد أثـني على رموز نظام القذافي في خطابه للمسيرة المليونية ، وشاء أن يعطي أهمية لإدانة السلام بالاحتضان. ثم في يوم التحرير، في خطاب كان يفترض أن يكون تاريخيا ويقرأه العالم كله، أعطى الأولوية لإلغاء القيود القانونية على تعدد الزوجات، فأحال الموقف إلى ما يشـبه مشهـدًا كوميديا على مسرح عادل إمام. ويوم تسليم السلطة، أبعد انتباه الحاضرين عن جلال الموقف، ليطرد مذيعة لم تكن تغطي شــعـرها ! لكنها زلات لسان، ولا تخلو من طرافة.

طبعا، أخطاء المرحلة الانتقالية، لا يتحملها مصطفى عبد الجليل وحده، فقد ابتليت حكومات ما بعد الثورة، بخصائص يصعب تفسيرها، شملت الارتباك والتردد والفساد، بل والبلادة وجـهـل فـاضـح بمتطلبات المرحلة وبمشـاعر الليبـيين، في ظروف حرجة، مما قـاد إلى المآزق التي نعيشها هذه الأيام، من انتشار السلاح ومواجـهات جهوية، وانفلات أمني.

لجنة مستشاري المستشار

ولم تكن المضاعفات الحالية بغائبة عن أذهان البعض. ومن باب إنصاف الثوار، وكإجراء وقائي لاسـتباق ما نعيشه اليوم، ناشــدت مبكرا وفي أكثر من مقال، بضرورة استيعاب الثوار وإشراكهم في السلطة. فالحروب دائما تتبعها انقسـامات وصراعات بل وموجات عنف.

وفي هذا السياق شكلت لجنة السياسات بالمجلس الوطني ما سمي بمكتب التعبئة الوطنية (برئاستي)، لكنه ولد كسيحا ودون أدنى الإمكانيات. ومع ذلك قدمنا برنامجا متكاملا لرعاية الثوار وإعادة تأهيلهم لكن أحدا لم يلتفت.

وفي ما بعد شكل الأستاذ عبد الجليل لجنة مستشارين مني شخصيا والشيخ محمد بوسدرة، والقادة الميدانيين عبد الجواد البدين ووسام بن حميد ( قرار رئيس المجلس الوطني الانتقالي رقم 4 ، الصادر في 28/12/2011). واجتمعنا مع الأستاذ مصطفى عدة مرات. وأذكر أنه في مواجـهة أي معضلة كان يجيب متسـائلا: ” قولوا لي آيـش اندير؟”.

لكن الأمـور والقرارات كانت تأخـذ مجـراها في اتجاهات أخرى، وفي كثير من الأحيان بـعـيدا عن المنطـق. من ذلك مثلا أنني قبل أكثر من عام قدمت مذكرة للأستاذ عبد الجليل بشأن إعادة نظام المحافظات (الذي كان معمولا به منذ سنة 1963) ، ونشرت مقالا بعنوان ” لنطبق نظام المحافظات .. الآن” (18 / 11 / 2011 ). لكن شيئا لم يتحـقـق.

دائــرة الدمــار

واضح الآن، أن الأمـور تـزداد تـفـاقـما وأن ما كان محض توقعات أمسى واقـعـا مؤلما، فالمنـاخ السياسي الآن أكثر تسمما، والأطراف التي كانت متعاضــدة ومكملة لبعضها إبان الثــورة، آخذة في التباعـد وراء أسـوار الشكوك والعـدوانية. وتعليق الأستاذ مصطفى عبد الجليل الأخير على الاقـتـتــال أمام مـديرية أمن بنغازي مرعب بقدر ما هـو دليل على عـمـق الغضب وفـقـدان الأعصاب وتراجـع الرويـّـة. كما يرسـم خطـًـا للمواجـهـة بين حكومة وإسلاميين. فالسلطة تصر وسـيزداد إصرارها على السيطرة على الأمور، بينما ستـشـعـر تشكيلات الثوار بأنهم مطاردون وأنـهم في مواجـهة مؤامرة. وبدوره يقـود الحـقـد إلى مزيد من التعصب والتهور والرغبة في الانتـقـام.

ألسنا جميعا أنـصــار الشريعة

كثيرا ما اعترضتُ على مصطلح الإخـوان المسلمين، في ليبيا على الأقل. فكلنا إخـوة في الدين. أما التسمية الشائعة فقد جاءتنا من مصر، حيث كان التمييز مطلوبا ، مثلا عن جمعية الشباب المسيحي. وكذلك الحال في مصطلح أنصار الشريعة. فالليبيون كلهم مسلمون، وضمنيا يحتكمون لشرع الله تعالى. فهل يعـقل أن أحـدا سيحكم بما لا يرضي الله؟ وهل يمكن أن نتخيل أحدا يزاول عملا يخرجه عن طاعة الله؟ ثم إن كثيرا من المسائل الفقهية محط الجدل هي مسائل خلافية حتى بين الفقـهـاء.

ولهذا فإن الدين ليس مصدر الصراعات المعلنة. إذن ما مصدر الخلافات؟ والشكوك؟ إنها الرؤى والمطامح السياسية!

حـقــائق ما بـعـد الثـورة

ولهـذا عـلينا أن نعـترف بالحـقــائـق الجديدة التي نشأت بعد ثورة فبراير. فالقوى التي ناضلت لإسقاط القذافي ما كان لها لتختفي فجـأة و” كل واحـد يروح لحـوشــه “، كما لو كانوا عائدين من مباراة كرة قـدم أو حفلة موسيقية. وهـذا ما قـاله بعض المسئولين للثـوار، وبســذاجة غـريبـة، قبل شـهور. وهذا ما تجسد في مسيرة إنقاذ بنغازي. وفي حينها نشرت مقالة بـعـنـوان “إنقاذ من؟” ( 23 / 9 / 2012 ) قلت فيها: ‘‘ وعلينا ألا نخدع أنفسنا بأن استبعاد مظاهر السلاح من شوارعنا، سيعني اختفاء السلاح من المجتمع. فالسلاح العشوائي مازال موجودا وبالتالي ما يزال مصدر خطر’’.

بل الأمور أكثر تـعـقـيدا. فالسلطة تصر على اســتبعـاد الثــوار من السلطة، ومثلـهـم أستبعد السجناء السياسيـون والعسكريون الذين دخلوا المعتقلات. وهذا ليس ظلما فقط، بل خـطـأ جوهـري شـاب بنية السلطة بـعـد الثـورة. وقـد كتبت مرارا عن ضرورة إشراك الثوار في الحكومة، وجعلته عنصرا أساسيا في خطـابي أمام المؤتمر الوطني إبان اختـيــار رئيس الوزراء.

أعــوان النظــام

الارتـبــاك شـاب أيضا التعامل من الإداريين ورجال الشرطة والجيش. وبـولـغ في قصة ” أزلام ” النظــام. فالأكيد أن ما ارتكب من جرائم في عهد القذافي كانت بأوامره الشخصية. هكذا كان أسلوبه في الحكم، القائم على تعليمات مفاجئة لشخص يختاره هو. ولهذا فإن عدد من شاركوا في القرار والتنفيذ، ربما لم يتجاوز بضع مئات، بعضهم قتل أو اعتقل أثناء الثورة ( في انتظـار قـرار القضـاء)، والباقي فـر إلى الخارج.

ومع ذلك يبقى بعض رجال دولة القذافي في أجهزة الدولة، ومواقفهم السلبية اليوم ليست، في اغتقــادي، بقصد عودة نظام مضى قائده إلى غير رجعة، بل نابعة من الدفاع عن مصالحهم وامتيازاتهم، وإحاطة أنفسهم بمن يأمنـون لهم. المعضلة معقدة وسيستغرق حلها سـنينا.

من جهة أخرى، الكثيرون كانوا موظفين لا أكثر ولم يجرموا جنائيا. وبعضهم لم يسـيـئـوا. ثم إن كثيرُا من جنود وضباط جيش وشرطة القذافي لم يدافعوا عنه، ومنهم من انضم إلى الثوار في صمت.

ولهـذا فإنني أرى في لجنة النزاهة رغم حسن غايات القائمين عليها، وكذلك في قـانون العزل السياسي، خرقا لمواثـيـق حقوق الإنسان، وبالتالي لا داعي لهما. والأجدى أن يسن قانون للتقاعد الاستثنائي لإخراج من كانوا في درجات إدارية على مستوى اتخاذ القرار والتنـفـيذ.

غياب الـثــقـة

هذه المواقف والعواطف كانت وراء أحداث مديرية أمن بنغازي الأخيرة، التي كشفت عن حـدة التـوتـر وعمـق الـهــوة بين جنود الدولة وجنود الثـورة.

وقد قـوبل تشكيل حكومة زيدان بكثير من الراحة والأمل .. مقارنة بكل المحاولات السابقة. والأمل يعني الثقة في أحكام وقدرات رئيسها ووزرائها.

لكنني أخشى من تسرب مشاعر التحدي إلى لهجـة وتصريحات رئيس الحكومة ووزير الداخلية. وهذا أمر خطير. لأن الخروج من المأزق الحالي لابـد أن يمـهـد له باســتعادة الثـقـة بين كل الأطراف، وهـذا لن يتحـقـق إلا بتدشين الحوار الذي ينأى عن التخوين والحس التآمري، بل ويـسـتوعب الحـقــائق الجديدة في المشهد السياسي الليبي.

وبالتأكـيــد يبقى إلغاء المظاهر المسلحة في شوارعنا، وإعادة بناء الجيش والشرطة النظامية، مطالب مشروعة، إذ لا قضاء فعال ولا إدارة ناجـعـة ولا اقتصاد نشط ولا استقرار ولا ازدهار في غياب القانون. لا يختلف على ذلك اثـنــان. إلا أن علي الحكـومـة أيضا، أن تـسـارع في تنـفـيـذ برامج إعادة إعـمار ليبيا، والمصالحة الوطنية، وتأمين حدودنا، وإنعاش الاقتصاد .. وانجاز المساكن وتوفير القروض لكي نـزرع الأمل في أفق شـبابنا.. ونقتلع أحاسيس الغبن والرغبة في الانتـقـــام.

وبدون ذلك قـد نـنـزلـق إلى الهـاوية الأفـغـانية .. مسـلسـل دموي لا نـهاية لـه، قـوامـه التفجيرات والاغتيالات المتبادلة.

بنـغــازي 23/12/2012

مقالات ذات علاقة

دعوة للقراءة

المشرف العام

معرض بورتريهات

فاطمة غندور

ينساني الزمان على سطح الجيران

مفتاح العلواني

اترك تعليق