من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
قصة

كعكة عيد الميلاد

ريم التُّمْبُـكْـتِي

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

صباح رمادي. نزلت في فجره قطرات من السماء أحالت أسقف السيارات إلى لوحات مرقطة بالتراب.

أطلت برأسها من النافذة. بدا لها أن النهار سيكون صاخبا بصمت فوهات الأسلحة الثقيلة. بدا لها أن النهار سيكون مناسبا لشراء كعكة عيد ميلاد للطفل النائم في الغرفة المجاورة.

عند منتصف الغرفة تقف بصدرية سوداء وسروال جينز يطابقها اللون. تبحث عن ما تغطي به ما بقي عاريا من بدنها. تختار قميصا مزركشا وترتديه.

أمام المرآة. تتفقد الوديان الضحلة التي بدأت تشق طريقها حول فمها. تحاول تسجيل صورة لوجهها الآن وتتساءل عما سيكون عليه بعد مضي 30 عاما. تغلق عينيها. تمعن النظر في المستقبل. تراهما تعانقا إكليل زينة عند الابتسام. وترى جبينها عَبَّدَت فيه الأيام طرقا للسلام. ترى فتتمنى أن تقف مجددا أمام المرآة بعد عقود من هذه اللحظة وقد تبدلت أوراق الشباب الملساء بأغصان عارية من السعادة، أخيرا.

في الأسفل. تدير المحرك وتشغل الماسحات لتنظف الآثار التي تركتها القطرات على زجاج السيارة الأمامي. تتذكر الكعكة فتخرج لمسار التراب والإسفلت.

في الطريق. تلحظ مؤشر البنزين المنخفض. تقرر التوقف عند أول محطة. تجدها مغلقة. تبحث عن أخرى. طابور من السيارات يمتد طويلا يبدأ عند مدخلها. يكسر صوت وقوع قذيفة في مكان بعيد سكون المعارك. يملأ السائقون خزانات سياراتهم بالبنزين. ثم يقدمون أوعية بلاستيكية لعمال المحطة مشترين المزيد. لا أحد منهم يدري إلى متى تستمر الحرب.

يحين دورها. يصعد المؤشر في اللوحة أمامها. لم تحتسب كم استغرق وصولها إلى المضخات. توقفت عن مراقبة الوقت في المحطات منذ مدة. تعلمت أن تراقب الحيرة والخوف والتعب في الوجوه من حولها. تعلمت أن تراقب القلق والترقب كتسلية سوداء.

تعود للأسفلت. تعود للبحث عن كعكة عيد الميلاد.

تحرك الريح الوشاح على رأسها. ترفع النافذة بجانبها قليلا. في الطريق بركة ماء. أمطار الفجر قد أغرقت بعض شوارع المدينة. تبحث عن مسار بديل ولا تجد. تقود السيارة نحو المياه ببطء. تخرج عند الطرف الآخر للبركة.

طابور سيارات آخر. زحام إشارة مرور خارج الخدمة. يصرخ سائق في وجه آخر. أذرع تخرج غاضبة من النوافذ. يترجل أحدهم. يتقدم محاولا فك العقدة في الوسط. تبدي علامات الضجر وتهز رأسها في عدم رضى عما ترى. يصرخ نحوها أحدهم من السيارة المجاورة “مش كان قعمزتي تراجي في مزين خيرلك؟”. صوت تفجير جاء من الأفق يشتت انتباهها. لا يسمع منها السائق الفظ ردا.

منذ عامين بدأت القيادة في هذه المدينة. اعتقدت حينها بإن هيكل الحديد المتحرك بعجلاته سيحميها وجسدها من الألسنة والأيدي المتطفلة. سرعان ما اكتشفت لاحقا أنها كانت مخطئة. اليوم تقود باعتراف تشابه السيارة وبدنها. اليوم ترى التشابه بين أرجلها والعجلات.

 والأبواب وأذرعها. بدأت تشعر بذات الروح العدوانية التي تلتقي بها مشيا على الأقدام. بدأت تساورها ذات الشكوك، وذات ردود الأفعال.

 فكما كانت تتفقد لباسها وتعدله مشيا، اليوم تراجع تحركات سيارتها وتنسحب بها بعيدا على الطرقات. اليوم كما الأمس ما زالت تخاف من غضب الرجال، فتسكت كثيرا.

على يسار الطريق يظهر طابور آخر، صفا من الناس وقفوا منتظرين. تتذكر محفظتها. فارغة إلا من خمسة دينار وبضع بطاقات. تتذكر أن عليها إيجاد دكان حلوى يقبل الدفع بالبطاقة المصرفية. لا تريد الوقوف في صف مماثل. لا تريد أن تمضي ساعات من يومها تنتظر الحصول على بضعة دينارات من المصرف.

أصوات معارك قادمة من جنوب المدينة. تقود شمالا. تبحث عن دكان حلويات بين الدكاكين على جانبي الطريق. تلحظ الضوء الأحمر مشتعلا في مؤخرة السيارة أمامها. تضغط على الفرامل. شابين في لباس عسكري غير مهندم، وشعور شعثاء، وشباشب. يشيران لها بالوقوف. تنزل زجاج النافذة. “وين يا أبلة؟” يسأل أحدهم. “طريق الشط” تجيبه كاذبة. فهي لا تعرف حقيقة أين ستنتهي بها كعكة عيد الميلاد. “لفي من هني” يشير بيده يسارا. “الطريق مصكرة القدام”. تفعل كما طلب منها. تنتبه مجددا لأصوات الأسلحة. تفكر في العودة إلى غرفتها.

تتجه عائدة إلى المنزل. تسمع أصوات الأسلحة الثقيلة تقترب وتشتد. تجد فجأة فكرة الاحتفال بعيد مولد طفل في مثل هذا اليوم فكرة مجنونة. تقترب من الشارع حيث تسكن. تفكر في احتمال سقوط قذيفة فيه، على منزلها. تتخيل سقوطها وعائلتها مجتمعة حول كعكة منتظرين أن ينفخ الطفل على لهب الشموع.

أطفال يحملون أكياسا من التشبس يمشون على الرصيف إلى يسارها. سعداء بما اشتروا، يأكلون. لم تفسد أصوات المدافع فرحتهم.

تقرر العودة إلى بحثها عن الكعكة. ستشتري واحدة، وستحتفل، وستأكل قطعة منها وإن كان أكلها آخر عمل تقوم به.

تجد طريقا جديدا. تستأنف البحث بإيمان أعمق وأكثر مرونة. تلمح دكانا. تصف سياراتها يمينا. تترجل. تدفع الباب. هواء المكيف البارد يهاجم وجهها. تتجه نحو الشاب عند الصراف. تسأله إن كان يقبل الدفع بالبطاقة المصرفية هنا. يجيب بالنفي متأسفا. تعود لسيارتها.

تجد دكانا مغلقا. وآخر ليس لديه كعكات غير محجوزة. كان عليها أن تتصل أو تأتي لطلب الكعكة قبل أيام. هكذا قال لها. ولكن كيف كان لها أن تتنبأ بسير المعارك؟ هل تشعر وحدها بقرب الموت والتشرد؟

عندما وجدت الدكان حيث حصلت أخيرا على كعكة مناسبة، كانت قد ابتعدت عن منزلها كثيرا. كان كبيرا. غير مزدحم. أبيض الجدران، بيجي الأرضية.

– السلام عليكم.

– وعليكم السلام.

– لو سمحت عندكم تورتات؟

– ايه غادي.

يتحرك. تتبعه. يأخذها إلى حيث عرضت الكعكات جنبا إلى جنب. يسألها أيها تريد. تفكر قليلا. تسأل عن أسعارها. 70 دينارا وبإمكانها أن تدفع نقدا أو بالبطاقة، هكذا يقول. تختار واحدة أخيرا. يأخذها. يضعها في علبة كرتونية. يربطها بشريط. تذهب إلى الصراف. تدخل الرمز. تأخذ العلبة. تخرج.

تعود إلى منزلها. تسمع المؤذن ينادي إلى صلاة العصر. تقوم بتجهيز الطاولة. يجتمع الجميع. الطفل يكاد يطير فرحا. أصوات المعارك تستمر. تنفخ الشموع. تُقّطع الكعكة. تُؤكل. لا تسقط أية قذائف تفسد الحفل.

مقالات ذات علاقة

الحنين الي الأراض الخصبة

المشرف العام

الايام الخوالى

المشرف العام

نيْزك عذري

المشرف العام

اترك تعليق