من أعمال التشكيلية الليبية .. خلود الزوي
قصة

كـفـن العـنوسـة

قهقهة عمياء كهولة  تنبعُ من  حرقة الضياع ,  تخرجُ عن غير قصد عدة مرات..  عبر صدورٍ بائسة , عاجزة عن التعبير , متوهجة من عذاب القدر .

 تقبعُ تلك القهقهات  في إحدى القبور الدنيوية .. تمثلُ خيال أحياء ..  تتشكلُ على هيئة غرف شاحبة اللون ..  تسكنها الوحدة والمرارة  .. تناشد الفراغ ,ترثي الزمن , كأنها تنادي .. كأنها تستسلم  لصقيع الأمس واليوم والغد.

تزحفُ على ركبتيها ..  تُناجي بوصفٍ آدمي في ظلمة الصباح ..كأنها  تُعبر بتعبيرٍ يشير إلى الجنس الأخر ..  لا فائدة من مُناجاة البشر ..ستبدأ بالنعاس .. ستعبثُ بلعن الوقت  .. كأنها لا ترضى , لكن الحقيقة تسترد الأحداث والمواقف .. لا مكان للتكبر . فالذي مضي تراه ألان عقوبة تندفع  خلف قضبان الصدور .. باسم الحساب , باسم العقوبة , أنه (الضــمير) يقتبس الشخصيات.. لا يهدأ أبدا .. لا يصمت يثرثر ..يقلب الأوراق والمواجع .. يعاتب, يهاجم بعكاز الهوس .. يضرب فيضرب.. يكاد أن يشل البدن .. فيقف متعجباً لحظات ..  حائراً , متسائلا ,..خارج بقعة بيضاء اللون تسمى  ( الأمـــــل ) لكنه لن يغادر أبدا .

 تتكون  قصة ومن ثم تتحول إلي حكاية وكي لا تختلط الأمور , وتمزج الأولى مع الثانية .. وتصبحُ رواية كاملة تحفظ في ومضة من ومضات الماضي المهجور , حين كان الشتاء يعزف سيمفونية الريح والمطر .. لكن الشتاء أصبح غريباً  يختلف عن سابقه يعزف لحناً عشوائياً ناقص غير متكامل بين الرياح والعواصف  والمطرُ لا يهطلُ قط .  صار المطر كالضيف المنتظر الذي تأخر في قدومه .

بضعة شبان أو مجموعة شبان أو شريحة من الشبان الذين  يحلمون بــالـــ .. أينما ذهبوا.. أينما تفرقوا , أينما اجتمعوا ,متفقين على نفس الفكرة .. سهلة النطق .. لكنها صعبة التطبيق .. والمعاناة التي يراها الكل .. تُبكي إبليس عليه لعنة الله ,.. فما بالك بالبشر .. شاباتٍ ينتظرن قدوم الفرسان .. لم يأتوا في الموعد والسبب أن العدة والأحصنة غالية الثمن .

 وسرعان ما يعتدن على خيبة الأمل .. وعبرات متفاوتة .. وقهقهات شاردة لا عنوان لها .. ترمى في وجه الحياة .. بالبصق أو بالفناء .. برفع اليدينِ والدعاء .. بالتواصل مع قبح الحياة.. وقبح الوقت .. وهكذا تستمرُ الستارة مرفوعة إلى أن يستأذن الملل فيأذنُ له بالدخول .. فيدخل بسرعة نحو الغرف.. فتبدأ النهاية .. وتموت البداية .. وتغيبُ الشمس بسرعة دون جدوى في اللحاق بعربة الزمن . والعتاب لا يكتب , ولا ينطق , إلا أنه يختفي فجأةً .. ومع هذا نراه واضحاً في التجاعيد .. ومكتوباً في بياض الأعين .

اقترب دخول الصباح وبدأت الديوك في الصياح .. أو لعلها غصت , أو ماتت ,  لا يهمُ كثيرا فقد اعتدن على النهوض بواسطة  المنبه الكوني تشع بنورها أنها تقترب .. أشرقت الشمس وهي تتأسف  وتمسحُ بشفتيها على نوافذ تلك الغرف..  وتقول :- استيقظوا هيا .. استيقظوا .. يقمن بما وجب القيام  به .. ويبدأن بالتبرج الذي بات أساس التعريف الشخصي الذي  يُعتمد .. للأسف الشديد من قبل مغفل , أو سائق سيارة أجرة , أو محتال ..  والتزين هو كالزى الذي يرتديه المقاتل  في المعركة لا غنى عنه  .

 يخرجن من البيوت والوجوه ممتلئة بالمساحيق  التي تفزع الصغير والكبير  .. لا مكان لها إلا في السيرك العالمي حين تشاهد المهرج بأنفه المفلطحة يلاعب الكرات .. والملابس ضيقة تُعبر عن الثقافة (خدعوها باسم الحرية فتاة حسناء قمرية)  ينطلقن متجهات إلى  جبهة من جبهات المماطلة , والخنوع , والاستغناء عن ما لا يجب التخلي عنه . و تصبح الكرامة كلمة مسلوخة تتحول تلقائياُ إلى غرامة تُدفع مسبقاً ريثما يصلن .

 وفي الطريق لكل قصة وحكاية .. هذه ربما سيأتي نصيبي ,  وتلك ربما سأتزوج من مديري , والأخرى بكل ثقة ربما سأكون صاحبة منصب !!  و لا تدري هي والأخرى وغيرها .. من اللواتي يحفرن في يقظة الفراغ .. أن حاضرهن لا يمثل سوى المغازلات  التصبير , والتحرشات اليدوية التي تبدأ من الخارج وتصل مع مرور الوقت إلي الداخل .. والعلة تكمنُ في العقول وليست في الأبدان .

 ما إن يصلن إلي مجمعهن  يتبادلان الحديث بالطريقة الغوغائية .. تكاد الحناجر أن تخرج من مسارها الطبيعي .. لان تقارب والتخالط  المُلزم في المؤسسات  والمكاتب يولد عند نون النسوة  تشابه كبير في التركيبة فسيولوجية بالنسبة للمذكر السالم .

 يبدأ الحديث الذي لا يحمل في مجمله .. إلا النكد والهم   فلانة ارتبطت .. يعني ماذا ؟ خرجت من قبرها, وفلانة طلقت , يعني ماذا ؟ عادت إلي قبرها . وتصبح الثرثرة بالنسبة إليهن أداة التعبير .

 تقف إحداهن من المتسلطات اللاتي كانت في الماضي تفتخر  بجمالها وترفض كل من تقدم لخطبتها ..  واليوم  تقول :- كنت لا أبالي .. فتصمتُ قليلا .. والألسن تعد للهجوم.. لكنها ترفع راية السلام   ماذا ؟ تعترف بأنها ضيعت فرصة, اثنان, عشرة . وتنساب بضعة دموعٍ حمراء تُعرف بالحسرة .. تستاء وتستأذن بعد وقت قصير جداً.. وتجلس تبكي بعد أن أغلقت  الباب خلفها.

 تبكي ..و تبكي وتتهم من رأته يوماً سيصلح زوجٍ فتركها و تزوج أجنبية .

و يبقى  السؤال هو المفتاح الذي أصابه الصدأ ..ويصر الجواب على العناد وكأنه الباب الذي لم يفتح بعد . وبين هذا وذاك لا تجد إلا لغزاً لقيطاً ..  لا يفيد كثيراً بعد أن مر من العمر السنين .

 زادت الثرثرة مع وصول فوجٍ من الإحباط والعقد النفسي وأمراض القلوب .. وبعض الميتون ممن يحتلون حيزاً كبيراً على كوكب الأرض . هؤلاء غَنيون عن التعريف .. وخيراً لهم  لو فعلوا   وتركوا الشركات والمؤسسات والمراكز .. وتفرغوا لدراسة علم الفلسفة !!.

 لكانت ليبيا من الدول التي لا حقت بالفلاسفة الإغريق  .. هذه ليست مزحة وإنما واقعٍ نعيشه يومياً .. نسمعهم يتكلمون كثيراً لكن لا يعملون .. ما يهمهم سوى الحديث مع الأخريات وأدوار البطولة يتقاسمونها فيما بينهم وشعارهم  ( نحن نتكلم لكــن لا نطبق ) .

 يعلو الصوت بعد مضي ساعات من وصولهن وتنتهي بعراك مع أحد المحبطين الذين ممن يتمتعون  بحصانة ( عزوف الشباب ) تؤهله بأن يفعل أي شيء من أجل أن يثبت رجولته في مجتمعٍ لا يفهم نفسه أو ماذا يريد بالضبط ؟  .. فما بالك ممن يعيشُ في وسطه .. لا يعترف إلا بالعادات والتقاليد .. وتقديم العُرف على الدين هلاك“ يا أولياء الأمور .. من سيربي إن لم تربي أنتَ يا أبتاه .. ومن ستربي إن لم تربي أنتِ يا أماه .

 انه لمنظر بكل تأكيد يحمل حالة من التأسف والأسف على كليهما . انتهى العراك .. بتصالح لكن لا يجوز العناق أو التصافح .. يكفي تدخل أحد الفلاسفة وإعطاء النصائح الزائفة .. وتوبيخ الشاب بممازحة كاذبة .. والاستلطاف والتجرأ على الشابة . فيما تتبدل الروايات خارج الجبهة .. يقول المجنون :- أكاد لا أصدق !! ويقول العاقل :- أكاد أُصدق !! ويقول المجتمع  لا تتدخلوا هذا شأني أنا وحدي فقط . سرعان ما ينتهي الدوام .. وسرعان ما تدخل القيلولة في شتى الجبهات وجميعهن يوقعن لكي يرجعن إلى ؟؟؟؟؟ , كالأمسِ , واليوم , والغد . لا يوجد صيد من مختلف الأعمار .. أي كان صغير, كبير, وحتى  بقايا مُسن  . لم يتبقى إلا أكفان من العنوسة تُحمل على أكتاف العناد والإصرار على  القرار .. وعدم الاقتناع بالموافقة .

 لكن الزمن يصفع بشدة .. فتبدأ الأفكار تأخذ بعداً  اجتماعياً  أخر لم تكن يوماً في الحسبان .. أن ترضى هي والأخريات بسنة التعدد .

 أجل .. إذ لم يدفع , إذ لم يشجع , إذ لم تتكاثف الجهود .. وتتفق الآراء على أن التعدد الزوجات أمراً لا بد أن يكون حاضراً .. في مجتمعناً الرائع النزيه.. وإذا لم يكن كذلك .. سنكون في حقيقةِ أمرنا نحن من نوزع ونبيع أكفان العنوسة .

مقالات ذات علاقة

جسر الرماد

محمد الأصفر

الحمد لله

خالد مصطفى كامل

أمي

إبراهيم دنقو

اترك تعليق