قراءات

كيمياء (الضد) لإبراهيم عثمونة

لأن كلمة (ضد) تعني في قواميس اللغة (العكس) أو (الخلاف) كان لابد من تحري معايير نقد خلاف ما هو قائم للبحث عما اشتملت عليه رواية (ضد) للأديب إبراهيم عثمونة، ذلك لأن سبر أغوارها حسب المعايير التقليدية يعد إجحافاً لما انطوت عليه من التجديد والابتكار، وإجهاضاً لمشروع الرواية الناهضة التي تتلمس طريقها نحو الحداثة وكسر النمطية.

غلاف كتاب_ضد

عند أول كلمة في السطر الأول من الصفحة الأولى من رواية (ضد)، يفاجئك الكاتب بالحقيقة لتشعر كأن تياراً كهربائياً يلسعك بلطف ويقول لك: أين خريطتك؟ فتبحث حولك وفي نفسك وفي أعماق قلبك عن ذلك المفتاح للغز الفكرة العميقة، فكرة (الخريطة)، حين لا تجد شيئاً تشعر بالخوف، ويستولي عليك القلق فتسلم قيادك طائعاً للسارد، تتلمس طريقك بحثاً عن خريطتك، فهو يقنعك بسلاسة أنه: “حتى الدواب تحمل في داخلها خريطة ترشدها إلى مرابعها ولا يمكن تصور حياة صحية وصحيحة ما لم تحددها خريطة، بل أن كل المخلوقات من أرقاها الذي هو الإنسان إلى أدناها التي هي (القملة) جميعهم ولدوا وقذفوا لهذه الحياة وفي داخلهم وجدان صغير لخريطة”.

هنا يزداد إلحاح الحاجة لوجود تلك الخريطة ويتأكد السارد أنك استسلمت تماماً وسرت وراءه مغمض العينين، فيفاجئك بآلية جديدة لإنتاج المعنى تعتمد على الأخيلة والمفارقات اللامنطقية ويلقمك بين الحين والآخر بجرعة من مخدر خفيّ يلهيك عن التفكير بأثر الصدمة التي ستأتي لاحقاً، فيصبح الغريب مألوفاً والمستحيل ممكناً، فهو وإن لم يستخدم نمط الأساطير المعروفة في عالم الميثيلوجيا ولكنه صنع أسطورته الخاصة، أسطورة غير مألوفة تمازجت فيها الواقعية مع الخيال وألقى عليها أثواب الحيلة اللغوية وصنع لها مسارات سردية تتقاطع في جوانب عديدة مع شخصيته فتلح عليك إمكانية التصديق، فلا تستطيع أن تميز الشعرة الرفيعة التي تفصل بين الواقع والأسطورة والمنطق والاستحالة، فإذا تمعنت النظر في الميثيلوجيا الأغريقية تجد أن لذة االإمتاع تكمن في تخييل المستحيل ولكن في ميثيلوجيا الضد فإن اللذة تكمن في تصديق المستحيل.

وتجدر الإشارة إلى أن الكاتب لم يعتمد على سحر البيان في بسط الفكرة، إذْ أن لغته كانت بسيطة يستخرج بعض مفرداتها من قمقم بيئة مدن الجنوب، مجردة من التفخيم والتأطير والتزويق، بل أنه في مواقع كثيرة خانته قواعد النحو والصرف، وتخلت عنه البلاغة لكنه أبحر في متن النص معتمداً على سياسة النفس الطويل حيث يفتت المشاهدات إلى أبسط جزئياتها ثم يعيد ترتيبها وتحويرها لتتخلق في كل مرة بصورة أكثر دهشة وإمتاعاً يدعمه في ذلك رهافة الحس وصدق المعاناة ودقة التصوير في غير تبجيل ولا تنميق ولا إسفاف.

وبالعودة إلى فكرة الرواية، حيث يتفاجأ البطل (مسعود) القادم من مدينة سمنو في أقصى الجنوب الليبي- بأن خريطته قد تمت سرقتها وتعليقها مقلوبة على جدار السراي الحمراء في قلب العاصمة طرابلس، يحاول استرجاع الخريطة أو تعديل وضعها المقلوب، ذلك لأن كل من سينظر إليها سيتعرض للعنة الانقلاب بل ستطال تلك اللعنة كل البيئة والتضاريس والتاريخ والقواعد الاجتماعية. عندما يفشل في إنقاذ الخريطة وبعد أن تعرض للتعذيب وأُلقىَ بجسده في النار- تحدث أولى بواكير الانقلاب على المنطق، حيث يخرج الجسد من النار سليماً ويذهب في حال سبيله، يلاحقك استفهام مبدئي حول الطفرة الخيالية ولكنك ستتجاوزها مؤجِّلاً الاستيعاب إلى وقت لاحق وهنا يحقق السارد نصره الأولىّ في تخديرك الذي سيتقبل بقية الانقلابات كنتيجة حتمية لقبول الطفرة الأولى.

يعود البطل إلى سمنو مستقلاً حافلة ركاب يقطع بها مسافات طويلة ويقف في محطات عديدة، محطات جغرافية ونفسية وعاطفية، لكنه يتفاجأ بوجود ظله الذي انسلخ عنه في طفرة سالفة، قد تجسد في شخص جديد اسمه (مسعود بن مسعود) يجاوره في مقعد الباص ويشاركه الفكرة والوجدان والإحساس، ويتخاطر معه عن بعد لينقل له مشاعر اللذة والألم والاستياء والمرارة والحب والموت.

داخل الباص، يدرك الراوي أنك كقاريء مثل أي راكب أعيَتْهُ دروب الحمادة وصدّعته شمس الصحراء ودوّخته رائحة الوقود، فيتقمصك ويقذف بك في مساحة يحددها لك ويملي عليك قوانينه فتستسلم تحت تأثير دوار السفر. وتتقبل فكرته بأن الخريطة المقلوبة على جدار السراي الحمراء تجعل الحياة  في ليبيا تسير بشكل مقلوب ومخالف للقوانين والنواميس الطبيعية، فكل من شاهد الخريطة المقلوبة المعلقة على جدار السراي يوم الحفل العظيم، سوف ينقلب إلى (الضد) حيث ستنقلب أعضاء جسده وقد يسير على رأسه لتكون قدماه في الأعلى في مشهد ممسوخ يشترك فيه أولئك المنقلبون الذين شملتهم لعنة مشاهدة الخريطة، بل أن البيوت والتضاريس ستنقلب أيضا، و”مجرى السيل الذي كان يدفع مياهه من المنبع إلى المصب سوف يعود نادماً على كل ما فعله دافعاً الماء أمامه من المصب إلى المنبع”.  وهنا تبرز زوايا الرمزية وتتجسد معاناة المواطن الذي انسحق تحت تأثير (الانقلاب) في جميع أحواله، فهو لابد أن يغير ذاته وتفاصيله ووجدانه وخريطته الداخلية حتى يستطيع أن يتعايش مع الخريطة المقلوبة: أي لابد أن يتحول إلى الضد.

وفي خضم هذه المعاناة تتولد تفاعلات بين أصناف البشر الذين يتحورون إلى سلالات جديدة، بعضها مقلوب الأطراف وبعضها مقلوب القلب والضمير، وفي سخرية يصوّر نمط الصراعات البشرية وكيف ستقاتل الفئة التي تمشى على أقدامها ورأسها إلى أعلى مع تلك التي تمشى على رأسها وأقدامها إلى الأعلى ولمن ستكون الغلبة وفق الصراع الجديد. وبين هذا وذاك تلوح مشاعر حب دافئة لامرأة تحمل معنى الوطن والأمومة والدفء والجمال الفياض فيعلنها محبوبته ومحبوبة ظله المنسلخ عنه ومحبوبة الجميع، ويصور ضحكتها بأنها سر اختراع المهرجانات فابتسامتها: “لم تكن ابتسامة بل كانت مهرجانا، ما كنت أحسب أن من اخترع المهرجانات أول مرة كان قد استوحى فكرته من الابتسامة، لابد أن لمخترع المهرجانات معشوقة كـ (ليلي) ولابد أنه في لحظة وَجْدٍ قد خطرت على باله أن يقيم مهرجاناً وطنياً لا يقل روعة عن ابتسامة معشوقته، وكدت اسمع موسيقى مهرجانها، وأرى الأطفال يلعبون على صفحة خدها وأرى ألعاب الزينة تلمع في نظراتها”.

عثمونة الذي ينطلق من خلفية علمية أساسها علم الكيمياء استطاع توظيف قوى الترابط بين جزئيات النص تماما كما ترتبط مكونات الذرّة وكلما زادت الجسيمات زادت قوى الربط بينها، وهذا مخالف للنمط الروائي الخطي الذي تضعف روابطه باتساع مكوناته، وقياسا على قوى الجذب بين جسيمات النواة، التي تحولها إلى عنصر آخر عند تسليط المعجّلات عليها، فإن هيئة البشر وشكل التضاريس ومجرى السيل وطابور الأيام ورغوة الصابون على البلاط، جميعها سوف تتحول إلى ضد عند تسليط (معجّل) الخريطة عليها، والتركيز على جوهر الفكرة سيحولها إلى فكرة أخرى أكثر استقراراً واكتمالاً. فالمرأة المعشوقة قد تكون هي نفسها الفكرة الحسناء التي قلبوها على الجدار، و(مسعود بن مسعود) الكيان المستقل الذي يتنفس ويتحرك كان مجرد ظل انسلخ من تحت قدمي صاحبه، كما أن: “كل البشر الذين يمشون على الأرض هم مجرد أفكار نفخ فيها الله لتتجسد على هيئة بشر تمشى على الأرض”.

______________________

نشرت بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

الحُلم في “زَهرةِ الرِّيح”

يونس شعبان الفنادي

ليبيان يترجمان «ضلع الإنسانية الأعوج»

محمد الأصفر

اللغة والسؤال والعذوبة المحكية في شاعرية محمد الدنقلي(*)

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق