الروائي محمد الأصفر
سرد

لابد أن تقول أن البطل لا يموت

الروائي محمد الأصفر
الروائي محمد الأصفر

كانت أمي تضع على رأسي صفرة حديد مطقشة قليلا ، بها ثلاثة أرغفة وقنان ، أمشي بها ويداي مثبتتين عليها ، أحيانا أمشي بها دون أن أمسكها بيدي ، حفظ توازن ولده تكرار الأمر كل عشية ، لا أدري ماذا كانت علامة خبزتنا ، فروين وقرصة أم قرصة وفروين ، أسلم الصفرة للكواش وأنتظر مع بقية الأطفال ، لا أذكر عما كنا نتحدث زمان ، أذكر أننا كنا نضحك باستمرار .. عندما أصل إلى الحلاق بالخبزة ، أخذ القنان الصغير ، أشقه وأملأه بالزيت وطماطم الحكية والفلفل الأحمر وإن توجد طماطمة طازجة أضعها في وسطه وأضغط على جانبيه فتنفجر الطماطمة داخله ، أصعد فوق البراكة لأكل على مهل ، من رأس عبيدة أرى الشمس وقد غربت ناحية الميناء ، وأرى منارة خريبيش وقد بدأت عملها الرتيب في الومض والانطفاء وأرى كذلك القمر في السماء ، وأسمع صوت الآذان القادم من عدة مساجد قريبة في سيدي حسين والسلماني و الرويسات ، وأسمع أمي تناديني انزل يا ولد من فوق البراكة ، بوك جي ، كان أبي يعود كل مغرب من عمله في البناء بثلاثة أكياس ورقية، كيس برتقال وكيس موز وكيس تفاح ، اقول لهم لا اريد عشاء شبعت من القنان وأتناول ثلاثية الفواكه ، وأجلس قرب الفنار ، يضع أبي مساكتي البطارية على السالب والموجب ، ويفتح تلفزيون الشارب 14 بوصة ، وبعد انتهاء الرسوم المتحركة القطوس والفار يقول لي هيا خلاص انطمر في براكتك تصبح على خير ، الأطفال يتحدثون عن مسلسلات قط أسود وغيرها ، لكن أبي يسمح لي بحضور الرسوم المتحركة فقط ، وكل جمعة يعطيني 5 قروش لدخول سينما الشعبية بالسلماني بثلاثة قروش ونصف ، وبعد أن اعود يسألني عن الفيلم ، فأحكي عنه بحماس وأمي تنصت إلى من المطبخ وتبتسم ، وعموما كان أبي يحزن مثلنا عندما يعرف أن بطل الفيلم مات ، وكنا نحب الأفلام التي لا يموت فيها البطل ، وكنا نسأل بائع التذاكر هل البطل يموت أو لا .. فيقول يا بني كلنا نموت ونلح عليه ونستحلفه فيقول يموت من أول الفيلم فنقول له شكرا و ننشر الخبر بيننا وفي المدرسة والشارع والكوشة ولا ندخل الى الفيلم ، ونشتري بدلا من ذلك سندوتشات حرايمي وفاصوليا وقلايا من مطعم عبدالعظيم ، ونسمع أن بائع التذاكر قد تعرض للتوبيخ والتهديد بالطرد من صاحب السينما لأن الكراسي معظمها صارت خالية وطلبوا منه أن يقطع تذاكر ولا يحكي عن الفيلم أبدا .. الآن أحب أي فيلم يموت فيه البطل .. أحب أن يموت البطل في أي مجال .. صرت أكره البطولة .. سواء كانت حقيقية أم من ورق .. لقد ضيع البطل مستقبلنا وعلينا أن نضيع اسطورته لنستعيد أنفسنا ، لقد تم فصل قاطع التذاكر المسكين لاحقا لأنه فعلا قال الحقيقة .. البطل يموت من أول لقطة .. لابد أن تقول أن البطل لا يموت كي يدخل الحياة أو الفيلم كل الموتى .

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (13)

أبو إسحاق الغدامسي

مقبرة الأفاعي

أحمد الفيتوري

والجوبة بعيدة…

خيرية فتحي عبدالجليل

اترك تعليق