قصة

كاكاويّة …

لوحة تكسيرات لسمر غطاس

 

إلى روح ” حناي ” فاطمة  مروان  …

قُبيل انكسار خيط الفجرِ الأسود و تكتل الخيوط البيضاء في دائرة السماء ، و قُبيل أن يصعد الديك الأسمر ” المريّش ” معقوف العُرف أعلى سطح ” البراكة ” و يبدأ طقوسه الخاصة في الاحتفاء بنزول ملائك الرحمن  ، و قُبيل أن يتغلغل صوت المؤذن داخل الحارات و الأزقة .. تتفتح زهرتا الحاجة فاطمة العسليتان تبحث عن نورِ الله و تمتم بثغرها الصغير بالتسابيح و مباركة اليوم الجديد … تجلس لدقائق قليلة على سريرها الواسع الكبير الذي دائماً ما ضم تحته الحلوى و البسكويت و ” شكاير الكاكويّة ” حتى تنتهي من أذكار الصباح . و عندما يصدح المؤذن بالصلاة ، تغالب جسدها الهرم بروحها الشابة … تملئ دلو الماء في باحة البيت ، تتوضأ و لا تنسى أن تخلل الماء داخل خصلات شعرها الأحمر و جسمها الأبيضِ … تقترن حركاتها و سكناتها بذكر الإله . بعد أن تنتهي من الوضوء تنحني على نبات الزينة بالباحة بما تبقى من ماء الدلو .. ثم تبدأ طقوس الصلاة خاصتها … تفرد سجادتها العتيقة و التي مر الزمان حتى استعارت من الحاجة رائحتها الياسمينيّة الخاصة ، تصلي واقفة أو جالسة حسبما يتفق مع صحتها اليومية التي في تغير مستمر .. تجلس بعد الصلاة لتمرر حبات المرمر بين يديها في تكرار مُستحَب لمدة ساعة لا يرف لها جفن … فهي ترى أن الفترة من الفجر حتى شروق الشمس لا يباركها الله ما لم تكن خالصةً له .

عندما تُقبل الشمس زجاج نافذتها و تتسرب أشعتها عبر ” البرسيانة ” لكيْ تداعب وجه الحاجة الوضاء ، تضع سبحتها جانباً و تتكئ على ما تبقى لها من صحة ، تجلس واضعةً قدمها إلى الأمام و الأخرى تخبئها تحت ” الردي ”  الزهري ، تبحث عن شيء بصدرية ” الردي ” و التي لطالما خبأت كنوزاً أيضاً بداخله ، “خلالات” و مفاتيح لصناديق تؤدي إلى كنوز أخرى و حلوى تخرجها على عجل حتى لا يعرف الأطفال مكان الحلوى الأصلي  ، يبدو المشط الأسود الصغير داخلها، تفرد شعرها إلى الأمام لتبدأ في تمشيط خصلاته ، تمرر بعضاً من زيت الزيتون دونما إسراف و تكرر العملية … فهي حتى و إن كانت أنثى هرمة تعرف قدر أنوثتها و تحتفظ ببعضِ الوقت لها .

تخرج للجنان الترابي الواسع تمسك بيدها كيس ” النّعَمَة ” ، و تتجه على مهل لا يأبه للوقت المتسرب من بين يديها ، تتقدم نحو ” براكة السعي ” و الديك المعقوف العرف يزداد صياحه و كأنه رأى ملاكاً يتجه نحوه و يرزقه من ما وعده الله به ، تفرغ الحاجة محتويات الكيس في المكان المعتاد ، مكرونة أو أرز أو كسكسي على حسب الوجبة المتبقية من عشاء الأمس – و التي أحياناً ما تحتفظ بها لليوم التالي لكيْ تتغذى عليها فهي ترى أنه من العيب أن لا يكمل الإنسان ما رزقه الله من طعام- فيقفز الديك فرحاً يقتاتُ . تفتحُ براكة السعي ، تدخل بكامل وقارها … و تضع بعضاً من البرسيم في الأماكن التي اعتادت على أن تضعها فيها ، تفتح الباب الموصد على ” الشويهيات ” لكيْ تخرج الحيوانات الجائعة للنور و الأكل مسرعة كل يعرف مستقره .

الحاجة ” موشمة ” ، و وشمها الأخضر يرتسم تحت ثغرها الوردي في خط باهت قليلاً ، يوحي بأن زينها كان سيأخذ بلب الرجال عندما كانت ذرة مصونَة لو لم توضع في عمق البحر ، البحر الذي شكل نسيمه – أو تقريعه كما يقول السكان المحليون – الصباحي نفسية الحاجة المائلة للهدوء و التناغم البسيط مع الطبيعة ، تلفُ إيشاربها الأبيض بطريقة تخرج الكثير من شعرها ، تكتنزُ داخل الرداء الزهري … قصيرة بعض الشيء إلا أنها كانت ستلهم خيال شاعر غِر في تلك الفترة من العمر ، لطالما أحببتُ الوشم … و كنت أتخيل نفسي بذات الوشم الأخضر يخترق ذقني ، أتلمس ذقني الخالي من الأوشمة ثم أحاول أن أداعب ذقن الحاجة الموشم .

الحاجة أيضاً ” مرابطيّة ” يقول لي أحد الرجال منوهاً لإيمانها … ثم يضيف ” كانت مرا مُباركة ” ، و أعلم ذلك … لأنّي و بطفولتي الغرّاء كنتُ أركض حتى أنال البركة من يديها العجوزتين أقبلهما ثم أرتقي إلى الرأس لمزيد من البركة ، الحاجة أيضاً فقدت أسنانها كاملةً ، تضعُ طقماً صناعياً يزيد من ارتباكي و من الهالة المقدسة التي وضعتها لها ، كنت أسأل أمّي ” كيف تقدر تنحي سنونها ” فتضحك دون إجابة جاعلةً إياي في حيرتي ، و كنتُ أخاف من ذلك ” التاكم ” الذي يرتقبني عندما تضعه جانباً لتنام أو لتتناول شيء يسير …

عند انحدار الظهيرة تجلس الحاجة لصنع الشاي لرفيق الدرب و الحياة ، تصنعه بحبها و كامل التعتيق الموجود بنفسها … تحافظ على ذاتِ المقادير ، تردد بعضاً من الأناشيد الشعبية الصعبة الفهم فهي ضاربة في القِدَم … عندما أكون بجانبها هذا يعني أنها ستحاول قدر الإمكان إلهائي عنها ، ترسلني مثلاً لكي أتفقد ” الشويهيات ” كما تطلق عليهم … فتسرع إلى سريرها ، مصدر كنوزها تخرج ” الكاكاوية ” بصحبتها ” المهراس ” لكيْ تصنع ” الطاسة الثالثة ” كما تحبها ، تضع ” الكاكاوية ” على النار قليلاً … ترش عليها بعضاً من الملح ، ثم تحركها بيدها على مساحة ” الطاوة ” حتى تكتسب لوناً بُنياً مائلاً إلى القليل من السواد ، تضعها بعد ذلك في سفرة صغيرة كيْ تقوم بنزع القشور و ذلك بتدوير حبات ” الكاكاوية ” على يدها لكيْ تسقط القشرة الزائدة بسهولة ، تكرر العملية حتى تنتهي الحبات … تبحث عن الحبات المختبئة بين القشور و لا تدع مجالاً لواحدة كيْ تهرب منها ، تفصل بعضها لكيْ تضيفه إلى ” الشاهي ” ، أما ما يخص حصتها فإنها تقوم بمعاملته معاملة خاصة … تضعه في ” المهراس ” و هو إناء برونزِي اللون من النحاس و قد نُقشت عليه بعض الزخارف من الخارج لا يتجاوز قطره الخمسة عشر سنتيمتر مربع دائري ، يرتكز على قاعدة تعطيه شكل قطع المزهرية ، مصحوب بعامود برونزي لطحن الحبات التي تحاصرها حيطان الإناء … تضيف عليها بعضاً من السكر لكيْ تعطي الكاكاوية طعماً ألذ ، و تكرر عملية الطحن … عندما أكون قد عُدت ، أجلس أمام ” العالة ” حتى أنال حصتي … تنظرُ إلي بنصف نظرة ثم تقول لي ” تبيها مرحيّة و إلا عادية ” ، أخاتلها … أقول ” لا عادية ” ، و بعد أن أنتهي من كأسي ، أطلب منها المزيد ، تأنف في أول مرة ، ألح ، فتأنف ، حتى ترضخ و تعطيني بعضاً من ” المرحية ” التي أشربها على مهل و وجه البسمة المنتصرة هو وجهي .. تكتشف أنها ارتكبت خطأ في إعطائي المزيد ..

تنادي الحاجة والدتي قائلة ” الكاكاوية وين يا لطفية ؟ ” ..

أساءلها في داخلي ” الكاكاويّة وين يا حنّاي ؟ ” .

مقالات ذات علاقة

السماء زرقاء…

أحمد يوسف عقيلة

باص باص باص

حسن أبوقباعة

كـذبـة

علي جمعة اسبيق

تعليق واحد

solaf altrablsi 25 مارس, 2013 at 12:35

نقدر نقول ان “الكاكاوية” هى اكثر حاجة كتبتها حركتنى بهالشكل!!
انى ماعمريش قريت شى بالجمال هدا.

رد

اترك تعليق