المقالة

كانوا ثـلاثة أخوة وفقـط

 

 

 

ثلاثة ثيران أخوة, ذات ألوان ثلاثة: أبيض وأحمر وأسود.. هكذا تقول الحكاية وتقول بأنهم عاشوا معاً, مترابطين متماسكين, يجمعهم حب واحد وقلب واحد يدهم واحدة وحياتهم معاً نغم من التآلف والاتحاد إذا اشتكى أحدهم تداعى له الباقون بالسهر والعناية وإذا فرح أحدهم عاشوا فرحته معاً وإذا تعثر أي منهم تمتد كل الأيادي تحيطه بالرعاية والاهتمام لا أحد يقدر أن يدخل بينهم ومن تسول له نفسه الفرقة أو زرع العداوة انتصروا عليه وسارت حياتهم هكذا سنين طويلة ولأنهم – كما قلت في البداية – يد واحدة, وقلب واحد, لم يقدر الذئب المشهور بغدره ومكره أن يفرق بينهم, أو يستأثر بأحدهم

وظل زمن طويل يترصد عن بعد حالماً بوجبة شهية فكر الذئب, وفكر, لابد له من حيلة كي يخترقهم لابد أن يستأثر بواحد منهم إنه لا يقدر عليهم معاً وهنا هداه مكره للتقرب منهم فأشاع في الغابة بأنه صار نباتياً لا يأكل سوى العشب وأن نفسه عافت العنف واللحم والعدوان ولبس مسوح الناسكين, وأسبل جفنيه رقة وخشوعاً وصار صوته هامساً, وكلامه حكمة ومعرفة واعتزل الدنيا متخذاً من وكر قريب من الثيران معبداً له, ومدرسة للحكمة والعلم والتعليم لقد قرر الذئب تحقيق حلمه ولو طال الزمن !! ومرت الأيام, والذئب في سماحته ورقة شمائله نعم الجار للثيران يحييهم, يبتسم عند لقائهم, يساعدهم, يعلمهم, يمنحهم من قوته وحكمته الكثير والكثير, ومن ثم يبثهم نجواه, ويغسل نفسه أمامهم بدمع الندم عن كل الجرائم التي ارتكبها ويعلن لهم توبة نابعة من القلب ورغبة أكيدة في إسعاد الجميع ويوماً بعد يوم استطاع الذئب أن يكسب ود الأشقاء الثلاثة بل صار واحداً منهم, يشاركهم حياتهم حتى اطمأنت قلوبهم وأدخلوه بينهم!!.. ومرّ الربيع بعد الربيع, وجاء الشتاء, وانقضى صيف يتلوه صيف والذئب صابر مثابر في خطته ينتظر اللحظة الحاسمة لتحقيق حلم حياته وذات شتاء قاسي البرد, غاب المطر, وجف الزرع, وشح الطعام وصارت ظروف الحياة صعبة وبدأ الثور الأسود يشعر بالوهن فهو أكبرهم سناً, وأكثرهم مرضاً لذلك لم يعد قادراً على الخروج معهم وصار يقبع في مكانه انتظاراً لما يحضره له اخوته من طعام وهنا أدرك الذئب بأن حلمه اقترب وفي ذات يوم لم يجد الثوران والذئب ما يأكلونه ووسط الجوع والبرد وسوس الذئب للثورين قائلاً: (كم تغيرت الحياة يا أصدقائي إننا بالكاد نجد ما يسد جوع جوفنا ورغم ذلك فنحن نحمل ما نحصل عليه إلى أخينا الأسود) وصمت لحظة ثم أضاف هامساً: (انه سيتأثر بكل ما نأتي به نحن نتعب وهو يأكل حن نشقى وهو يرتاح بل إننا نتعرض للخطر والبرد وهو قابع ينتظر ما نأتى به وانتظر لحظة, ثم أضاف وكأنه يخاطب نفسه: (لقد دبت الشيخوخة في أوصاله), وصار فماً مفتوحاً فقط ل ايفيد بشيء وهنا سأله الثوران المتعبان: (وماذا نقدر أن نفعل?) وهمس الذئب بنعومة: (نطرده فلا فائدة منه, أليس كذلك ?) وتحت وطأة الألم والبرد والجوع هز الثوران رأسيهما موافقين !! وقبل أن ينتهي اليوم كان الثور الأسود طعاماً شهياً للذئب !! ولأن للذئاب شهوة لا تنقطع فقد حان دور الثور الأحمر, ولم يجد الذئب أي صعوبة في إقناع الثور الأبيض بالتخلص منه فكما قلت إن الجوع والتعب والخوف خير سلاح للغادرين  ولم يحتج الذئب إلى اختلاق الحجج للتخلص من الثور الأبيض, فقد صار وحيداً لا سند له ولا قوة وم اهى إلا أيام قليلة حتى كشف الذئب عن وجهه الحقيقي, وصاح في الثور بغطرسته المعتادة قائلاً: (أيها الثور الغبي, لقد حان دورك !!) وهنا طأطأ الثور الأبيض رأسه وقال بصوت كسير: (أيها الذئب لقد أكلتني حقاً يوم أكلت الثور الأسود)!

 

_______________________

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3956.. التاريخ:30/03/2003

13.06.2008

مقالات ذات علاقة

تأملات حول أزمة كورونا

المشرف العام

تأثير عميق، كتابة قليلة

عمر الككلي

زمن الشعر وزمن الثرثرة

عادل بشير الصاري

اترك تعليق