من أعمال التشكيلية سعاد اللبة
طيوب النص

لأنك تراها جيداً

من أعمال التشكيلية سعاد اللبة
من أعمال التشكيلية سعاد اللبة

في كل مرة ينهش الحزن حواف حياتك يترك لك شيئاً منه…
لم أتجاوز الأمر في البداية. كان الليل يمرر جثتي للنهار وينساني الثاني في حلق الأول جافة.. وكانت غرفتي مُشرعة على الحزن ترعاه جيداً.. لكن شيئاً قد بدأ يتسلل داخل الاشياء.
في البداية أنت فزع لا تكاد تلاحظ من وضع لك كوب الماء ومن شربه ومن كان يشعر بالعطش أصلاً.. لكن حزنك أحن عليك من كوب الماء.. حزنك يمسد جبينك بالسكينة فتغدو معتاداً هادئاً لا تخدش الوحدة.
في هدوءك هذا تتكثف الأشياء التي تراها وتشاهدها.
ففي المرة التي فتحت أمي النافذة ليهرب الحزن شاهدت القمر محصوراً بين القضبان وعرفت أن لولا العتمة لما كنا سنرى الأشياء. في العتمة رأيت نفسي أيضاً.. تعرف كيف يرى الناس أنفسهم في العتمة.. 
عاداتهم السيئة وروائحهم الكريهة..
تعلم كم أنت مثير للشفقة وكم أنت معجب بذلك. 
وفي المرة التي رتبت فيها خزانتي وجدت أحد قمصاني المفضلة أزراره واهنة فأعدت تثبيتها وتذكرت شكل الإبرة والخيط بين أيدي كل الجميلات اللواتي رأيتهن في حياتي وخطر ببالي أن حركة الإبرة والخيط شِعر يُغرق نفسه في العتمة لكنه لا ينفك عن ترك أثر..
ثابت مستقيم.. أعوج مائل..
كلها تكسو الوحدة.
أنني اليوم أتدرب على الاعتياد على كل ما لا أطيقه. 
أتدرب على المشي إلى العمل كل يوم وأنا حزينة دون أن أمتعض.. أتقبل هذه النظرة التي تُعري حزني في المرآة وهذه الخطوط حول عيناي التي ما عادت تذكر من أي فرح نجت.. أتناول إفطاري بأقل درجة من الرغبة دون أن يسبب لي ذلك مشكلة.. وأتذكر كم أحب المقاهي وأن لا مقاه لي هنا دون أن أستاء.. 
ستتعلم الكثير وستصبح الكثير حين يخبو الحزن وتقف وجهاً لوجه أنت وتهويداتك الفاشلة.. ستكتشف إمكانات أخرى في نظرتك للأشياء.. أنت تعلم كيف يؤطر الحزن الأشياء وينتزعها من سياقها المزيف الواقف على رجل واهية وأخرى مبتورة من الحياة.. أنه غير الفرح.. 
في الفرح كل الأشياء كل المشاهد عابرة وأنت تحبها لأنك فرح على كل حال.. 
أما في الحزن
أنت تحب الأشياء لأنك تراها جيداً.. 
تفرك أسنانك وأنت فرح.. ما الذي ستراه؟ ما الذي سيرتبط بتلك اللحظة المكررة آلاف المرات في آلاف الحمامات؟
تفرك أسنانك وأنت حزين.. تراقب وجهك جيداً وحركة يدك المتشبثة باللحظة خوفاً أن تفلت من دور الحي الذي تلعبه.. صوت الفرشاة تداعب أسنانك الخلفية يستحيل ضحكات قديمة.. ترفع لسانك.. ترى العروق الصغيرة 
صغيرة تشبه الزعفران
صغيرة لا تخدشها الفرشاة 
صغيرة لا يخدشها حزنك.
في الحزن أنت تحب الأشياء 
لأنك تراها جيداً.

____________________
نوفمبر / 2018

مقالات ذات علاقة

أتحسس كتفي

ميسون صالح

لا يهم من يحكم!!!

رضا محمد جبران

جـنَّة القـصـيدِ

جمعة الفاخري

اترك تعليق