قصة

كي الكلاب المسعورة

طاف صوت المؤذن في سمعه فنشله لحظة من هوة النوم الغامض، الذي راح يزيح في إصرار سلطانه الثقيل الذي جثم على وعيه، حاول أن يشرع أجفانه، بوابة بصره، وصوت مُلح في عقل يحثه على إدراك الصلاة قبل أن تتسلل شمس النهار إلى الكون. كما هي العادة، بدأ يخلق لنفسه الأعذار. عمله مضنٍ ومرهق، يكبل بالتعب عينيه وجسمه، والعمل نفسه عبادة. العمر لا زال في أوله، ولازال هناك متسع للعبادة والتكفير عن الذنوب حينما تتحسن أحواله المادية ويجد الوقت الكافي  للتقرب من الرب. فقال وهو يعانق مخدته بقوة، ويخنق صوت عقله:

– يوم الجحيم ربك رحيم !

صعقه صوت المنبه عند التاسعة، وكأنه يعاقبه، فأنتفض تحت الغطاء يفرك عينيه ويتأفف. شعر بضيق في صدره، فشرع النافذة يملأ رئتيه بالهواء ويزفر ببطء عدة مرات، ومع ذلك ظل شيء من الكدر عالقاً بصدره.

أبريق القهوة على النار. اليوم الجمعة، ومع ذلك فبرنامجه اليومي مزدحم إلى أبعد الحدود. سيمر على السوق ليتتبع آخر الأخبار، سيقابل فلان، ليكفله للحصول على سلفة يزيد بها رأس ماله. سيشرف على شحن بضاعة بيعت بالأمس، سيحدث والدته بالهاتف، لا لا هذه يمكن تأجيلها، فهي بالتأكيد ستذرف الدموع ويصله نحيبها عبر الهاتف لغيابه الطويل رغم أن مدينة واحدة تجمعهما في السُكنى، وستكون قصة لها بداية وليس لها نهاية، سيخطط لزيارتها الأسبوع القادم، ماذا أيضاً؟ سيتبرع بجزء من ماله لدار الرعاية الاجتماعية،  ولكن اليوم جمعة، وربما لن يجد أحد من الموظفين، سيؤجل ذلك أيضاً كما فعل مراراً، و…و….

فارت القهوة واندلقت على النار فأطفأتها، أحرقت خياشيمه رائحة القهوة والغاز، فأدار المفتاح ليمنع التسرب، ملأ فنجانه وقصد حجرة المعيشة، أدار جهاز الإذاعة المرئية، وراح يتجول بين المحطات في عُجالة، جذبته صورة مظاهرة ساخطة، فأنتبه لها بكل حواسه، فخبرته التي ليست بالطويلة في عالم الاقتصاد، علمته أن مثل هذه الأحداث لها مردود إيجابي على جيوب السماسرة، وخاصة الصغار مثله.

الجماهير متشحة بالغضب، غضب لم ير له مثيل من قبل، لافتات كثيرة، لم يستطع تمييز الكلمات التي سُطرت عليها، بالكاد قرأ (إلا رسول الله… نفديك بأرواحنا يا رسول الله ). عصفت به موجة من الحيرة، ما الذي حدث، هل عاد الزمن إلى صدر الإسلام؟! أم أنه لا زال يغط في النوم وعقله الباطن يخلط ما بين العصور؟! ما الذي مس رسول الله وهو في جوار ربه منذ قرون؟!…على أية حال، سينتظر الأخبار ليفهم. عاد يتجول بين المحطات، فعثر على أطراف الخبر:

– اجتاحت المظاهرات الصاخبة جميع المدن الإسلامية إحتجاجاً على الرسوم المشينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

تساءل في حيرة:

– رسوم مشينة لرسول الله؟!..كيف؟!..ومتى؟!..ومن فعل ذلك؟!… ولماذا؟!…وأين؟!

بعثرته الأسئلة فاستغاث بحاسوبه، فتح على شبكة المعلومات (الإنترنت) وهناك أتضحت له الصورة. شعر بغضب يعتمر نفسه، وحسرة يعتصرها شعور بالعجز، وأسف وتعجب كبيرين،وتساءل وهو يشعر برغبة في البكاء:

– لماذا هذه الموجة الحاقدة التي ما تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد؟!!

قرقعت في أذنيه سيوف الحملات الصليبية المتتابعة، وارتسمت في مخيلته مؤلفات لامانس(1) وجولدتسيهر(2) ومرجليوث(3) وزويمر(4) وغيرهم من الحاقدين على الإسلام ورسوله. تملكه غضب عارم، وأحس بضرورة الرد. ولكن ما الذي يستطيع شخص عادي مثله،….هل سيقاطع البضائع الدنماركية بل والغربية على وجه العموم؟ لا لا سيحمل قلماً ويعري وجه المسيحية، فهو قد كان باحثاً جيداً في الجامعة، ولم يغير مساره نحو السمسرة سوى ضياع التعيين والحاجة، سيسب ديانتهم ونبيهم كما فعلوا هم.

– ولكن ذلك في شريعتنا ذنب كبير.

صاح صوت الضمير. ربما الأفضل أن يقوم بعمل مسلح ضد إحدى المنشآت المسيحية التي تملأ فراغنا السياسي العربي، وما أسهل أن تفعل ذلك في هذه الأيام ما دام الممول هو الغرب.

– ولكن ذلك سيزيد الطين بلة.

همس لنفسه، وهو يضغط أصابعه بعصبية.

أحس أنه بطريقة ما السبب في كل ما حدث، وأنه هو الذي سمح لكل هؤلاء بالتطاول على الإسلام ونبيه. رن هاتفه النقال، كان المتصل كفيل السلفة، سيخسره إن لم يجب. فكر قليلاً وقرر أن يتجاهله. نظر إلى ساعته فوجدها تقترب من الثانية عشر  ظهراً، أغلق الحاسوب، ثم عبث بأرقام الهاتف النقال، وضعه على أذنيه، واستجاب للصوت الحنون عبر الطرف الأخر:

– السلام عليكم يا أحلى أم.

– ………

– سامحيني يا الغالية!

– ……..

– عندي لك مفاجئة.

– ……..

– احسبيني في غداءك…سأطير إلى ذراعاك بعد صلاة الظهر

ثم توضأ للصلاة، وحمل مسبحته وأتجه إلى المسجد.

_____________

1- هنري لامنس اليسوعي: راهب فرنسي، كان شديد التعصب والحقد على الإسلام، ومفرط إلى أبعد الحدود في إدعائاته وإفترائاته لدرجة أقلقت الغرب نفسه

2- مستشرق مجري، كان أيضاً من المتعصبين ضد الإسلام، مؤلفاته مملوءة بالتحريف والتزييف، من محرري دائرة المعارف الإسلامية، أهم كتبه ( تاريخ مذاهب التفسير الإسلامي)

3- مستشرق بريطاني كان أيضاً ممن هاجموا الإسلام ونبيه، ترأس تحرير مجلة الجمعية الملكية الآسيوية، أشهر كتبه ( محمد ونهضة الإسلام )

4- مبشر ومستشرق أمريكي، أشتهر بعدائه الشديد للإسلام ومؤسسة مجلة العالم الإسلامي التي رسالتها شن الحرب ضد الإسلام

مقالات ذات علاقة

قـلـــــــــــق

زكري العزابي

بائعة الورد

عزة المقهور

زهرة الرِيْنش

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق