المقالة

كومبرادور

كان مصطلح “الكمبرادور” قد احتل حيزًا كبيرًا في السجال السياسي والثقافي العربي خلال النصف الأخير من القرن العشرين، وهو يعني “التابع تمامًا لقوى الاستعمار، سواء كان اقتصاديًا أو سياسيًا أو ثقافيًا” أي أنه يطلق على القوة التي تتبع وتنفذ برامج الدول الاستعمارية في المنطقة والعالم.

مقابل هذا كان مصطلح “الوطني أو القومي” أي المعادي للتبعية والعامل من أجل تحقيق الاستقلال في كل المجالات والانفصال الحضاري عن دول الاستعمار القديم والجديد.
اختزل “الكمبرادور” في الممالك والإمارات وبعض الجمهوريات العربية التي كانت تعادي المد القومي في ذلك الوقت وترتبط بعلاقات وثيقة وقوية مع الغرب، إلى جانب بعض الحركات المعارضة وأبرزها الأخوان المسلمون، وتولت قيادة هذا الكمبرادور المملكة السعودية بهدوء ودونما ضجيج.
أما التيار الآخر فتم اختزاله في عبدالناصر والفكر القومي الذي كان الأعلى صوتًا والأكثر شعبية وانتشارًا بين الناس، في تلك المرحلة، والذي وظف قضية فلسطين ومساندة دول الاستعمار القديم لإسرائيل وكذلك أحلام الفقراء بالعدالة الاجتماعية لصالحه واستطاع أن يخنق ممالك “الكمبرادور” داخل قصورها ويستولي منها على عقول وقلوب الناس من المحيط إلى الخليج، كما كان يقال في تلك الأثناء.
كان تيار عبدالناصر يبدو تيار الأمل والمستقبل، بينما تظهر دول الكمبرادور ممالكًا للتخلف والجهل واستطاعت ماكينة الإعلام والثقافة لهذا التيار أن تقنع الجميع بهذا، وبالتأكيد كان الواقع السياسي والثقافي في تلك الممالك مساعدًا كبيرًا لتيار عبدالناصر في ترسيخ تلك القناعة، فيكفي القول أن المرأة محرومة من التعليم وأن الموسيقى لاتكاد تسمع وأن المسرح والسينما والأفكار الحديثة ممنوعة ومحرمة في غالبية تلك الممالك وأن الشعب لاصوت له، وأنهم ضد تحرير فلسطين وعلى اتصال بإسرائيل وينسقون معها، كل هذا خنق الكمبرادور شعبيًا وجعله منخفض الصوت خائفًا وذليلاً كما يظهر.

كانت ممالك وإمارات الكمبرادور تعمل بهدوء عجيب وببرود يحسدها عليه الإنجليز وتهادن التيار الناصري على نحو ظاهر وتؤسس لبنة لبنة لمشروعها يساندها فيه ثروات النفط والدعم العسكري والسياسي الغربي.
كانت هزيمة 67 بداية انتصار هذا الكمبرادور ودحضًا واضحًا لكل حجج التيار الناصري، فكل ما بنى عليه عبدالناصر نظامه وثقافته من أركان انهارت في ستة أيام “ليرتاح رب إسرائيل في اليوم السابع” ويتنفس الكمبرادور العربي الصعداء بعد عقود من الخنق الناصري له.
بدأ تراجع تيار عبدالناصر بين كل شعوب المنطقة وبدأت أناشيده وخطبه التي كانت تلهب مشاعر الملايين تثير سخرية تلك الشعوب، ليخرج الكمبرادور من قمقمه ويشرع في احتلال كل المواقع التي كان يحتلها تيار عبدالناصر المهزوم والمنسحب، احتل مطربوه ومسلسلاته وأزياؤه وعطور رجاله وحريمه العقل والوجدان بالمنطقة كلها، فبدأت رائدات السفور المصريات يعلنَّ التوبة ويرتدين ثوب الحداد الخليجي وبدأ مطربو العرب وملحنوهم يقلدون إيقاعات الخليج ويمجدون البدونة ويتعطرون بعطور الخليج، واحتل شيوخ الخليج محل شيوخ الأزهر، وصار كتاب ومفكرو العرب الكبار كتاب زوايا في صحف الخليج.
كان تخطيط الكمبرادور قد نجح، وبفضل هزيمة 67، في أن يحقق المستحيل والمذهل في زمن قياسي، مدعومًا ليس فقط بالغرب وإسرائيل، بل وأخطاء وجرائم التيار الناصري نفسه. فكان الفقر والقمع وكانت الهزيمة في معركة دفع فيها المواطن رغيف خبزه لسنوات طويلة كافية لانتهاء هذا التيار وطرده من العقل والوجدان قبل طرده من الأراضي التي صارت محتلة.
الكومبرادور، وهو كومبرادور حقيقي، وهذا التوصيف لم يكن دعائيًا وعاطفيًا، بل هو توصيف حقيقي له وتثبت مسيرته التاريخية هذا التوصيف، استطاع وبفشل التيار الآخر داخليًا وبهيمنة القوى العالمية التابع لها عالميًا أن يحقق مالم يتوقعه أحد في زمن قياسي وعلى نحو محكم وعبقري وأن يقوم بتمشيط كل مواقع التيار الآخر وأخطرها، أعني عقول وقدرات ذاك التيار ويحولها إلى ببغاوات تردد مايقوله الكومبرادور متنصلة من كل ما قالت في هجاء الكومبرادور.

الكومبرادور تحول إلى مقدس، وتحول تخلفه وفاشيته إلى مثل عليا، وتحولت خوازيقه إلى أنصاب للعدالة والديمقراطية… تحول فقهاؤه العميان إلى حملة مشاعل للتنوير، ومفتوه إلى مدشنين لعصر نهضة باهر. تحولت جلابيبه السوداء إلى زي قومي، وتحول مقاتلوه الظلاميون إلى “جيفارا” ومنشدوه ذوو عاهة “الخنة” إلى “شيخ إمام، وبوب مارلي”، تحول إلى مرشدنا العام وبرلماننا وحكومتنا ومثقفنا العضوي، يقودنا من هذا الخراب العظيم إلى خراب أعظم.

مقالات ذات علاقة

جغرافية القيمة الليبية

نورالدين خليفة النمر

المطربون الشباب بين المحاربة والإهمال

إنتصار بوراوي

قصيدَةُ النَّثرِ: عوالمُ السِّحرِ المغفولُ عنها ..

جمعة الفاخري

اترك تعليق