المقالة

كـلام فى كـلام

 

لو أحصينا كم المؤتمرات والندوات والقرارت والاتفاقيات التي تمت على أرض هذا البلد لما كفانا مجلد..أربعين عاما ونحن نتحدث في الهواء…ونتخذ قرارات يضرب بعضها البعض الآخر ..حتى الاتفاقيات التي نوقعها مع الغير لا تفعل …والنتيجة … للأسف واضحة للعيان..مغرمون نحن بالكلام مؤكدين إننا فعلا ظاهرة صوتية….وجهدنا يقف عنده…حتى تاريخنا هذا ليست لدينا منظومة متكاملة على قول د.عمر قنيبر عميد كلية الهندسة في جامعة قاريونس تضم في تكوينها جميع القطاعات وتوزع عليها المهام في إطارعمل موحد يصبو لغاية واحدة الأسبوع الماضى حضرت ملتقى أقامته الجمعية الوطنية للتنمية الاجتماعية تحت عنوان”صياغة الواقع برؤية جديدة”..وحتى أكون صادقة معكم ما عدت أهتم بهكذا ملتقيات وأفكر كثيرا قبل حضورها …نفس الكلام نكرره منذ أعوام ولا أحد يهتم بنتائج مثل هذه الملتقيات فالبحاث والمعنيون بالدراسة لهم أجندة والمسؤولون لهم أجندة أخرى تختلف تماما ومع ذلك العنوان كان مغريا بالنسبة لي من جهة ..ومن جهة أخرى أصدقائي الذين يعملون في هذه الجمعية أعي جيدا حرصهم وإن كنت لا أشاركهم الحماس ومع ذلك قررت الذهاب..محاولة مني للخروج من جب اليأس الذي طالني حتى أنه تعملق ووصل إلى حد تكسير مجاذيف الآخرين ..الذين ما زال الأمل يقودهم بعض الورقات التي قدمت ..كأنها مكتوبة لطلبة في المقاعد الدراسية وهذا عيب لا أحتمله من الأكاديمين التقليديين ..الذين لا يفرقون بين الطالب والمعني..يمارسون أحيانا أستذة تستخف بالحاضرين وتحيل كلامهم لنوع من الهذر المضحك والمبكي في ذات الآن وكأن ورقاتهم كتبت تحت مظلة عنوان آخر فى استخفاف واضح حتى بعنوان الملتقى وليس بالحاضرين فقط ….ولكن للحقيقة لدينا قلة من الأكاديميين يمثلون الجانب المضيء الذي يجبرك على أن تصفق لعلمه وطريقة تفكيره..القادرة على الخوض فى ثنايا حالنا بجدية وعقلية عملية تحاول بكل جهدها أن تضع يدها على الداء وتقول علينا أن نبدأ من هنا..هذا الهنا الذي طال ..لن ألتفت لكلام النوع الأول من الأكاديميين..وسأحاول الخوض فى نقطة واحدة أراها هي الأهم.. اتفقت أغلبية الورقات التي حاولت أن تكون جدية أكثر من غيرها على الاستهلال بقولها وهي أن حالة من الملل يعاني منها من يحاول بجهد قديم أن يقرأ عيوب الواقع ويقترح له حلولا ظلت مجرد كلام لا يلتفت له المسؤولون “الحضور في هذا الملتقى هو ذات الحضور المعني الذي أعرف من سنوات..ما زال حبه يشتعل ..رغم كل مكابدات السنين الماضية ..حالة من الجهاد ..يستحقون عليها أوسمة ..فى غياب واضح أيضا كالعادة للمسوؤلين التنفيذيين…في حقيقة تقول إن هذا البلد إلى الآن لم يحظ بمسؤول شجاع يرى بعين المصلح هذه الفوضى ويقول للعلماء ساعدونى أنا وحد ي لا أستطيع بل أحتاج لعلمكم معي من جهة ومن جهة أخرى استخفاف واضح من طرف المسؤولين بالجهد الذي يبذل في هذه الملتقيات فمن النادر أن ترى مسؤولا لا يكتفي بحضور يوم الافتتاح ويتابع باهتمام ما يلقى من أبحاث . حتى عندما تم الانتباه لحلقة الوصل المفقودة بين ذوى الاختصاص والبحاث والجهات التنفيذية من أعوام وأنشىء مجلس التخطيط الوطني الذى استهل نشاطه مع جماعة الرؤية التي ضمت أسماء هامة معنية ولها حس وطي عال وبعد جهد طويل لهذه اللجنة الذي تمخض عنه تقريرها المشهور “رؤية ليبيا عام .2025 ورغم كل الجدل الذي أثاره هذا التقرير في وسطنا الثقافي ما بين مؤيد ومعارض إلا أنها كانت خطوة إلى الأمام نحتاجها وبإلحاح.

ولكنها ودئت في الحال…جهدهم أهدر… ولم يتم الالتفات له كالعادة …مكرسة حالة يأس انتابت أغلب علمائنا تتحسر على جهد ضائع سيضاف لجهود قديمة تغص بها أرفف مكتبات الجامعات ولا أحد يهتم لها ..ووصل الأمر بأغلبهم إلى فقدان الأمل و الانزواء والابتعاد عن حضور هكذا ملتقيات من مؤتمرات وندوات معتبرين ولا أحد يلومهم ،إن الاهتمام بإعداد ورقة وحضور هذه الملتقيات مضيعة للوقت والجهد فى مقال سابق كتبت لكم ما أخبرنى به صحفى مخضرم عندما فوجئ بوجود كتاب يضم خطة التنمية الثلاثية التى اعتمدتها الدولة الليبية فى مطلع السبعينيات من القرن الماضي في مكتبة وزارة التحطيط العالي في السعودية وهو بصدد إجراء حوار مع وزيرها وأثناء الحواراستفسر هذا الصحفي عن سبب وجود هذا الكتاب بالذات فأجابه الوزير أنها من أفضل الخطط التنموية التي اعتمدت عربيا بعد الخطة التنموية الخماسية عاش بلدنا تحولات جذرية .. الحلم كان أكبر من أن يستوعبه الواقع الذي اختلط بها الحابل بالنابل سنوات انتجت بسبب مداها الطويل حالة من الفوضى والعشوائية.. لا أبالغ إذا ما قلت إننا كمواطنين نعاني منها كثيرا ورغم صراخ الجميع بأن الواقع يحتاج إعادة صياغة على الأقل تضعناعند النقطة التي وصلناإ ليها قبل قفزنا على الواقع باتجاه حلم كان أكبرمن إمكانياتنا ألا أن مسؤولينا ينامون فى العسل ولا مبالاة مكرسين وضع تغيره باتجاه أفضل أصبح من الصعوبة بمكان.. وهو الأمر الذي حذا ببعض من يشتعل حبه ولديه بقايا أمل وحس عال تمتزج فيه الوطنية بالمسؤولية إلى اللجوء إلى المجتمع المدني على أمل أن تعوض الجمعيات الأهلية غياب دائم لمؤسسات الدولة ولكن هيهات في بلد كبلدنا سيطر على اقتصادها لسنوات طويلة القطاع العام وجاءت ولادة القطاع الخاص فيه قزمية مرتبكة إلى حد كبير حتى الآن لم يراكم القطاع الخاص رأسمال كبير لأفراد يمكنهم من اقتطاع جزء كبير من أرباحهم لرعاية مشاريع كبيرة ضرورية وملحة وتحتاج لملايين وملايين..أنا هنا لا أستهين بما يمكن للمجتمع المدنى أن يقدم في هذه المرحلة ولكن الحقيقة هي من يقول إن هذا المجتمع لا يمكن له الآن بصيغة قوانينه الضاغطة أن يحل هكذا فجأة محل الدولة ربما يفلح في رعاية بعض المشاريع الاجتماعية والثقافية الصغيرة ولكنه لا يقوى بأي حال من الأحوال على رعاية مشاريع كبرى …حتى في الدول التي تعمل فيها مؤسسات المجتمع المدني بفاعلية يتوازى جهدها مع مؤسسات التنفيذ….

…في مرحلة هامة كالتي نعيشها الآن نحاول فيها إعادة صياغة الأولويات حسب ما يطلبه الواقع …نحتاج بإلحاح لمنظومة تربط بين ما تقترحه المؤتمرات والندوات التي تقام على أراضينا بمعدلات كبيرة جدا فى السنوات الأخيرة وفى كل القطاعات وبين المؤسسات التنفيذية ..إذا كان هناك جدية فعلا في أجندة هذه المؤسسات التنفذية تعول علي إقامة ورعاية هكذا ملتقيات ..أما إذا بقي الحال على ما هو عليه ..سنظل نراوح في هذه الفوضى التي على ما يبدو أنها تنال إعجاب مسؤولينا الكبار ..وكل ما يقدمونه لنا هو مساحة كبيرة لإقامة هذه الندوات والحديث فيها لا يتجاوز القاعات فى جزء كبير منها هو دعاية لهم ومناسبة كبرى لهدر المال دون حسيب ولا رقيب..أنا لا أبالغ فوالله لو هناك استفادة تذكر تم جنيها من كم المؤتمرات والندوات التي تعقد على أراضينا لهان الأمرولكن ألا يتجاوز انعقادها حدود الكلام الذي أصبح الآن بجمرك صاربا فى مقتل مثلنا القائل بعكس ذلك.

فالكلام الآن جمركه عالي الثمن وللأسف حتى الآن دون أي داع… والمفارقة حرص مسؤولينا على إقامة هّذه الملتقيات بعدد كبير يؤكد حقيقة كلنا نعرفها..ولكن ما جدوى الكلام هم من بيده قوة الفعل.ونحن الصراخ هم لهم هدوء الواثق القادر الساخر الذي لسان حاله يقول…لنا بطرف خفي نحن لنا ما كسبت قوتنا..وأنتم الكلام…وخلو الكلام ينفعكم…

30.07.2010

مقالات ذات علاقة

صدام المصـالح بين الفـساد والإصـلاح

محمد المغبوب

ما جدوى الشعر؟ ما جدوى الحَرب؟

فرج العربي

مسقط وحكاية «واتس آب»

فاطمة غندور

اترك تعليق