المقالة

كاميليا المهدي.. نبتت في بنغازي وأزهرت في سان بطرسبرغ

بوابة الوسط

تحتاج “كاميليا” الزهرة إلى الكثير من الضوء لتزهر وتتألق، هكذا تقول الطبيعة، وهذا تماما ما حدث مع “كاميليا” الفتاة البنغازية التي جاءت إلى الدنيا في الرابع عشر من يناير 1984، وغادرت مسقط رأسها وهي طفلة بعمر الخامسة، فحملتها مهنة والدها في السلك القنصلي الليبي إلى “قبرص” وجهة عائلتها الأولى التي قضت فيها عاما كاملا، لتنتقل فيما بعد إلى “سان بطرسبرغ” فتشهد طفولتُها على الأحداث المفصلية المهمة التي مرت بها البلاد وانتهت بأفول نجم الاتحاد السوفييتي عام 1991، لكن روسيا العريقة ظلت مصدر الوهج الذي احتاجته هذه الزهرة اليانعة لتزداد ألقا.

تقول “كاميليا” إن والدها سعى إلى التقاعد بطلب تقدم به للحكومة الليبية بهدف التفرغ للعمل التجاري، لكن هذه الأخيرة عينته خبيرا في الشؤون الروسية، حينها غادرت الطفلة “كاميليا” صحبة والدتها إلى مصر لتدرس هناك المرحلة الابتدائية كاملة، وتعود بعدها إلى موسكو حيث أنهت تعليمها الثانوي والجامعي.

عندما تقرأ سطرا واحدا لها سيتسلل إليك فورا شغفها بما تقوم به، ولعل للمكان والزمان يداً في ما اعتمل داخلها وقتها، فقبل أن تبدأ مشوارها الجامعي كانت تجذبها “الصحافة”، ولم تُخفِ تأثرها بكبير الصحافة المصرية والعربية “محمد حسنين هيكل”، والأميركي العظيم “توماس فريدمان”، والروسية “آنا بوليتكوفسكايا”، لكن من تراءت لها عندما لاحت “إنترفاكس” من بعيد هي الصحفية الشهيرة “كسينيا سوبتشاك” التي رغم تألقها وشهرتها كممثلة وصحفية ومذيعة إلا أن ترشحها لرئاسة روسيا العظيمة في مواجهة قيصرها “فلاديمير بوتين” هو ما فاجأت به العالم سنة 2018، ولهذا قصة تذكر “كاميليا” كل تفاصيلها.

فبعد تخرجها من الجامعة سنة 2006، لاح في الأفق حلم قديم، فقد كانت ضمن فريق الجامعة للنحت على الجليد الذي استضافته وقتها إذاعة محلية لتتولى “كاميليا” سرد أسباب فشل فريقها في الحصول على ترتيبات متقدمة في مهرجان مدينة “كراسنويارسك” وقتها، وصفها لذلك الفشل كان ناجحا لدرجة جذب انتباه المذيع الذي امتدحها على الهواء وكان جادا حدّ استدعائها قبل مغادرة حجرة البث، وبعد أسئلة كثيرة وحديث طويل سألها مباشرة إذا كانت تحب العمل الإذاعي؟

في تلك اللحظة بالذات تراقصت صورة “سوبتشاك” في وجه الفتاة الحالمة، لتنضم بعد شهر واحد من هذا اللقاء إلى العاملين في تلك الإذاعة التي عرفت فيما بعد أنها تنتمي للإمبراطورية الإعلامية المستقلة “إنترفاكس”، وبعد عام اشتركت “كاميليا” في مسابقة لشغل وظيفة صحفية في الوكالة، ونجحت لتُقبل كمتدربة لمدة عام، كان عليها أن تجتاز فترة التدريب في المدة المقررة أو أن تطيل المدة عاما آخر وفي حال فشلها تدفع تكاليف تعليمها التي اقتربت من 22 ألف دولار، قبلت الفتاة التحدي ودخلت هذا السباق مع الزمن، ليس بسبب المبلغ الباهظ فحسب كما قالت، بل لتختصر المشوار وتتفرغ للعمل ودراسة الماجستير، وقد نجحت بحلول العام 2008 في اجتياز فترة التدريب، لتصبح صحفية في “إنترفاكس” وتعيش متعة الانتساب لهذا الصرح الشاهق.

تقول “كاميليا” إن حنينها للتراث العربي كان قويا لدرجة أن والدها نصحها بالجمع بين هذا الحنين وشغفها بالصحافة، وهذا ما حدث فقد انتسبت بالتزامن مع دراستها الجامعية إلى أحد المعاهد العليا التابعة للجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب حيث ينتمي الدارسون هناك إلى أكثر من 450 قومية.

لم يقف شغف “كاميليا” الصحفية بالتعلّم عند حدود إتقان اللغات الروسية والإنجليزية والأوكرانية، فتعلّمت اللغة العبرية أثناء التحضير للماجستير بعد أنْ نصحها بعض أساتذتها بذلك إذا كانت مهتمة بدراسة ثقافات الشرق. كان هذا عام 2011، ولم يمنعها زواجها في مارس 2013 من نيل الماجستير في السنة نفسها عن دراستها الموسومة بـ “الثقافة العربية صديقة للثقافات الأخرى وليست خصما لها: دراسة مقارنة بين الثقافة العربية وثقافات الغرب”، وفيما يبدو غلبة لشغف على آخر تركت “كاميليا” العمل في وكالة إنترفاكس سنة 2016 لتتفرغ لاستكمال مشروع أطروحة الدكتوراه التي حصلت عليها من جامعة موسكو أوائل عام 2017 بعنوان الدراسة نفسها التي نالت عنها الماجستير.

عمرٌ حافل بالإنجاز والألق في بلاد لا ينجح فيها إلا الموهوب والمجتهد، تقول الدكتورة كاميليا إنها تعلمت من إنترفاكس العمل بروح الفريق، وتعلمت من التدريس أن الدكتوراه ورقة تؤهل حاملها لنقل معارفه للآخرين ليظل مدى تأثيره فيهم وإجادة نقل ما تعلمه إلى مهارته من جهة وإلى مواكبته المستمرة للقراءة والإحاطة بمستجدات تخصصه من جهة أخرى.

تتحدث “كاميليا” عن والدها بفخر وتقول إنها أخذت عنه حفاظه على الهوية الثقافية الليبية، وتقول بفخر أيضا إن والدها لم يكن مناضلا رغم دعوات أصدقاء وزملاء له تحولوا لمواقع معارضة للنظام، وتضيف أن علمه لمرجعيات بعض هؤلاء ومصادر تمويلهم جعلته ينأى بنفسه عن النظام من جهة وعن معارضيه من جهة أخرى.

ترتبط روح هذه الفتاة بالمكان فتقول إنها مدينة لليبيا بهويتها وأصولها ومدينة لروسيا بمعيشتها وحاضرها وحتى مستقبلها، الدكتورة كاميليا اليوم أم لطفلتين، تحب عائلتها، وتتخذ من جامعة موسكو مسرح نجاحات كبيرة. إن عمر “كاميليا” الزمني يتضاءل أمام عمر طويل من النجاح ومن الإنجاز، وفي روسيا العظيمة لا يكون هذا يسيرا، قلب خفق للحياة في بنغازي فاحتفت الحياة به وتوهج في سان بطرسبرغ، وزهرة بزغت في ليبيا وازدادت حسنا ونضارة في روسيا، إنها قصة نجاح حقيقي لا يشوبه تملق ولا تشوهه وساطة ولا يدعمه شيء لسيدة لا أظن حتى استخدامها لاسمها الثنائي فقط كان اعتباطيا، فهي “كاميليا المهدي” فقط، ابنة الرجل الذي تعشقه مجردا من أي انتماء قبلي أو مناطقي آخر، لا تخفي انتماءها لوطنها الأم وارتباطها الروحي به، وتجاهر بعشقها لوطنها الذي منحها كل شيء وصنع لها حاضرا ومستقبلا استحقتهما، فسيفساء جميلة وبديعة صنعتها هذه الكاميليا، بسبعة ألوان وأكثر.

مقالات ذات علاقة

ثقافة ﺍﻟﻤﺎﻳﻜﺮﻭﻭﻳﻒ

المشرف العام

الساسة ومنظومة الأخلاق

آمنة القلفاط

حكاية الألوان في لغة الضوء والظلام

سالم العوكلي

اترك تعليق