محي الدين كانون، سالم الزريقاني، عبدالله مليطان
شخصيات

كانَ حديثُهُ بطيئًا وعباراتُهُ مُنتَقاةً

سالم الزريقاني


شعرتُ بحزنٍ عميقٍ جدًّا حين قرأتُ الخبر الفاجع على وسائل التواصل الاجتماعيِّ قبل قليلٍ، وهو نبأ وفاة أحد أعزِّ أصدقائي الليبيِّينَ القدامى، أعني به الأستاذ الكاتب محيي الدين كانون، أسأل الله أن يتغمَّده بواسع رحمته.

ومحيي الدين، لمن لا يعرفه، تخرَّجَ في جامعة بنغازي، وكانَ حديثُهُ بطيئًا وعباراتُهُ مُنتَقاةً، وكان هادئًا وحسّاسًا ومُسالِمًا ومشغوفًا بحبِّ الوطن.
ومنذ أن تَعَرَّفْتُهُ في ذلك الصباح الباكر في بداية عقد التسعينيّات في أحد أروقة مكتبة كلِّيَّة التربية، وجدتُّهُ دائم البحث عن الكتبِ الجديدةِ في تخصُّصه (تاريخ العلوم وفلسفتها ولا سيَّما عند ابن الهيثم). وقد قدَّمَ إليَّ نفسه بطريقةٍ عفويَّةٍ جدًّا، وأخبرني أنَّه أحد طلبة الدراسات العليا، وأنَّه قد التحق منذ مدَّةٍ بقسم الفلسفة، وأنَّه بصدد كتابة رسالةٍ ممتازةٍ لنيل شهادة الماجستير، وهي تعادل عندي (أطروحة دكتوراه) ولا سيَّما إذا قارنّاها برسائل الماجستير التي كانت تُنجَزُ في ذلك الحين أو بعدَ ذلك، وكان عنوانها (نظريَّة الإبصار عند ابن الهيثم).

محي الدين كانون، سالم الزريقاني، عبدالله مليطان
محي الدين كانون، سالم الزريقاني، عبدالله مليطان


والحقيقة أنَّ العنوان قد أثار فضولي، فقلتُ له: ليس لدينا متخصِّصونَ في هذا الحقل، فمن الأستاذ الذي سيشرف على هذه الرسالة؟ ففتح لي في ذلك الوقت صندوق باندورا، وأخبرني أنَّ وراءَ هذا الموضوع قصَّةً أو ملحمةً طويلةً؛ فقد بدأت القصَّة حينَ سافَرَ إلى فرنسا على حسابِهِ (وكانت إيفاداتُ الدَّولة في ذلك الوقتِ بالجملة)، وأقامَ في باريس، واتَّجه إلى دراسة اللغة الفرنسيَّة ليُهيِّئ نفسهُ لتسجيل الرسالة في جامعة السوربون. وبعدَ ذلك بمدَّةٍ قليلةٍ تعرَّف الأستاذ المشهور الدكتور رشدي راشد [الذي أظنُّ أنَّه هو من نصحه بدراسة هذا الموضوع]. وبالفعل، بدأ كتابة الرسالة هناك، ولكنَّ ظروفًا طارئةً عصفت به، منها ظروفٌ أُسَرِيَّةٌ وماليَّةٌ، فاضطُرَّ إلى ترقين قيده والعودة مجدَّدًا إلى الوطن على أن يستأنف تسجيل رسالته في جامعة الفاتح سابقًا (طرابلس حاليًّا) واستكمال مسوِّغات المناقشة.

وكان متفائلًا جدًّا، ولم يكُن يعلم أنَّ هناك دورةً روتينيَّةً منهكةً تستلزمها مناقشة الرسالة، وهي تُشبِهُ الملحمة وتستحقُّ أن يُروى طَرَفٌ منها…
إذ عرض موضوعه على إدارة القسم، وكان فيهِ حينذاك الدكتور محمد ياسين عريبي والدكتور عليّ فهمي خشيم رحمهما الله وآخرون. وكان أهمُّ سؤالٍ طَرَحَهُ أساتذةُ القسم هو: من سيُشرف على هذه الرسالة، ولا سيَّما بعد سفر الأستاذ الفلسطينيِّ المقتدر الدكتور نبيل الشهابيّ؟ فعُرِضَ الإشرافُ على الدكتور محمد ياسين عريبي، لكنَّه اعتذر، ثمَّ عُرِضَ على الدكتور عليّ فهمي خشيم، فاعتذر هو أيضًا، وبعد ذلك كُلِّفَ أستاذٌ عراقيٌّ (دَرَسَ في مصرَ دراسةً تقليديَّةً وتَلمَذَ للأستاذ عاطف العراقيّ رحمه الله) الإشرافَ على القسم النظريِّ من جهةٍ، وكُلِّفَ أستاذٌ آخرُ (ليبيٌّ) من كلِّيَّة العلوم متخصِّصٌ في الفيزياء الإشرافَ على القسم العلميِّ من جهةٍ أخرى، ولم تُناقَش الرسالةُ إلّا بشقِّ الأنفُس وبعد جهودٍ خرافيَّةٍ بذلها محيي الدين حتّى استقامت الأُمور.

والمؤسفُ أنَّه لم يُعَيَّنْ بعد المناقشة أُستاذًا في الجامعة، إذ التقيتُهُ مرَّةً واحدةً بعدَها فأخبرني بهذا الأمر وشكا لي الأوضاع المأزومة التي كانت الجامعة تمرُّ بها.
وقد دامَت علاقتنا بضع سنواتٍ، ثمَّ تفرَّقت بنا السُّبُلُ حينَ رَحَلْتُ عن ليبيا وأقَمْتُ في بيروت إقامةً نهائيَّةً. وكم كُنتُ أتمنّى أن يُواصِلَ دراساتِهِ في تخصُّصهِ ويُراكِمَها؛ فنحن أحوجُ ما نكونُ إلى ذلك، لكنَّهُ اتَّجَهَ، ويا للأسف، إلى الصِّحافةِ كلِّيًّا، وتفرَّغَ لها، وعزَفَ عن الاستمرار في الكتابة في موضوعه.

________________________________________________
صورة تجمعني بالمرحوم الأستاذ محيي الدين كانون والدكتور عبدالله مليطان في جامعة الفاتح (سابقاً) وطرابلس حالياً

مقالات ذات علاقة

أمازيغي المدينة القديمة

عزة المقهور

المحامي علي الديب… سيرة رجل 

المشرف العام

الأديب كامل عراب … رحل وترك حسرة

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق