دراسات

كنت مسلماً.. دعوة للتحرر من الكهنوت الإسلامي

قد نتفق – بشكل ما – على دلالة عبارة «اللاهوت الإسلامي» وهو عنوان فضفاض تندرج تحته جميع الأطياف الدينية على اختلافها وتناقضها، على اتفاقها وصراعها، ولا يكاد شيء يخرج منذ القرنين الثالث والرابع الهجريين (العاشر والحادي عشر الميلاديين) عن تمثّل اللاهوت وإضفائه على الحياة في أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية وتكريس نفوذه بسلسلة تشريعية(1) لا متناهية تقوم تلقائياً بإقصاء كل ما يخالفها أو يتناقض معها.. إنه باختصار تمثّلٌ يقود إلى امتثال؛ وإليه تنتمي وتنتسب الحركات الراديكالية وظواهر العنف السياسي التي ترفع شعارات الإسلام أو «شرع الله». ولكن هذا التمثّل ما كان ليصبح عاماً ومنتشراً على هذا النحو لولا الضربات المتتالية التي وجّهتها الأرثوذوكسية الإسلامية وقضت بها على كل محاولات الاعتدال أو التصالح مع الآخر.. تلك هي السمة الأولى للأرثوذوكسية: أن تكون شَبَهاً نمطيّاً أو لا تكون. الفعاليات المستقلّة غير المنضوية تحت شعار «شرع الله» يجب أن.. تدمَّر!

من أعمال التشكيلي عمران بشنة
من أعمال التشكيلي عمران بشنة

المعنى الرئيسي للأرثوذوكسية الإسلامية يجعلنا ننظر إلى الإسلام بصفته تقليداً دينياً متأصّلاً في المجتمعات التي تدين به، وتبدأ نصوص هذا التقليد الديني من القرآن مروراً بكتب الأحاديث ومجمل المدونات الفقهية والأدبيات التأملية والشارحة، وهي «كتلة» تضخّمت بمرور الوقت وأنتجت تراثاً ديماغوجياً عصبوياً يعاد إنتاجه على الدوام دون تغيير يذكر، ضمن متوالية تكرارية تنحرف تدريجياً عن أصولها، وتوغل في انحرافها، تحت دعوى مفارقة، مناقضة، هي .. «العودة إلى الأصول».

الخطاب الديني

لا معنى لعبارة «الخطاب الديني» خارج استدعاء مجموعة التابوهات والتحريمات التي يشي بها التفكير في الدين الإسلامي. إخضاع الوثيقة الأساسية (القرآن) لتوصيفات النص وتطبيق معايير القراءة النقدية سوف يؤدي – بالتالي – إلى «التكفير». هذه هي الإشكالية الأم في التعامل مع الدين من خارجه.. لكي تكون مسلماً مؤمناً عليك أولاً أن تتخلّص من كل أدوات القراءة والتحليل والتفكيك النقدي التي لا مجال لها في هذا الحقل، وأن تكتفي بالامتثال.. والامتثال فقط.

«النص القرآني» عبارة تستدعي دلالات متناقضة. أثناء تلاوة القرآن يقف عائق ابستمولوجي دون إتاحة التعامل مع النص القرآني بصفته نصّاً يخضع لمعايير القراءة النقدية. إنه «كلام الله» الذي ليس كمثله شيء، الذي لا أصل قبله ولا مآل بعده، أي يجب إبقائه خارج حدود ومعايير الأنثروبوس المحدود والطارئ، علينا هنا أن نلتزم بحدود الفرضي اللامحدود دون التجريبي المحدود، الإلهي دون الإنساني.. علينا بعبارة أخرى ألا نجعل من «النص» حقلاً لتطبيقات النص، ولا سبيل أمامنا هنا إلا أن نتمثّل القداسة بينما نقرأ، أي أن نبني ممارستنا هذه على مبدأ الامتثال أولاً، لأن حرية التفكير الوحيدة التي لا يختلف فقيهان على منحها للقارئ يجب أن تنخرط ضمناً في الحقل الذي تحيل إليه الكلمات. والنصيحة التقليدية التي سيجود بها عليك أي فقيه هي التالية: يجب أن تتحلّى بالإيمان، لا تقع في شراك المنطق وتهويمات العقل.

على هذا النحو يقف الإسلام سداً منيعاً وحاجزاً نفسياً أمام المؤرخ وعالم الاجتماع والباحث الأنثروبولوجي والسيميائي فلا يستطيعون مقاربة النص القرآني بحريّة الاستنتاج خشية أن يتعارض عملهم مع ما هو نهائي ويقيني بمنطق العقيدة اللامنطقي.

إذا كنت مسلماً تقليدياً (ليس هناك مسلم غير تقليدي على كل حال) فإنك تستحضر تلقائياً آليةً نفسيّة لتحصين العقيدة، إنها ردّ الفعل الدفاعي الأول الذي يجب أن تكون قادراً به على الدفاع عن إيمانك، والخطوة الأولى في تحصين العقيدة ستكون بالطبع إقصاء كلّ ما من شأنه أن يخترق هذا الإطار أو يثير الشكّ في سويّته ومنطقيته وصلاحيته لكل زمان ومكان.

لقد أحاط القرآن بكل شيء علماً، يقول المسلم الأرثوذوكسي، لا حقيقة – بالتالي – خارج القرآن، لا شيء أيضاً يتقدّم عليه لأنه يسبق كل شيء، التقدّم بمعزل عنه ردّة أو “خروج” عليه. لا حرية. الحرية تقف عند اختيارك في أن تكون مسلماً – ما لم تكن كذلك.

نصّ مشذَّر

معرفة النص القرآني – عندما لا يكتفي منه المسلم بالبحث عن الأحكام والأركان – لا تتجاوز التحليل الوصفي، كما لا تتيح الأدوات المنهجية التي اعتاد العرب إجراؤها على هذا النص أكثر من مجرد الاحتفاء البلاغيّ بـ«كلام الله» وتخريج «المحسّنات» التي يعجز النص البشري عن الإتيان بها مهما ارتقت أساليبه اللغوية والأدبية.

يتحرّك التحليل الوصفي على شريحة أفقية من النص دون السعي إلى فكّ تنضيداته وتراكبه الدلالي، يقول: تكلّم القرآن تقريراً وخطاباً، وبيانه عامٌ غير محصورٍ وخاصٌّ مقصور، أو مطلقٌ شائع ومقيّدٌ مفرَد، أو منطوقٌ بلفظه ومفهوم بدلالته، وتناسقت أحكامه بين أمر ونهي، وإطلاق وحصر، وإباحة ومنع، وترسّلت أساليبه بين وعد ووعيد، هكذا تمضي سلسلة التوصيف بالدوران على محور التعريفات اللاهوتية دون أن تؤدي إلى كشف آليات العرض وأنساقها اللسانية ومستوياتها الدلالية أو مقاربة المنظومة السيميائية، ودون أن يتحرّر المحلّل (الواصف) من دوغما التقديس.

القرآن نص متشذّر، لا يقرأ إلا بطريقة واحدة متوارثة. إننا أمام عشرات الأساليب التي تتيحها لنا المناهج العلمية الحديثة، والتي يتحوّل فيها القرآن إلى موضوع للبحث بتطبيق أدوات جديدة على هذا الحقل؛ أدوات من خارجه، من خارج منظومة الإلزامات التي تستدعي النتيجة والمحصّلة والخاتمة قبل التحليل والتفكيك، أو بكلمة أخرى: «النظر».

كان أركون قد دعا إلى تصنيف كرونولوجي للسور والآيات لدراسة العلاقة بين دلالات الآيات وأزمنة تكوّنها، ولكي يصبح بالإمكان إدراك الفارق بين صورتي القرآن في المرحلتين الشفهية والكتابية. هذه الدعوة نُبذت بالطبع، وما زال أنصاره يتهيّبون الإقدام على هذا المشروع. إن أولى نتائج الدراسة العلمية للقرآن سوف تكشف عن تاريخيته.. وتلك إشكالية تثير ردّ فعل عصابي لا سبيل إلى لجمه أو تهدئته.

إن القرآن نصّ مقدّس، وهو لا يمتح قدسيته من كونه نصاً؛ فلا معنى لقدسيته خارج حقل الإيمان بهذه القدسية، إنه «كلام الله» الذي يؤدي إلى «عبادة الله»، وتكتمل بذلك دائرة مغلقة ازدادت انغلاقاً بمرور الزمن دون أن تُفرَد من جديد أو يُنظر إليها من زاوية أخرى، إذ من المحال أن تنظر إلى القرآن (والإسلام تبعاً) من خارجه، الرؤية الوحيدة المتاحة لا تكون إلا من داخله.

يقول نصر حامد أبوزيد: «النصوص الدينية [= القرآن] ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بنية ثقافية محدّدة، تم إنتاجها طبقاً لقوانين تلك الثقافة التي تعدّ اللغة نظامها الدلالي المركزي» (نقد الخطاب الديني، 203). «وإذا كانت النصوص الدينية نصوصاً بشرية بحكم انتمائها لغة والثقافة في فترة تاريخية محددة، هي فترة تشكّلها وإنتاجها، فهي بالضرورة نصوص تاريخية» (نقد..، 206).

لقد كان منشأ «كلام الله» فوق التاريخي هو البحث عن معنى للوجود واشتراع أفق جديد للتفكير مشحون بالتصورات الأخروية، أما من خلال «عبادة الله» – وهي فعل جماعيّ لا معنى للتفرّد فيه – فقد تم التخلّي عن «سماء الكلام» كما أحب أن أقول، أي عن علويته المفترضة، ليتم توطينه على الأرض، وانتقل من كونه «آيات للنظر في الأنفس والآفاق» إلى «تشريع» مادي يعتمد على الحدود أو يكون سبباً لاعتماد حدود جديدة لم يرد ذكرها، وبكلمة واحدة أصبح القرآن «فقهاً» ومصدراً وحيداً للتشريع المدني في ظل غياب أي مدونة قانونية أو تشريعية متواضَع عليها بين العرب الذين كانت مادّتهم الأولى أعراباً أميين من الرّعاة الرحّل في جزيرة العرب، فلم يتجه تفكيرهم إلى إحالات الرمز والعلامة، أو دلالات المجاز؛ كان الهدف هو أن تنتفي صفة الأسطورة، التي كانت مذمومة ومثار قدح، ليبدأ التفسير الذي يعيد إنتاج الأسطورة المستبطنة في شكل غرائبي لا مجال لغير الإيمان بواقعيته، أما غرائبيته فلأنه ليس بشرياً أساساً، ومادام إلهياً فذلك إعجاز لا قبل للواقعة التاريخية بمضاهاة آلياته وهي لا تستطيع إلا أن تتغاضى عن سيرورته وتتقبّل حضوره وصيرورته، وسوف يكون من قبيل الكفر البحث عنه بدلالة الإحداثيات الاجتماعية (التاريخية والجغرافية) التي أنتجته.

كانت الأمم الأخرى حقلاً للدعوة والاستقطاب والتبشير، وهي العملية التي تم تلخيصها في كلمة واحدة هي «الفتح»، قبل ذلك يمكننا التوافق على المسارات التأسيسيّة الأولى للعصر الذي يسميه عزيز العظمة «باليو-إسلام» Paleo-Islam، ولكن القرن الثالث الهجري اشترع حقولاً جديدة في العلاقة بين الإسلام وبين أديان تلك الأمم، وعلى الأخص: اليهودية والمسيحية والزرادشتية، وذلك مع تحوّل بغداد إلى عاصمة عالمية للعمل الثقافي بمعنى الكلمة(2)، ونشاط حركة النقل والتعريب والترجمة التي عرّفت متحدثي العربية على فلاسفة اليونان. لقد جُعل الإسلام في هذا الوقت محوراً تقويمياً تقاس به العلوم والفلسفة، ونصوص الأديان الأخرى بالطبع.(3)

العقل الديني

لا يوجد عقل ديني.. نستطيع الحديث عن التعقّل عن الاندراج في السويّة، هذه هي حدود كلمة عقل في القرآن، أما مفهوم العقل فهو خارج السؤال، نتحدّث عن المفاهيم وتوليداتها، والأمر لا يتعلّق بالإسلام فحسب، بل بالأديان الأخرى: اليهودية والمسيحية والبوذية… الحديث عنها ضمن الشريحة ذاتها، وبقدر متساو، أشبه ما يكون بالحديث عن الفلسفة والتأملات. التأملات قد تكون نتاجاً لقول فلسفي، تحيا بجانبه، قبله أو بعده، ولكنها ليست هو.

تتنضَّد في كلمة عقل Mind في اللغة العربية عدة طبقات. وتنحصر دلالاتها في التعقّل Reason، فتبدأ من الفهم Understanding إلى الوعي Consciousness. أما في القرآن فإن هذه الكلمة تستدعي صورة العقل بوصفه متجلّياً Nous، وهي سمة تستدعي بدورها قبولاً بشرياً محدّداً هو الامتثال للأمر. تحديداً: تحويل الأمر الإلهي إلى واقع مدرَك Realization، وتوطينه بصفته تأسيساً جديداً يجبّ ما قبله.

إضفاء صفة «العقلي» على الدوغما الدينية لا معنى له سوى السعي من أجل إقناع الآخرين بأن الإيمان لا يتناقض مع العقل. هذه مفارقة بارادوكسية من العبث التفكير في إثباتها. وقد أجهد فلاسفة كثر أنفسهم في إثبات أن الفلسفة نشأت في حرم اللاهوت الديني.. لا أحد يعترض إذا كنا نتحدّث عن «فلسفة دينية» محدّدة، أي عن فلسفة تعيد إنتاج دين منزوع القداسة. ولكن متى ما فُتح هذا القمقم تصاعدت منه أطياف متشابكة: فكر لاهوتي، عقل ديني، فلسفة إسلامية، انتهاءً بكوميديا الإعجاز العلمي للقرآن في العصر الحديث.

وهم الفلسفة الإسلامية

عندما وجد الغرب نفسه مضطراً إلى نقل تراث الإسلام الفلسفي واستيعاب مستوى مختلف من العلوم قاموا بترجمة ما صنّفه المسلمون خلال ثلاثة قرون، أي بين 150 و450 هـ، وهو مجمل تراثهم الفكري الذي لم يتطوّر ولم تراع إحداثياته الجغرافية والتاريخية بل تم تثبيته بنوع من مضاهاة الوثيقة المقدسة (القرآن) وصار يتكرّر ويُجترّ ويعاد إنتاجه دون إضافات جذرية.

في زمن المأمون الذي تربع على عرش الخلافة سنة 813م تأسّست بأمر منه دار الحكمة، ونشطت حركة الترجمة (من اليونانية عبر السريانية) بشكل غير مسبوق، هذه الحركة الثقافية أنتجت لاحقاً نصوصاً متداخلة، بمعنى أنها كانت توليفة من عمليات تناصٍّ Intertextuality معقّدة جرت باللغة العربية، وتركت أثراً كبيراً في زمنها ثم تنوسيت تدريجياً، إلى أن استعادها الأوروبيون لاحقاً.

سجلّ الترجمة حافل متنوّع.. من عصر أبي جعفر المنصور (ت 158 هـ) إلى الخليفة المهدي (ت 169 هـ) إلى الرشيد (ت 193 هـ) ثم المأمون (ت 218 هـ) حيث بلغت حركة الترجمة ذروة نشاطها على يد حنين بن إسحق (ت 260هـ، وهو من نساطرة الحيرة) وابنه إسحق بن حنين (ت 298هـ، وقد تخصّص في ترجمة أرسطو)، وابن أخته حبيش الأعسم، وثابت بن قرة (ت 288هـ، وهو من صابئة حران) وقسطا بن لوقا البعلبكي (ت 288هـ، وهو من المسيحيين الملكانيين)… إلخ.

سأقدّم مثالاً.. فيلسوف العرب الكندي (ت 252 هـ، تلميذ أرسطو كما عبّر عن نفسه) لخّص وألحق شروحاته بكتاب «أغراض كتاب إقليدس» و«قصد أرسطو في المقولات» و«تقريب قول أرخميدس» وغير ذلك.. إن التنطّع الفلسفي العربي يتلمّس ويفسّر دون أن يرقى إلى أصالة النصوص التي سبقته.. لن أقوم بتتبّع مسارات التناصّ التي أنتجت تلك التوليفة من المصنّفات الفلسفية أو – لأقل – «التفكيرية» التي أغنت الثقافة العربية كما لم يحدث من قبل، ولكنني أشير إلى أن الإسلام (كنص أولي أفرز تمثّلاته وعقائده) كان يسير بمحاذاتها، يلامسها، عن قرب أولاً، وما أن تدخّل فيها حتى أصبح الهدف العام القابل للمؤازرة والتشجيع هو مقارنتها بأركان العقيدة التي تحيط بكل معرفة، أي الإسلام.. هذا ما دفع لاحقاً متديّناً عصابياً مثل الإمام الغزالي إلى تأليف «تهافت الفلاسفة»، وكان ردّ الفعل الأخير – لأقل الرقصة الأخيرة أمام هذا البالاد الفلسفي – هو تهافت التهافت، لابن رشد، ولكن مؤلف هذا البالاد سيعيش طويلاً بعد موته، إنه في الحقيقة يعيش بيننا الآن، وسوف يعيش أطول من ذلك، كذكرى فنيّة أكثر مما يفعل كنصّ أو كصاحب مشروع.

المسلمون لا يستطيعون الحياة – فلسفياً – دون حضور مصادرهم اليونانية، يمكننا مقاربة هذه الصورة بالتفكير في الأصول الأممية (البابلية والمصرية والإفريقية) للفلسفة اليونانية. ولكنهم لا يستطيعون (أعني المسلمين) نزع تراثهم الفلسفي عن التحميلات الدينية التي تردّدت بين عدة حدود ولكنها كانت ترتدّ في نهاية المطاف إلى التسليم المطلق بصحة العقيدة والاستغفار عمّا قد يكون بدر من الفيلسوف من آراء أو تقوّلات تخرج عن سياق اللاهوت المقدّس الذي لا يجب الخروج عنه.

نقول «فلسفة إسلامية»، وأضع ذلك بين ظفرين، لأن الفلسفة التي جرى احتكارها من ورثة اللوغوس Logos لاحقاً تخلّت عن أصولها الشرقية، ليس الإسلام استثناءً من ذلك، هذا إذا لم نعمد أولاً إلى إقامة الحواجز التي يشترطها الخطاب أو «اللاهوت» أو «الكهنوت» الإسلامي نفسه، بأمر دائم من منابر الأكليروس. (لي رأي مفصّل بهذا الشأن صدر سنة 2005، أرجو من القراء العودة إليه للربط بين هذه الإحالات).

في أوروبا، جرى استيعاب الفلسفة اليونانية بالتزامن مع استيعاب تراث المسلمين، وكانت اللغة اللاتينية أداة هذا النقل، وهي التي مهّدت دون شك لتأثيث أرضيّة قوية انبثق منها عصر النهضة.

كانت الفلسفة الإسلامية رداً على (أو تقليداً لـ) متون الفلسفة اليونانية، ولكننا لا نعثر في كتابات فلاسفة التنوير على شيء ذي بال يدلّ على تأثّرهم بما/مَن سبقهم؛ نستثني الرشديّة التي لن يتوقّف أثرها على مستوى الخطاب والتواضع على الاصطلاح، ومدلولات المفاهيم. لقد ذكر لنا التاريخ آثار الرشديّة على الخطاب المسيحي وهي تمتد حتى القرن العشرين. هذه المسألة تحتاج إلى حوار غير أحادي يتخلّص فيه الفاعلون من انهماماتهم الأيديولوجية الممسوحة بكفٍّ مباركة. أي التي جرى مسحها دينياً. ولكن الرشدية في كل الأحوال هي مدخل (ومآل) الفلسفة العربية – الإسلامية التي يمكننا العثور عليها في الخطاب الفلسفي الغربي. أذكر بالخصوص أنه منذ القرن التاسع الميلادي، كان هناك عشرات من أسماء «علماء» الدين والفقهاء والمرجعيات الروحية ممن وقفوا مسبقاً ضد امتداد التفلسف العربي – الإسلامي.. ليتذكر القارئ أولئك «الجهابذة» الذين حصّنوا الهويّة الثقافية بحصرها بين حدَّين لا ثالث لهما: كلام الله واللغة العربية، أي القرآن تلاوة وتفسيراً والأدب شعراً ومقامةً. بهذه المناسبة.. كان ابن قتيبة، صاحب «أدب الكاتب» الشهير، (ت 889م) يرى في محبّي أرسطو «مجرد مرضى». العودة إلى الفلسفة اليونانية أمر لم يكن مقبولاً طوال التاريخ العربي دون القيام بنوع من التناشز المعرفي Cognitive Dissonance الذي يتيح تجلّي الله كمحصّلة أو خاتمة ينتهي إليها / بها الخطاب.

إن إسهام الفلسفة العربية – الإسلامية الجزئي في هذا الحقل أصبح مضمراً، أو كامناً، وهو يؤدي دوره على هذا النحو منذ أن قرئ ابن رشد، ويتوطّن – من الناحية التاريخية – تفاعلات القرن السادس عشر، وبمعنى آخر فإن البحث عنه واستظهاره في القرن الحادي والعشرين، هو مجرّد درس ابتدائي من دروس كرونولوجيا الفلسفة في العالم، لا أكثر.

«لقد انتهى عهد بغداد وقرطبة، وبدأ عهد باريس واكسفورد وبولونيا».. حسب تعبير آلان دوليبيرا. هذه النقلة لم تكن آلية – كأي نقلة حضارية أخرى بالطبع – فهي تسير في مسارات متناصَّة منعرجة، ولكن جنح الأكليوس الإسلامي منذ البداية إلى رفض نقل وتعميم المعارف الفلسفية دفاعاً عن خطابه المقاوم لتحولات الزمن، وهو الدفاع الأساسي الذي يتضمن كتابات المؤرخين الباحثين عن الأثر الفلسفي الإسلامي في شروح وإضافات الفلاسفة الغربيين.. يجب إعادة التفكير في وهم التأصيل الفلسفي الذي منحته اللغة العربية للعالم. إن الباحث إذا نزعه عن مصادره لن يعثر على شيء خاص.. العرب – المسلمون لا يعيشون بمعزل عن العالم.. هذا هو الدرس التاريخي الذي يجب أن يتبوأ واجهة المقارنة.. لنبحث عن الخصائص.. لنترك «الثيو» جانباً.. هل نستطيع أن نفكر فلسفةً؟

نشأة الأصولية

عاش الإسلام لأربعة قرون متقبّلاً الانتماء إليه واعتناقه، وإن جزئياً (كما تدلّ على ذلك حكايات تاريخية عديدة)، ثم توقف عند نهاية القرن الرابع الهجري ليتحوّل إلى نظام مغلق، ظلاميّ، يتناقض مع «جوهر» العقيدة، ويشرّع لكل صغيرة وكبيرة، بحيث لا يفلت شيء من الحياة التي وُضعت تحت ميكروسكوب لاهوتي يرصد ثم «يحلّل ويحرّم» على القياس، وكانت مذاهبه الكبرى قد تحولت إلى منظومات متجاورة تضمر التنافس وتعمل على بسط نفوذها على حساب بعضها البعض، ساعية إلى تجسيد مبدأ «الاصطفاء» أو «النجاة» في أتباعها وحجبها عن الآخرين، الضالين بالطبع، والذين أخطأ الوحي طريقه إليهم.

لقد توقف الإسلام منذ تلك اللحظة التاريخية عن كونه عقيدة تبشيرية إلى دوغما منغلقة على نفسها لا تقبل ضمن حدودها إلا من يسلّم بداهةً، وكلياً، بأنها الممثل الوحيد لـ«شرع الله» على الأرض.

الأصولية (بأطيافها الممتدة من التدين المفرط إلى الظواهر العنفيّة المدمرة) هي نتاج تغييب جوهر العقيدة المنفتح وتغليب التشريع اللاهوتي الذي أضفى على الإسلام سمة التحجّر والانغلاق.. لقد أنتجته مدارس اجتماعية سيطر عليها خطاب عاجز يحيل مصائب الدنيا إلى المغفرة في الآخرة، ويكافئ الفقراء بجنة الخلد، وهو بعد ذلك خطاب تبريري يمنح صكوك الغفران لكل امرئ نذر نفسه لله.. إنه عقلية جمعية عامة تشكّلت طوال قرون من هذا التعليم الذي يتزيأ بمظهر العلم الإلهي، بينما هو ينطوي على آليات دقيقة لتعميم الامتثال والخضوع لإرادة علوية يمثّلها رجال الكهنوت من شيوخ وفقهاء.. لنبحث عن آليّات السلطة. (يستخدمون الآن جميع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري المتاحة والوسائط المتعددة والإنترنت لتعميم خطابهم، ويستعينون بكتب ومقالات وتعليقات وإدراجات على صفحات التواصل الاجتماعي فضلاً عن الخطب والمواعظ والأحاديث التي تقدمها الفضائيات بشكل يومي مشكّلة ضخاً متواصلاً ودفقاً من التوجيه والإيحاء لا ينقطع).

هذه الثقافة هي التي أنتجت ظواهر العنف والتطرّف والإرهاب.. أما القول بأن الإسلام شيء وادعاؤه شيء آخر وذلك لتبرير رفض ممارسة العنف والتوجّهات التكفيرية وتشريع الذبح وحز الرؤوس والتنكيل وحرق الخصوم أحياءً فهو مجرّد هراء لا معنى له. الإسلام كامن في جميع هذه الظواهر ولا يمكن نزعه عنها.. لا يمكن في الحقيقة نزعها عنه.

إن هذا التحديد لا ينطبق على الإسلام فحسب، بل يشمل أيضاً جميع الأديان التي تنشأ بسببها أو دفاعاً عنها مثل هذه الظواهر، عن اليهودية تحدثنا، أو عن المسيحية، أو الهندوسية، أو غير ذلك من الأديان التي تضع الآخر في موشور النظرة الارتيابية المسبقة وتنزع عنه حقه السلمي في الاعتقاد.

الآن.. يبدو الحديث مع هؤلاء الأصوليين متعذّراً، إذ تنحو مفردات الحوار إلى استحضار دلالات مشحونة بتصورات مسبقة ومتوارية وراء غلالات من الأبعاد الفضفاضة التي لا يمكن متابعتها دون التسليم بمعطيات الإيمان والامتثال، أي لا مجال – تقريباً – لاعترافهم بممكنات الانفتاح على الحوار والوقوف عند أي مخرجات جديدة له ما لم تكن ترديداً مكروراً لكليشيهات إيمانية يتم نبذ كل ما لا يسلّم ببداهتها مسبقاً.

الأكليروس الإسلامي

علماء الدين فئة تتوارث مصادر السلطة الروحية وتحتكرها، وهي تستفيد من علاقاتها الدائمة غير القابلة للنقض في مختلف المستويات: الشعبية والرسمية، أما آلياتها فتعتمد بالدرجة الأولى على احتكار حق الوكالة والإنابة عن الآخرين في تمثيل «الحُكم الشرعي»، أي القدرة على تخريج الأحكام التي تدعمها مصادر دينية بشكل مباشر أو غير مباشر.. الأحكام هي الكلمة التقليدية المعبّرة عن مواد القانون الإسلامي المستقى من الكتاب والسنّة.. السنة على الأغلب.

لقد أشار القرآن أكثر من مرّة إلى رفض الوكالة والإنابة والسيطرة على معتقد الآخرين بآيات واضحة لا جدل فيها، ولكن الحاجة إلى ذلك استدعت بمرور الوقت تلفيق مدوّنة متضخّمة من الأحاديث التي أباحت ذلك، والنتيجة – كما نرى – بناء صرح هيراركي يضاهي النظام البطرياركي في المسيحية. إنه أكليروس إسلامي تتنوّع رتبه ودرجاته بين مذهب وآخر وبين طائفة وأخرى، وأشهر درجات هذا الأكليروس ما نراه في الدول السنيّة وتضم غالباً: المفتى – القاضي – الفقيه – إمام الجامع – الشيخ. أما إمام الأزهر أو الزيتونة أو فاس أو مكة.. إلخ فهي مرجعيّات قياديّة تحتلّ مكانة أرفع يمكن مضاهاتها بالبابا الذي يحتلّ الكرسي الرسولي أو صاحب السلطة على الكنيسة الجامعة في المسيحية، كما في الفاتيكان. النجف الأشرف على الضفّة الشيعية يقوم بنفس الدور.

الهيئة الأكليروسية الإسلامية تتمتّع بسلطات روحية تدعمها السلطة السياسية التي تستفيد بدورها من تطبيق أنظمة الامتثال وتحظى بتزكية هذه الهيئة ما يمنحها شرعيّة دينية ذات أصول مؤلّهة لا يجوز تجاوزها، ويغذي هيمنتها حدّ التحرّج من معارضتها.. إنها غلالة رقيقة جداً تلك التي تفصل بين السلطتين الروحية والسياسية، ولا يمكننا العثور على معنى واضح للفصل بينهما في المجتمعات الإسلامية، فإحداهما لا تكون غالباً إلا تابعة للأخرى أو منبثقة عنها، ويشكّلان معاً توليفة خطاب السلطة بشقّيه الفقهي والدستوري.

يمكننا النظر إلى حجاج الخلافة الذي نشأ بعد موت النبي (632م) باعتباره جذراً مؤسّساً لهذه التوليفة المنيعة، لقد نشأ الصراع أولاً بين المهاجرين والأنصار، ثم انتقل في مرحلة ثانية إلى الانتخاب أو الانتقاء الاجتماعي بين المهاجرين أنفسهم بعد أن تمت إزاحة الأنصار، ولكن النموذج الأكثر وضوحاً لهذه التوليفة سوف يخرج مع الأمويين الذين أسّسوا دولتهم في دمشق، بين 661 و750م.

مع دولة العباسيين، بين 750 و1258م، أخذ هذا التحالف سمة تكاملية تعتمد على منح الشرعية مقابل توفير الحماية والتغاضي عن النفوذ، وهي سمة ظلّت – بهذا الشكل أو ذاك – سائدة حتى اليوم، ولم ينحلّ ذلك الرباط المقدّس بين السلطتين الروحية والسياسية إلا نادراً، كما إنه لا يتعرّض الآن لأي من محاولات التفكيك أو النقد إلا بعد تجارب عنيفة تعلو فيها المطالبة الجماهيرية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

صنم الله

عندما نشأ الإسلام كان تجريدياً. حاول محمّد أن يستبقي من المعتقدات التي كانت سائدة في عصره ما رأى فيه عقيدة حقّة كفيلة بشحذ رغبة الخلاص عند الإنسان، وإنقاذه من أوهام كثيرة تحيط به.. هكذا جرّد العقيدة من عبادة الأوثان وتعدّد الآلهة ووجّه طاقة التقديس إلى إله واحد لا مكان له لأنه.. في كل مكان.

قد نستأنس بالتحليل الذي أورده العفيف الأخضر وهو يرى محمّداً يعيد إنتاج تجارب سبقته من أنبياء معبد عشتار في القرن السابع ق.م. إلى أنبياء إفريقيا في القرن العشرين فهم جميعاً يشتركون في الأعراض والخصائص النفسية التي يمكن تلخيصها في تشخيص واحد هو «هذيان النبوة». لكن هذا التوصيف النفسي يؤبّد بدوره حالة مشتركةً ويضعها فوق التاريخ، يحيلها إلى سيرورة خالدة تتكسّر الإحداثيات التاريخية والجغرافية على عتبتها، وبالمحصلة فإنه يستبدل إحالةً إلى المطلق بإحالةٍ أخرى، ويقع في فخ التقديس المضاد بحثاً عن المتكرِّر عبر التاريخ. إن أجزاء أخرى من تحليل الأخضر، في كتابة من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ، تمثّل مقاربات تفصيلية دقيقة، وأعتقد أن مواصلة هذا التحليل غير المسبوق ستقود إلى إعادة توطين التهويمات السحابيّة التي تنشرها وتعمّمها الكتابات الإسلامية حول نشأة الإسلام في إحداثياتها الاجتماعية (التاريخية والجغرافية)، بحيث تشكّل هذه العملية عتبةً معرفيّة لا يمكن إغفالها كلما جيء إلى بحث موضوع النشأة، وسوف تلقي بظلالها على بحث المراحل التالية، وعلى الأخص في القرنين الثالث والرابع الهجريين.

بعد أربعة قرون من موت محمد تلبّس العرب نوع من النوستالجيا الدينية للآلهة المجسّدة، ولكن الإيمان بالله الواحد الذي لا مكان له كان قوياً فمنعهم من الارتداد إلى دين أسلافهم الأُوَل. هكذا أخذوا يجسّدون الله ذهنياً وهم يضفون عليه أوصاف وسمات وخصائص الآلهة القديمة التي ما زال بعضها مطموراً في صحراء جزيرة العرب.

نحن الآن في القرن الحادي والعشرين وقد أصبح «صنم الله» أكبر مما كان عليه في القرون السابقة، إنه لا متناه في الكبر، وكلّما اكتشف علم الفلك مستوى جديداً من الكون زاد المسلمون من حجم هذا الصنم.. عاد المسلمون إلى التوثين بسبب علمائهم، ولكن هؤلاء «العلماء» لهم أسبابهم الخاصة التي لا علاقة لها بالعقيدة.. لا بد من تفكيك نظام الأكليروس الإسلامي لكي ننظر في العقيدة بحريّة.

من هم «علماء الدين»؟ إنهم فئة من العصابيين لا يعون شيئاً خارج اجترار القرآن والأحاديث.. ومع ذلك يطلقون على أنفسهم اسم «العلماء» ويعرفون بهذا الاسم بين العامّة الذين تملأ الهيبة قلوبهم فيكادون يسجدون تقديساً لهذه الآلهة المزيّفة.

لممثلي الإيمان هؤلاء صورة مضخّمة مهولة في أذهان الناس، لأنهم نصبوا أنفسهم وكلاء للإيمان وأوصياء على العقيدة، أو «مدراء تنفيذيين لشؤون القداسة».. هم يتحدّثون كمندوبين مباشرين عن «الله»، ويقومون بإجازة من يليهم جيلاً إثر جيل لضمان سيطرة هذه الجماعة على الآخرين باسم الدين الذي يدينون به ويمتثلون له ويفخرون بذلك.

هذه هي الأدوات التي يسيطرون بها على الآخرين، إنهم ينزعون عن العقيدة تجريداتها الروحية التي ترتقي بالإنسان نحو المطلق، ويضخّمون لهم بعبعاً أخروياً يستقطبون به تمثّلاتهم الروحية والذهنية حول «صنم الله».

لقد نجحت هذه الفئة في تحويل الإسلام من عقيدة فردية بحثاً عن الخلاص الذاتي إلى نظام صارم أساسه توحيد التمثّلات الذهانية الجمعيّة، وتمكنوا بذلك من التحكّم، ليس في السلطة الروحية فحسب، بل في ضمان دعم السلطة الزمنية لهم أيضاً، ما لم يكونوا قد سيطروا عليها هي الأخرى، كما نرى في مجتمعات عربية وإسلامية عديدة.

إنهم يضمنون انسياق الآخرين طوعياً، لأنهم استطاعوا عبر تاريخ طويل من التجارب أن ينجحوا دون منافسة تذكر في الظهور بمظهر المندوب الشرعي الذي له الحقّ وحده في حمل مسؤولية الخطاب الديني وإدارة الحياة.. نشهد في بعض الدول كيف تطابقت السلطتان الروحية والسياسية في نموذج واحد كما في مناداة الملك بلقب أمير المؤمنين أو خادم الحرمين الشريفين أو آية الله.

لقد تعاقب صوت الله ليحلّ في النبي الذي ورثه الخلفاء الراشدون الذين ورثهم أمراء المؤمنين.. الآن وقد تضاءل حضور هؤلاء الأمراء فإن الأئمة والفقهاء هم الذين يستطيعون تمثيل الله والنيابة عنه بإحالة أنفسهم إلى مرجعيّات مقدّسة لا مجال للشكّ فيها دون استثارة المؤمنين بهم.. أولئك الذين يعبدون الله ويُجلّون هؤلاء حدّ القداسة.

تضاءل «صوت الله» تدريجياً، منذ القرن الرابع الهجري تحديداً، وتم استبداله بأصوات الآلهة المزيّفة، ولأن هذه الآلهة المتعددة لم تكن قادرة على محاصرة التطوّر والحجر عليه، أو إيقاف ابتكار الأدوات الجديدة، لجأت إلى استعادة ذلك الصوت وحوّلت الله إلى «صنم» مهول يستوطن من الكون سماءه السابعة قاعداً باستواء رباني على عرشه بينما يراقب خلقه من علٍ.

أمة محصّنة

المسلمون هم “الأمة الدينيّة” الوحيدة التي لا تقبل نقد الدين.. لم يكونوا كذلك دائماً، ففي القرن الثالث الهجري كانت الحياة الثقافية في بغداد عاصمة الإسلام تشهد ظواهر ثقافية جديدة وتفعيلاً نشطاً لحركة النقل والترجمة ما أنتج بدوره تثاقفاً غير مسبوق في أي من الحضارات السابقة. أما الآن، وباسم التأصيل والعودة إلى الجذور، فإن التهمة نمطيّة والجزاء واضح: الردّة أو الإلحاد وإقامة الحدّ.

هكذا يتم النظر إلى الآخر الذي ما لم يُبن عن رغبته في التحوّل إلى الإسلام فإنه.. كافر. والمسلمون – لا الإسلام – لا ينظرون إليه بصفته مشروع “أخ” في الديانة، بقدر ما يصنّفونه عدواً سوف يبدأ الصراع معه في أي لحظة.

النقد شرطٌ إنسانيّ. إن أولى دلالاته هي وعي الإنسان بأبعاد المسألة التي ينتقدها، ولكن المنتظَر بالطبع هو الامتثال دون نظر، فالدين مطلّق وليس تاريخياً.

لا شيء يمكنه أن يتحصّن ضد النقد أو يكون بمعزل عن التحليل. الأجدر أن تكون العلّة الأولى وفكرة الله هما أول شريحتين توضعان تحت هذا المجهر.

عندما نُخضع الأفكار المستمدّة من الدين للنقد والتفكير فإننا نخلّصها من سياجها، ولن يستمر الدين ما لم يكن مجرّداً يخلو من الزوائد التي أضيفت له على مرّ القرون.. استمرار الدين على هذا النحو هي حياته.. غير ذلك فليكن المسلمون على استعداد لأن تفتح فوّهة الإلحاد الجارفة بدءا بإنكار مسألة الوحي العصيّة على التفكير المتديّن، وبعبارة أخرى: الخطوة الأولى للتحرّر من سطوة الكهنوت الإسلامي هي مساءلة الوحي!

الكهنوت إذن!

الكهنوت هو الرئاسة الروحية (رشيد رضا). الإسلام لا يعترف بالكهنوت، ولكن المسلمين يمارسونه بشكل نمطيّ، وهم يقيمون مشيخة بابويّة ذات صلاحيات صارمة غير قابلة للنقض ضمن منظومة ثيولوجية مغلقة تتوجّس منها السلطة السياسية فلا تستطيع إلا مداهنتها والإعراب عن دعمها لها.

القرآن نزع صلاحية الحكم على الآخرين أو محاسبة نواياهم أو ادعّاء الوكالة عليهم من أي أحد. هذه الصلاحية لم تُعط لمحمد بنص القرآن، نُزعت عنه وخُصّصت لحكم الآخرة، بينما نراه في غير هذا النص مؤسّساً حقيقياً وعنيفاً للكهنوت الإسلامي. إذا أردنا أن نتحدّث بمنطق التاريخ واعتبرنا الأحاديث مثلاً وثائق تاريخيّة صادقة فإننا سنواجه حزمة من المتناقضات التي تهدم العقيدة الإسلامية من داخلها. الأولى – في اعتقادي – هو أن ندع هذه “الوثائق” جانباً، وأن نلجأ إلى التفكير الحر. يجب ألا نتحدث باسم العلمانية. ينبغي أن نتحدث باسم الحياة أولاً.

إزاحة ضرورية

نتفق جميعاً على ضرورة الجزء الغيبي في عمق التفكير في الحياة، وتحويل الأسطوري إلى حقوله العلمية التي بإمكانها أن تفكّك نسيجه وتعيد أصوله إلى إحداثياتها التاريخية والجغرافية والاجتماعية.

نحن بحاجة إلى الدين قدر حاجتنا إلى الشعر والأسطورة والحلم والرجاء.. إننا نذهب إليها كلما أردنا الخروج من الرتابة والنمطيّة ولكننا لا نستطيع العيش بها إلى الأبد. أن يصبح الدين مسطرةً يوميّة للحياة هو أن نفقد شرطنا الإنساني، وأن نكتفي بجعل حياتنا انعكاساً مرآوياً لكائن لا وجود له.. المحصلةُ سوف تكون البقاءَ عمداً خارج التاريخ.

عندما يكون الدين مسطرة يومية تُنزع من الإنسان (الفرد) قابليّة التغيير والتعديل والإضافة والإلغاء.. يصبح مكلّفاً ليس أمامه إلا الطّاعة وأداء الفروض (معضلة التخيير والتسيير معلّقة في فضاء علم الكلام لم تتوطّن بعد).. هكذا تختلّ القيم لأن مرجعيتها بُترت.. هكذا تنشأ محاكم التفتيش التي تقيم الحدّ على كل من لا يكون تصوّره متطابقاً مع الكهنوت الإسلامي. محاكم التفتيش المسيحية (لنتذكر غاليليو(4)) بكل عنفها ودمويتها أصبحت جزءا من التاريخ الغربي.. محاكم التفتيش الإسلامية مستمرة، وهي تسلسلية متوالية Continuum، وأمام التضخّم العقائدي الذي يعيش الآن عصره الإمبراطوري لا يبدو أنها ستنتهي في وقت قريب.

كوميديا الإعجاز

مثلما انتهت خرافة الإعجاز البلاغي منذ زمن المتنبي.. انتهت أيضاً خرافة الإعجاز العلمي القرآني، تلك الكذبة المغلّفة بالمعادلات والمتواليات الحسابية المدعومة كمبيوترياً، والمزودة بالتفاصيل العلمية الدقيقة المختبرية. لا شيء طبعاً يستطيع الإفلات من سطوة معنى شعري وسع الدنيا، فما بالك بنظرية أنتجها مختبر لا اسم له في جامعة عابرة.

الإعجاز العلمي في القرآن نوع من الكوميديا السوداء التي تدفع بك إلى الضحك وأنت على وشك البكاء. فوق كل ما يمكن للمرء التفكير فيه تترتّب نتيجة أشد فتكاً ومصادرةً لعقول الشباب هي تلاشي الحدود بين الإعجاز والعلم. يصبح العلم لدى هؤلاء إعجازاً لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال نصّ منزّل كالقرآن، ومهما كان ثبات ومنطقيّة الأدلة العلمية فإنها لن تكون صادقةً ما لم تصبح أدلّة «شرعية» تتفق مع القرآن المعجِز، وكل نظرية علميّة لا تتفق مع القرآن هي محض باطل نخس به الشيطان!

البرق مثلاً ليس ظاهرة طبيعية يفسرها القرآن أو يوجّه بتحليلها علمياً بل هي آية من الآيات التي تدلّ على عظمة الخالق، وهذه الظاهرة تستجيب لأمره إذا أراد لها أن تكون أداة من أدواته على الأرض، أما مسبباتها أو أنها شرارة تنتج عن اصطدام شحنة كهربائية موجبة بشحنة أخرى سالبة، فهو حقل آخر لا علاقة للقرآن به.

كتاب المسلمين يرى الرعد آية يسيّرها الخالق متى شاء، أما المسلمون أنفسهم فيرون فيه «ملكاً يسوق السحاب بمقلاع من الفضّة» برواية ابن عباس المنسوبة إلى النبي، كما يقول الطبري (جامع البيان، دار المعارف، ط1، ج1، ص338).

القرآن – يقول محمد آركون: «ليس كتاباً في علم الفيزياء أو الكيمياء، ولا في علم الاجتماع والاقتصاد، وهو لا يفرض نظاماً اقتصادياً محدداً دون غيره، ولا نظاماً سياسياً معيّناً. هذه أشياء متروكة للبشر لكي يحلّوها طبقاً لقوانين علم الاقتصاد والاجتماع والسياسة».

قد نكون (نحن المسلمون) جزءاً من منظومة أخلاقية كونية توجد بهذا الشكل أو ذاك لدى جميع أمم الأرض، قد نكتفي بشوفينيتنا العقائدية المغلقة لنقيم لأنفسنا كبرياءً إيمانياً يغذّي الغيرة وتحصين الحِمَى. فما هي النتيجة؟ في هذه الحالة أقول: النتيجة = نبذ الآخر وإقصاؤه، الريبة منه والتشكيك فيه، اتهامه والاشتباه فيه، ثم تكفيره.. احتكار الحياة باسم مطلق لا وجود له على الأرض، وإحالة العالم على يوم القيامة.

الإنسان

الاختيار، الحرية، حرية التعبير، حرية المعتقد، حرية التنقّل، الشورى، القبول بالآخر، التعارف، الإخاء، إتاحة الفرص، … إلخ. ثمة أفق واسع يغطي هذه «المبادئ» ويتخلّل القرآن يشير إلى إمكانية توطين التناقض بين النسبي المحدود والمطلق اللامحدود، بين الإنساني والإلهي، بين التخيير والتسيير، لماذا لا نحلّ هذه المسألة؟

دين الأكليروس الوضعي قفز على جميع هذه «المبادئ» أو قام بإعادة تعريفها لتندرج في آلياته للهيمنة وبسط النفوذ.. تم تأطير موضوعة الإنسان خارج شروطها التي كان القرآن قد نصّ عليها، وحُوّلت إلى مادّة لإعادة الصّوغ، جعلت حقلاً منفعلاً، حُجر على ممكناتها، حُصرت في نسبيّتها، وجزئيتها الفانية، ثم قيست بمسطرة التشريع (سرير بروكست الإسلامي) وحوصرت تالياً في صندوق الإيثيكا الفقهية، أو لنقل تم تكبيلها بسلسلة من الأخلاق الوضعيّة التي لم يشترطها القرآن.. الوثيقة العربية الأشهر التي تُتلى دون أن تُقرأ.

السلطة السياسية (بدءا من الأمويين …) تواطأت مع سلطة الأكليروس، فنشأت منفصلة عن مجتمعاتها، لأن الصراع كان نخبوياً يشترط مواصفات قبليّة وامتيازات دينية خاصة، بينما تحوّل المسلمون – بانخراطهم في دولة مركزية – إلى حشود من القطعان المنتشرة في المدن المستحدثة والقرى النائية والنجوع الصحراوية متنازلين عن شرطهم الإنساني الأول: الحرية.. الحرية التي استبدلت بالامتثال لأوامر الله بعد إحالتها إلى وكلائه من الـ«جلاوزة» السياسيين والروحيين.. الأمراء والأئمة، وكانت أخطر نجاحاتهم في هذا الاحتكار حشر القرآن في زاوية ضيقة تقود إلى تحويل إرادة الله إلى صلاحيات شخصية لوكلائه.. كان ذلك هو المنعرج الحاسم لإغلاق المنظومة الدينية على نفسها بعد تفريغها من ممكنات الانفتاح والاستيعاب.

بدأت مسطرة التشريع المتضخّم تنتشر.. تدريجياً تراخى الاحتكام إلى الأعراف الاجتماعية التي كانت تمثّل نظاماً متعارفاً عليه له صفة القانون. هذه الأعراف كانت أقرب إلى القرآن الذي حافظ على جزء منها دون تغيير، وتدريجيّاً لم يعترض أحد على هذا الاستبدال.. الإنسان المسلم (وأنا أتحدث هنا عن العرب) تمت قولبة حياته في زمن قياسي لا يتجاوز عدّة عقود، وُضع على «سكّة» جديدة منذ 632م، أصبحت الجاهلية أشدّ حضوراً، ومذّاك لم يحدث شيء يذكر.

أنتم الآن تنظرون إلى المستقبل، مَن لا ينظر إلى المستقبل؟، ولكنكم تصطدمون بالخطاب القرآني الصامد، المصمت، اليقيني، الذي يخبركم بقصة نهاية العالم، ويستدعي القيامة في كل لحظة من لحظاتكم العابرة!

إن جريرة إسقاط الرموز القرآنية على حقول أخرى غير الحقل الديني نفسه من شأنها أن يؤدي إلى تسويغ الهلاوس السياسية واستخدام الآيات لتبرير ظواهر شاذّة تبيح العنف والقمع.، والتمهيد للتدخّل في مسارات التطوّر وبتر محاولات التقدّم من خلال استلهام نموذج قياسي لا يعترف بالشروط التاريخية والاجتماعية (بارادايم كهنوتي).

أنتم (أيها المسلمون) تتحدّون أنفسكم الآن أمام الاعتراف بالآخر، وإن ذلك هو جوهر الديمقراطية، ولكنكم لا تستطيعون التصريح بذلك، لماذا؟ لأن الإسلام لا يستطيع أن يجيز عقيدة الآخر أو أن يتعايش معها.. لهذا السبب لن يكون ديمقراطياً.

ماذا بعد؟

تراكمت.. تراكمت أيها السادة الأعراب.. تراكمت مآسيكم.. لا تستطيعون إحياء ابن رشد.. لا تستطيعون استعادة الثورة الفرنسية.. لا تستطيعون تمثّل ثورة مارتن لوثر.. ماذا تستطيعون فعلاً؟

ما زال إيمان غنوصيّ مسيطراً، وما زال الكهنوت يلقي في أذهانكم صورة الله القديم الذي كان كلامه مدوّناً على اللوح المحفوظ باللغة العربية الفصحى قبل خلق السموات والأرض وقبل النفخ في طين الإنسان.

إسلامكم أصبح مغلفاً بأحجبة من التشريعات الوضعية التي تدّعي نسبتها إلى المصدر الإلهي، وهو مصدر لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو إقامة الحجّة على خصومه الذين ولدوا من رحمه والذين يقومون بانتهاكه وتخريبه من داخله بفعل ما لهم من أدوات لا تزال ناجحة وفعّالة بعد ممارستها لعدة قرون. الله الذي تؤمنون به لم يعد قادراً على تنزيل كتاب جديد.. جبريل تقاعد متمتعاً بمكانه من جنة الخلد، الشيطان نفسه أصابه الملل بعد هذا العمر الطويل، ماذا يمكنكم أن تفعلوا الآن وقد خلت ساحة البانثيون العتيق من رموزها النورانية والظلامية؟

ما زالت «الجاهلية» هي سمة الإنسان العربي، سقط الإسلام دون أن ينجح في الخروج بكم من كهف الخزاعي.. مات الله الذي أوحى بالقرآن.. قتله فقهاء الأكليروس، علماء الدين.. كما يصفون أنفسهم، أوداجه تشخب دماً.. ها هم العرب يصفّرون ويصفقون وهم يطوفون عرايا بالبيت العتيق الذي أصبح اسمه «قصر الرئاسة» حيناً، و«دار الإفتاء» حيناً آخر. القصر والدار هما المكانان اللذان يتم فيها استعارة «سيادة الله» ونقلها بالتبادل بين الملك والإمام، أو الرئيس ومفتي الدولة.

أقول استعارة وتبادل.. لأن الإسلام كما يُمارس الآن دين وضعيّ، تم التواضع عليه لتأبيد السلطات وتجذير أصول القمع وبسط النفوذ وتسويغ الامتثال. إن جميع الأنظمة العربية، دون استثناء، تغض النظر عن التيارات الأصولية، إلا إذا شكّلت هذه التيارات تهديداً مباشراً لتلك الأنظمة. آنذاك يبدأ دعم «الوسطيّة» والفهم «المتعقّل» للإسلام، ونبذ الشطط والتطرّف والمغالاة؛ تاريخ المسلمين لا يخرج عن هذه الحالات الثلاث. إن قراءتنا للإسلام من هذه الناحية يجب أن تبدأ دائماً بالبحث عن أشكال وسياقات ممارسة السلطة.. ابحثوا عن المتسلطين إذا أردتم أن تفهموا عقيدتكم على حقيقتها.

_____________________________

هوامش

(*) كنتُ أدين بإسلام موروث، ملقَّن، إتّباعي، ولا يقبل الجدل. لن أعبّر عنه بكلمة «محافظ» أو «تقليدي»، أعتقد أن التفكير في الإسلام قد تجاوز هذين التوصيفين اللذين كانا مناسبين حتى نهاية القرن الثامن عشر، ثم فقدا دلالتهما، ولعلّ الأنسب هو وصف الإسلام «الحالي» بصفات أخرى، كالـ«منضَّد» أو الـ«لِحائي» أو الـ«أرثوذوكسي». أتوخى عقيدة مقتشرة (لسان العرب: يقال للشيخ الكبير: مقْتَشِر لأَنه حين كبِر ثقُلت عليه ثيابه فأَلقاها عنه). إنني أنظر بتقدير كبير إلى كتابات العظم وأركون والعظمة والأخضر وآخرين، وأعتبر دراستها مجتمعةً (على ما بينها من اختلافات جذرية ومنهجية) أساساً لفهم حقيقي وجذري للدين الإسلامي، فهمٌ يؤدي إلى سحو اللّحاء والقشور المركّبة للوصول إلى اللب مجرَّداً. لقد استعنت بها كثيراً في هذه المناقشة التي وضعت لها عنوان (كنتُ مسلماً) وهي تفصح عن جوانب كثيرة جعلتني أتخلى عن الفهم الموروث للعقيدة وضرورتها، متبنياً فكراً منفتحاً غير منغلق على ذاته، محاولاً أن أتوجه في ما أكتب إلى تجريد العقيدة، إلى تشذيبها مما أُلحق بها على مدى عصور متفاوتة تبدأ من القرن الثالث الهجري.

1- القاعدة الاستدلالية الفقهية التي تقول: “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” أتاحت إدراج كل شأن من شؤون الحياة ضمن سياج المعتقد، وحوّلت كل أثر قرآني مفرد إلى حكم قطعي يرفده القياس. تستغل هذه القاعدة معطاةً تجريدية عامة مشروطة بإحداثياتها لتخلص إلى متوالية تشريعية مبنية على القياس الشكلي دون تحديد لزمن عملها أو فعاليتها، وهكذا.. لا شيء – مهما كان جديداً أو مستحدثاً – يقع خارج دائرة التشريع، لا اجتهاد ولا ابتداع منذ القرن الرابع الهجري عندما قفل الفقهاء باب الاجتهاد وأوصدوه على أنفسهم وهم يتوجّسون من بحث وتطوير ما يعرف بـ«المصلحة المرسلة» التي نعتقد أنها تستوعب ما يتيحه التطوّر والتقدّم.

2- على سبيل المثال: كان في بغداد في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، أكثر من 1000 ورّاق، كل منهم يكتب في يوم عمل واحد ما بين 50 إلى 100 ورقة. حيّ الورّاقين بحساب متوسّط كان ينتج آنذاك أكثر من 2 مليون ورقة في الشهر.

3- تمنع سيطرة هذا البارادايم التقييمي ممكنات الحوار، ليس بين الإسلام والعلوم الحديثة فحسب، بل وأيضاً مع غيره من الأديان. إن مؤتمرات ومحافل الحوار بين الأديان مظلّلة غالباً بسحابة سياسية. لا شك أن الأديان الثلاثة الكبرى (الإسلام، المسيحية، اليهودية) قد استُخدمت على مدى فترات طويلة كمحفّز للأحداث التاريخية، وقد لعب تقديسها طوال تاريخها الطويل – وما زال – دور «المنشّطات الأيديولوجية».. انتكاسات الحوار لن يتم تجاوزها في واقع الأمر طالما لم يتم تثبيط تلك الحمولات العصابيّة التي توطّن الآخر خارج حدودها بشكل تلقائي وترفض استيعاب اختلافه العقائدي.

4- أردت التذكير بمثال غاليلي غاليليو لأن محاكمته بسبب آرائه العلمية هي الأشهر، ولأن «استتابته» أنهت محاكمته. تهمة الهرطقة – التي تستعيرها محاكم التفتيش الإسلامية الآن – كانت أعنف أدوات الكنيسة لبسط سيطرتها على الحياة بدءا من محاكمة الآراء والأفكار. بين 1481م و1808م حُكم على ثلاثمائة وأربعين ألف شخص بالهرطقة، أحرق ما يقارب مائتي ألف بالنار وهم أحياء.

مراجع

– العفيف الأخضر، من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ، منشورات الجمل، 2013.

– محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط1، 1991.

– محمد أركون، الفكر الإسلامي.. نقد واجتهاد، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، لافوميك، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. 1993.

– نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، دار سينا للنشر، ط2، 1994.

– Aziz al-Azmeh, The Emergence of Islam In Late Antiquity, Allah And His People, Cambridge University Press, 2014.

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 32 (خربش)

عبدالرحمن جماعة

الشجرة كدلالة مكانية للوطن في الشعر الليبي المعاصر

سالم أبوظهير

قراءة في ديوان.. جلال عثمان: يحي الشعر المحكي بحفلة موت

المشرف العام

اترك تعليق