المقالة

كيف تخلق الثورة أدبها ؟

قراءة في توقعات ثورة 17 فبراير أدبياً 

إهداء / (إلى شهداء ثورة 17 فبراير)

إنني انطلق في هذا المقال من حقيقة مفادها أن الأدب كان ولا يزال دائماً أداة يعبر بها المجتمع ــ أي مجتمع ــ عن نفسه ويدّخر فيها تجربته ويسطر من خلالها معاناته، لأن الأدب كان دائماً أقدر وسيلة على التعبير وأنجح أداة لحفظ كيان ومعتقد وتجارب أي مجتمع على مر السنين والحقب، ونقلها بشكل فيه الكثير من المصداقية والتوثيق والتأثير.

ولأن حركة التاريخ تسجل دوماً عبر الإبداع الذي يمكّن لها من البقاء والاستمرار والتأثير في الأجيال اللاحقة، ولأن التاريخ أظهر لنا بما لا يدع مجالاً للشك من أن تاريخ الأمم والشعوب ينتقل من مرحلة إلى أخرى بتأثيرات عديدة لعل من أهمها التغير الاجتماعي الذي يكون في الكثير من الأحيان عبر الثورات الشعبية التي يكون أثرها كبيراً، ونتائجها عظيمة على المجتمع، بسبب أنها تنقل الناس من مرحلة غبن وقهر وتسلط وعبودية، لفترات قد تقصر أو تطول، إلى براحات مفتوحة وواسعة من الحرية التي قد تبدأ أحياناً بالحريات المطلقة التي تقنن في حينها أو بعد مرور أوقات قصيرة بسبب النضج الشعبي والوعي الذي يسمح للثورة من أن تصحح مسارها في وقت قياسي.

ما حدث في ليبيا هو حالة ليست مختلفة كثيراً عن غيرها مما حدثنا عنه التاريخ، ولكنها مختلفة عن غيرها في محطات مهمة منها: أنها تأخرت لأكثر من أربعين سنة، وأنها وُجهت بقوة نارية غير متصورة، وأنها تمكنت من الانتشار الأفقي بشكل محبوس، وأنها لاقت خموداً من الدعم العربي المجاور، وأنها اعتمدت على الوحدة الوطنية التي لازمتها منذ البداية، فوق أنها حُوربت بالإضافة إلى كل ذلك بحرب إعلامية ضروس من النظام القائم، الذي استخدم كل وسائل التكذيب والتزوير وقلب الحقائق ونجح في ذلك لفترة طويلة، كل ذلك ووفق القياسات المتوقعة أنها أسباب ستوقفها وتثبط من عزمها، بل وقد تنهيها في مهدها، إلا أن كل ذلك زاد من لهيب هذه الثورة، ومكّنها من أن تنتصر في وقت قياسي، مقارنة بما كان يملك القذافي من قوة عسكرية ضاربة، ومن التفاف عدد من الأزلام الذين كانوا يؤثرون في تركيبة المجتمع التي كونها بشكل قبلي، وبما امتلكه من تأثير سياسي دولي على العديد من الأنظمة في العالم، سواء في العالم العربي، أو إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، وبما تمكن من شراء ذمم قادتها ورؤسائها وزعمائها وقادة أحزابها وملوكها الأقزام الذين يتوزعون في بلدان إفريقيا هنا وهناك.

ما حدث في ثورة 17 فبراير في ليبيا هو تحول تاريخي قسّم تاريخ ليبيا شطرين، أحدهما باد وانتهى بكل تجاربه، والآخر انتفض وقام يعلن عن ذاته بكل أشكال التعبير، وهو سينتج بذلك أدباً يحمل بَصْمَتِهِ، باعتبار أن الأدب ظاهرة إنسانية يستتبع المجتمعات في كل متغيراتها التي تحدثها، ولأن أي مجتمع إنساني يمارس تجربة الحرب ويكتوي بنارها ويتشرب مرارتها فإنه لابد وأن يخلق أدباً عاكساً لهذه التجربة، متمثلاً أحداثها في صور إبداعية تتشكل وفق رؤى كتّابها وأدبائها، ويتعاظم هذا الأدب تناظرياً مع كِبر الأزمة وطول مداها، فهو يعظم بها ويرتقي بسببها، ذلك لأن أي تجربة عسكرية (ثورة مسلحة أو حرب تحررية) هي عبارة عن برزخ يفصل بين عالمين في تاريخ أي البلد، وأي ثورة، يفصل ما قبل الثورة، وما بعدها، وأن الحروب أو الثورات تشكل أحداثها مراحل مفصلية لأي أدب إنساني.

وما نعرفه دائماً عبر تاريخ الأمم قديمها وحديثها، أن نهايات الثورات أو الحروب تعد بدايات لمراحل أدبية جديدة تعكس الحالة التي تم الانتقال إليها، وتعطي زخمها، وتصبغ أثرها، تختلف بالطبيعة عن ما قبلها، بمعنى أن نهايات أنظمة ما هي في الحقيقة إلا نقاط تحول نحو بدايات لأنظمة أخرى جديدة ومختلفة عن سابقتها، وكل هذا ليس ظاهرة عربية، أو هي شكل من أشكال التغيير الجغرافي المحدود، إنما هي ظاهرة عالمية، يتضح ذلك جلياً لكل من اطلع على بعض أشكال وصنوف الآداب العالمية ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وما سبق الحرب الأهلية الاسبانية على سبيل المثال وما لحقها، وعربياً نرى ذلك جلياً في حقبة ما قبل ثورة 23 يوليو وما بعدها، وتتكرر المسألة ثانياً في مصر ما قبل حرب (6) أكتوبر وما بعدها، وهي ماثلة الآن في مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير وما بعدها، ونظن أن ذلك سيماثل التاريخ تماماً في ما حدث في ثورة الشعب التونسي على جلاده، وربما بعض الباحثين يقومون الآن بدراسة تطور حركة الإبداع الأدبي في تونس التي لا نعتقد أنها ستخالف المألوف عربياً وعالمياً.

وإنني أجزم يقيناً من أن براحات الحرية الواسعة التي خلقتها ثورة 17 فبراير في ليبيا ستعلن عن إبداع كان مكتوماً طيلة اثنين وأربعين عاماً، محبوساً، مكلوماً، أدباً يطال كل أصناف الإبداع من شعر وقصة وأقصوصة ورواية ومسرحية وتمثيلية بل وحتى مثلاً شعبياً سيتولد مع هذا الانتصار الذي بُني على أرواح أكثر من ثلاثين ألف شهيد روّوا بدمائهم الزكية نهر الحرية الذي سيسقي أرض ليبيا إلى أبد الآبدين، ويجعلها جنة الأرض التي لا ولن يطالها أي شكل من أشكال الاستعباد.

مقالات ذات علاقة

مصلحة الكل تكمن في مصلحة الكل ولا تكمن في مصلحة الجزء بالأساس

علي بوخريص

ما أفسد العطار

منصور أبوشناف

حتى لا نظلم الوطن بالانتخابات

محمد محمد المفتي

اترك تعليق