المقالة

كُوْشةُ الشِّيب، وَعَشرةُ العِتقِ مِن النَّار!!!

من أعمال التشكيلي عوض اعبيدة (الصورة: عن الشبكة)

ونحن في أحلام وبراءة الطفولة، نطاول السماء، منذ أن تتفتح الأزهار في مزرعتنا، ويتنفس الصباح، ويؤذن الديك بإشراقة يوم جديد، تتفتح عيوننا ثم نمضي لنسبح في فضاء حياتنا اليومية التي لا نملها، حتى نمسك بنجوم القايلة، وشمس الأصيل وحمرة الشفق، من كثرة المغريات فيها، نُطل على بئر سانية عقيل، ونستنشق عبق مردومة الحاج خليفة الشريف رحمه الله، ونسرح ونمرح ونلهو ونلعب، بلا كلل، فالكل في بيتنا وفي منطقتنا من أمهاتنا ونساء الجيران قد أرهقهن الصوم، وبدأن الاستباق والاستعداد لتوديع الشهر الكريم، شهر رمضان خير الأشهر إطلاقا؛ فأوله رحمة، ووسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.

في هذه الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل تمارس علينا دروس الطاعة والبر، وطقوس الحرق ولفح النار، وهو أمر عجيب حقا، فهذه الأيام هي عشرة العتق من النار، ولكننا وجدنا أنفسنا في لهب النار ولفحها، أي نار الدنيا، في كوشة عمي محمد الشيب رحمه الله، التي تقع على ناصية شارعنا.

والكوشة حسب المتعارف عليه في مجتمعنا الليبي هي الفرن، ومنصة العروسة، وبعدها تستنفر جدتي رحمها الله، أمي وأخواتي حفظهن الله، للقيام بواجب استقبال العيد، فتشمر كل واحدة منهن ساعد الجد، للقيام بما في وسعها من واجبات المطبخ، ووجبة الإفطار، مع تجهيز وإعداد عجائن الحلويات التي تتنوع ما بين: المقروض، والغريبة، والكعك الحلو، والكعك المالح، وزمالة القاضي، والبكلاوة، والوريدة، والدبلة، فأغلب الحلويات بيتية، ولا يعتد بما يحضرونه من محال الحلويات على ندرتها، فلا يوجد في منطقتنا حينها إلا محلات التريكي للحلويات ولم تصمد كثيرا، وجاءت بعدها محلات الساحل للحلويات لصديقي ورفيق الطفولة الحاج الطاهر إدريز، فتجهز جدتي وأمي كل تلك الحلويات المذكورة، ويتم وضعها في السُّفرة، وتوضع علامات لتميزها عن سُفَرِ الجيران، في كوشة الشيب، بوضع اسم العائلة على كاغد تارة، أو وضع قطع من العجائن بشكل أصغر، وحين وقت النداء علينا، أنا وإخوتي، وربما بعض أولاد الجيران، لتوصيل تلك الحلويات، فنخرج بها أسرابا، وقد وضعنا السُّفر الواسعة على رؤوسنا، بقاماتنا القصيرة، فنمضي بسلام في طريقنا ونتوجس خيفة ذهابا وإيابا، لنأمن من العقوبة التي قد تحل بنا، ونتجنب الخطر، حيث نخرج ونتجاوز بيوت الجيران، الدالي والشريف وعائلة امبارك، ثم نخفف الخطو قرب بيت صاحب الكوشة، ونحن بين نارين، خوف ملاحقة كلبهم (لاسي) وخشية وقوع تلك السفر التي نحملها على رؤوسنا، فنسلم تارة، ونطارد مرات.

ثم يأتي موعد نضج تلك الحلويات، وبدأت الآفاق تظلم شيئا فشيئا، وهنا تبدأ الحذلقة كيف تتخطى الشباب الواقفين على قارعة الطريق، حيث يتم مصادرة كل ما تطاله أيدي أولئك الشباب من الحلويات، ولا طاقة لنا بهم، ويبرد حر تلك الصفر التي ألهبت رؤوسنا، بعض كلمات الشباب التي بدأت تترد: الحاجة ربي يعطيها الصحة، سلم عليها وقل لها كل عام وأنت حية، فعندما أصل إلى البيت فأخبر بما حملته من أقوال أولاد شارعنا تتلطف جدتي رحمها وتقول قولتها المشهورة: (عاطي بلا منة ذوقني وانذوق منه.

رحم الله جدتي وحفظ كل من ورث عنها ذلك الموروث الطيب وعوائد الأعياد أمي وأخواتي، وحفظ بلادنا من وابل القذائف والرصاص، وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار.

11 / 5 / 2020

مقالات ذات علاقة

قصة قصيرة ولوحة سريالية!

أحمد الفيتوري

إلى قيس الهلالي

فاطمة غندور

مذكرات امرأة عمياء

المشرف العام

اترك تعليق