من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
قصة

لا تقتلوا طائر الوصع

إلى روح الصديق وائل زعيتر في ذكراه..*

من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني

أسند الشيخ المهموم ظهره إلى جذع شجرة الزيتون.. الضاربة بجذورها في عمق الأرض.. التي ذبلت وسقطت ثمارها.. لتتحول إلى عفن غطى جزءاً كبيراً من رقعة الأرض المنبسطة أمامه.. وهو يراقب أحفاده كل يعبث أمامه على طريقته الخاصة..قال الشيخ.. وهو يطلق ناظريه في زرقة الأفق البعيد..

– نظفوا الأرض من هذا العفن يا أولاد. ضحك أحدهم ضحكة ناشفة متقطعة وهو يلكز أخاه في مكان قاتل قبل أن يجيب على جده.

– ما الفائدة من تنظيفها.. ونحن نبيع كل يوم جزءاً منها.. لتبق على ما هي عليه حتى نرحل أو تفتك بنا الغربان السوداء…

تمتم العجوز.. والكلمات تستقر في عقله:

– إنكم جيل مدان !!

– ماذا تقول يا جدي..؟!

– قلت إنكم جيل مدان.. وسوف لا تستقيم حولكم الجدران ولن تكون لكم نافذة تشع منها الشمس.

– إرادتنا مسلوبة يا جدي.. وهذا الاستلاب يأتي من زمن الردة والتردي…!!

… تكسرت الصورة على صفحة ذاكرة العجوز.. وهو ينظر يمنة.. ويسرة.. وبصقة طرية تتحرر من مجرى لعابه.. وابتسامة ساخرة حبلى بآثار موت بعيد تخضب محياه وهو ينفض الرداء المهترئ عن جسده.. الذي ينضح بالعرق بالرغم من أن الفصل خريفي.

… تعانق… الهمس والرسم ليشكلا بوتقة واحدة لترسم معالم لخريف رحل.. وترك من بقاياه طائراً أسود احترق الجميع بناره.. وبقيَّ طائر الوصع اليتيم.. يحاول نفخ الروح في الجثث الميتة المبعثرة.. في الأفق البعيد!!

انقلب الهمس إلى ضجيج.. والضجيج إلى صراخ.. يملأ كيانه عندما امتدت يد لتعبث في بقايا الطائر الأسود المحروق.. لتخط به عبارة قرأها في كتاب أهداه إليه شيخ القرية الوقور…

” أحصى الله ملكك.. وأنهاه” بقت العبارة فترة تزين الأفق.. وطائر الوصع يلهو بالغناء.

توقف الغناء.. وتلاشت العبارة.. وظهرت وراء الأفق البعيد خطوط لم يكتمل رسمها لمملكة بابل. أغرقت الدهشة العجوز.. وأنامله تنسخ العبارة التي حفظها عن ظهر قلب على ورق أبيض وزعه على أهل القرية… ولكن لم يستطع أحد فكَّ رموز هذا العنوان؟

… تفسخت الصورة في ذهن العجوز وهو يقفز واقفاً والرداء المهترئ ما زال يستر نصفه العلوي.. أما النصف السفلي فقد انحسر عنه الرداء فتعرى أمام بعض أحفاده الذين ضجّوا بالضحك.. من منظره المزري.. أما البعض الأخر منهم فما زال ينبش عفن الأرض…!!

استقام في وقفته.. وهو يحملق في الأفق البعيد.. كانت السماء حبلى بالغيث.. ولكن من ” يخلص وحلها”.

.. بدق الطبول.. أو رفع الأذان لصلاة الاستسقاء.. علَّ السماء تأتي بالوليد..!!

_______________________________________________________

* أحد مناضلي الثورة الفلسطينية، عمل كمسئول في مكتب المنظمة بروما، اغتيل في أوائل السبعينات من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي.

مقالات ذات علاقة

ليلة بلا عشاء

المشرف العام

ونيس…

أحمد يوسف عقيلة

خديجة وزينب

عزة المقهور

اترك تعليق