طيوب النص قصة

كورن الأعمى

موسى الفاخري

من أعمال التشكيلي_محمد بن لامين

على تمام الساعة 7 ليلاً..

عاد (كورن) بعد انتهاء دوامه إلى البيت على تمام الساعة السابعة ليلاً، أغتسل وتناول وجبة عشاءه البسيطة، وأخذ يقرأ أخر صفحات كتابه المفضل ما يقارب ساعة من الوقت، ثم اتصل على (ميشا) ليطمئن على حالتها ويدردش معها قليلاً كالعادة في كل ليلة، وبعد أن أنهى اتصاله قفز إلى فراشه وأسْدل على نفسه البطانية وراح في سبات عميق..

وفي اليوم التالي استيقظ على تمام الساعة السادسة صباحاً كالعادة يتناول فطوره وينطلق إلى عمله الشاق المتعب، كان ذلك روتينه اليومي المتكرر، وحين انصرف عند الساعة السابعة من العمل؛ وكان في الطريق لبيته لم يفارق باله السؤال على غياب ميشا وعدم تواصلها معه طول هذه الساعات ولو لحظةً واحدة.. وصل لبيته وأغتسل وتناول عشاءه وأخذ يقرأ قليلاً، وفي الموعد المعتاد للاتصال أخذ هاتفه واتصل عليها عدة مرات متتالية دون أي رد ولا إجابة، أصبح مشغولاً وكثير التفكير بها طيلة الليل ولم ينام حتى الصباح خشيةً أن تكون ميشا أصيبت بمكروه ما..

في الصباح الباكر لم يستطيع الذهاب للعمل ولم يكن قادراً على ذلك وهو شارد الذهن ومتشتت الفكر، فجأة وهو جالس على سطح بيته يراقب شروق الشمس البهيّة؛ تتصل به ميشا، اِلتقط هاتفه ورد عليها: أهلاً.. كيف حالك؟!

– لست بخير.. كيف حال عملك؟

– أنا لست في العمل، ولكن أنتِ ما بك؟ ولماذا لم تجيبي على هاتفك؟

– أنا مريضة جدًّا ولم أستطيع النهوض من فراشي حتى.

– لا بأس عليك.. سأتي إليك وأخذك إلى المستشفى.

– حسناً.. أنا بانتظارك..

نزل إلى الشارع وركب سيارته الشبيهة بقطعة الخردة وانطلق حتى وصل بيت ميشا، فخرجت إليه وهي غير قادرة على المشي وكانت شاحبة الوجه، تلتقط أنفاسها بصعوبة كبيرة.. ساعدها كورن وأسندها على كتفه لتركب السيارة وركب هو الأخر وانطلق إلى المستشفى..

وحين دخول المستشفى حضرت الدكتورة وطلبت من الممرضة إجراء بعض التحاليل اللازمة لمعرفة حالتها.. وإذ بالدكتورة تنصدم حين رأت التحاليل وأردفت قائلة أن حالتك خطيرة جدًّا، لماذا تهملين نفسك ولم تأتي للمشفى باكراً؟

فقال كورن والخوف في عينيه: ما بها يا دكتورة؟!

قالت: أنها تعاني من مرض مزمن في القلب، ويجب إجراء عملية بسرعة قبل أن تفارق الحياة

كانت تلك الكلمات كفيلة لتجعل كورن يرتعب أشد الرعب وترتعش كل أطراف جسده.

قالت الدكتورة: أن العملية تكلف 000’10 دولار..

قال كورن: سأحضر المبلغ وأعود لك.

عاد كورن للبيت وأخذ يفكر من أين سيدبر هذا المبلغ وهو لا يملك إلا دولارات بسيطة من راتب الشهر الماضي، فانطلق إلى مدير شركته وطلب منه سلفتًا بعد أن أوضح له السبب واطلعه على تقارير حالة ميشا، ولكن المدير رفض نظراً لما تمر به الشركة من تدهورًا اقتصاديًا..

عاد كورن لبيته وهو شديد الهم والتفكير، وفي صباح اليوم التالي وهو ذاهب إلى المستشفى رأى إعلان عن سباق للسيارات بقيمة 000’15 دولار.. ذهب إلى المكان الخاص بالسباق وطلب الاشتراك فيه، وأصبح المتسابقين والمشرفين يستهزئون ويسخرون من خردته التي يريد المشاركة بها..

استعد كل المتسابقين لإشارة البداية وكانت أصوات محركات السيارات تعلو بشدةً كلما اقتراب موعد الانطلاق.. وحين انطلقت صافرة البداية كان كورن خائفاً من الخسارة، فإن خسر السباق يخسر ميشا وإن فاز تعيش ميشا، كان يتسابق بقوة وشراهة لم يسبق أن صدرت منه، كان يتصرف على نحو ليس من صفاته ولا من سمات شخصيته ولكن ظروف الحياة تجبر الفرد أن يتصرف تصرفاً لا يريده لسببين؛ إما لاكتساب منفعة شخصية أو لتجنب عواقب قد تقع عليه، وكان كورن يتصرف ويتسابق في مضامير لم يسبق له الدخول فيها، كان يتسابق لحاجة ولغرض شريف في نفسه ليس كالشاب المتهور الغني (كاميرون هيرين) الذي قتل الأم وطفلتها الصغيرة، أما كورن المسكين كان يتسابق لإنقاذ أغلى ما يملك في حياته ..

مع اقتراب كورن من المتسابقين واجتيازه لهم الواحد تلو الأخر، وحين الدخول في المنعطف يرمي عليه أحد المتسابقين قنابل دخانية أم ما شابه ذلك، ولحسن حظ كورن أن سيارته لم تنحرف عن مسارها خارج المضمار وأخذ يسرع ويسرع وكأن خردته أصبحت أسرع سيارة في العالم، فلم يبقى امامه أحد كل المتسابقين اجتازهم وأخذ المركز الأول وفاز في السباق رغم أنه لم يدخل حتى سباق دراجات في حياته من قبل..

أخذ المبلغ وانطلق للمستشفى وكان في طريق يشعر بألم شديد في عينيه وأصبحت الرؤية مشوشة امامه، لم يكترث للأمر فحياة ميشا بين يديه الآن ولا يريد أي أمر مهما كان أن يأخره عنها..

أعطى المبلغ للمستشفى وأجريت عملية ميشا ونجحت ولم يتبقى على نهوضها إلى ثلاث ساعات..

بعد يومين استطاعت ميشا الخروج من المستشفى بعد الاطمئنان على حالتها وصحتها، ولم يكن كورن موجوداً ليصطحبها للبيت..

فاتصلت به وقالت له: أين أنت أنا خرجت من المستشفى

– أنا في البيت.

– لماذا لم تأتي إليّ؟!

– آسف، ولكنّني مريض ولا أبصر شيء.

– سآتي إليك ونعود للمستشفى

– حسناً أنا بانتظارك..

مرت ساعات طويلة ولم تحظر ميشا لبيت كورن، اتصل بها عدة مرات ولم ترد على اتصالاته، مرت اليوم الثاني والثالث ومن ثم الأسبوع ولازال كورن ينتظر ميشا ولم تأتي إليه..

ذهب إلى بيتها وطرق الباب عدة مرات ولم تفتح، فأتت فتاة من خلفه وقالت له هل أنت كورن، قال نعم أنا.. قالت له أنا جارة ميشا أخبرتني أن أخبرك بأنها سافرت وأن ما بينكما قد انتهى..

سأل كورن ضاحكاً: هي قالت ذلك.. فأجابته: نعم

قال لها: حسناً أوصليني للطريق لو سمحتِ

قالت: هل أنت كفيف؟!

قال: نعم

قالت: ولكنك كنت بصيراً ورأيتك الأيام الماضية تقود السيارة وبجانبك ميشا!! فأخبرها كورن بكل ما حدث وعينيه تذرف دماً لا دمعاً.. وقال في أخر كلامه: أنا لست حزيناً على نفسي وعلى ما فعلته بي، بل أننّي لن أكون بخير أن أصابها مكروهاً مرةً أخرى، حتى لو كان جزائها لي بغيضاً وسيئاً إلا أنّني أخشى عليها البعد أكثر من خشيتي على نفسي بعد فقدان بصري..

بعض النّاس من ذوي المصالح يقدرون التضحية حقاً ولكنّهم يحبون الكمال أكثر، وأن الإحسان لا يكون جزائه إلا إحسان مثله …

مقالات ذات علاقة

ازْدِحُامٌ فِي اللَّيِلِ

سليمان زيدان

هكذا أكلت المانجا

عزة المقهور

وجـع

أسماء مصطفى

اترك تعليق