من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
المقالة

كازينو

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

في المدينة العربية الكبيرة التي التقينا بها وفي ليلها المنعش والمبهج بالنسبة لنا, “نحن أبناءَ الرمل والعطش” وتيمناً بكل الصعاليك والمتمردين الذين حفظنا سِيَرَهم الضالة منذ “طرفة بن العبد وحتى بودلير الضليل ” فتشنا عن واحة للبهجة والعربدة والضحك وأيضا للبكاء, فتشنا عن “كازينو ” ودونما جهد كبير وجدناه .
كان، وككل الكازينوهات كما عرفناها عبر السينماء العربية, به موسيقى ورقص ونادلون وأنذال بالتأكيد, وضجيج منعش وبهيج, نادلوه شديدو البشاشة وفتواته شديدو التجهم وأنواره، رغم خفوتها، حارة.

كازينو تلك المدينة العربية الكبيرة كان استثمارا لإحدى الدول العربية المحافظة التي تمنع الخمر على أراضيها وتمنعه على أي شبر تملكه في قارات العالم، ولذا فكازينوهاتها المنتشرة عبر القارات يُمنع فيها الخمر ولاتبيع إلا ما حلل الله من المشروبات والملذات الطيبات, يرقص فيها الرجال ولايسمح للنساء إلا بالتمايل والغمز الخفي المحتشم.
نحن وزبائن ذاك الكازينو “المحافظ ” كنا “سكارى وما نحن بسكارى” فكل ماحولنا مُسكر ومعربد ولايبدو شرعيا رغم كل القوانين !!
الكازينو كان دكان بهجة صغيراً وربما سرياً في بداياته، ولكنه تحول إلى مؤسسة اقتصادية هامة وخطيرة, بل تحولت مدن بكاملها إلى كازينو، “لاس فيغاس ” مثلا. بل إن بعض البلدان تكونت اقتصاديا على أسس الكازينو وخدماته ودخله وتحول راسماليوها إلى أرباب كازينوهات وعمالها إلى نادلين وراقصات .
الكازينو، ورغم الخجل من الإعلان عنه عند بعض البلدان, رسم ملامح اقتصاديات وناورت على فكرته وضرورته بعض البلدان مضطرةً لوجوده ووجود فلسفته الاقتصادية الجهنمية، والكازينو العربي الذي دخلناه أحد الأمثلة على ذلك .
إثر حرب فيتنام والانهيار والعجز الاقتصادين اللذين ضربا أمريكا, ظهرت نظرية تحرير الدولار من الغطاء الذهبي وتدشين ثورة المضاربين وتجار”البورصة “، ظهر وبمصطلح واضح وجلي “اقتصاد الكازينو ” وهو اقتصاد يعلي من قيم الاستهلاك ويحول المواطن إلى زبون كازينو, وتتحول سلع الكماليات إلى ضروريات ويهيمن اقتصاد الخدمات بدل الإنتاج. كان ذلك التتويجَ لنظريات اقتصاد السوق وديناميكية وحيوية رأس المال وقدرته على إيجاد الحلول وتخطي العقبات والنهوض من الكبوات, وفرز القيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية وتطويرها وفق ما يساند حرية تدفق، وحتى عبث، رأس المال …
إلى جانب ثورة الطلاب وحركات التمرد الاجتماعي, كانت “ثورة المدراء” في أمريكا التي فصلت الإدارة عن رأس المال, وجعلت المالك يخضع لإدارة محترفة لرأس ماله تضمن له الربح ولا دخل له في التفاصيل, تسيطر الإدارة على كل شيء ويكتفي ملاك الشركات “الكازينو ” بِعَدِّ أرباحهم بعد كل سهرة غير مكترثين بالوسائل والسبل التي تحققت عبرها تلك الأرباح .
امتازت ثورة الطلاب عام ، 1968 التي انطلقت من فرنسا ,بالرقص والغناء الثوري المعادي للرأسمالية الاستعمارية القديمة وقيمها التي صارت محافظة, وغيرت أوروبا العجوز, لتجرها أمريكا إلى “الكازينو ” كما صورتها رواية”إنهم يقتلون الجياد ” التي تحولت إلى فيلم قامت ببطولته”جين فوندا ” حيث تنظم شركة كبيرة مسابقة للرقص دونما توقف يسقط فيها الراقصون من التعب ويخسرون المسابقة رغم صمود بعضهم لأكثر من أربع وعشرين ساعة من الرقص المتواصل.
تنتشر بين الشباب قيم “الهيبز ” وهي حركة “كلبية ” حديثة ضد العمل والصناعة ومع العودة للحياة الطبيعية وتقديس اللذائذ, لتشكل رغم ثوريتها الظاهرةِ رافداً ممتازاً لفلسفة اقتصاد الكازينو .
الكازينو، ورغم مكانه الموحد، “كوزموبليتاني ” ولا قومية ولا دين ولا خصوصية له. فهو قابل للغناء بكل اللغات والرقص على كل الإيقاعات, بل والدعاء لكل الأرباب والآلهة. إنه عالمي ومؤسِّس هام لفلسفة العولمة. على هذا النحو كان لامفر لأكثر البلدان تدينا ومحافظة من الانخراط في هذا الكازينو العالمي وتطوير آليات هيمنتها على شعوبها, وأن تلجأ إلى السيطرة بغوايات الكازينو, وأهمها الاستهلاك بجنون وعبث التبذير والمقامرة. كان على إقطاعيات النفط أن تؤسس كازينو يناسب عاداتها وتقاليدها, وأن تسمح “لثورة المدراء ” بالدخول إلى إقطاعياتها وتجديدها لتوافق العصر دون المساس بملكية رأس المال وأرباحه .

اقتصاد الكازينو لم يوفر للرأسمالية الخروج من أزمتها فقط، بل منح الفرصة لإقطاعيي النفط عبر “البترو دولار ” بالتجدد والبقاء والحفاظ على رأس مالهم المالي والرمزي. فالكازينو الذي دخلناه في المدينة العربية الكبيرة كان حلا عبقريا لمشاكل الأصالة والتحديث وللديمقراطية والتراث، للانفتاح وحدود الشرع, إنه الخلطة السحرية لنا ولهم, لماضينا والعصر. وهكذا نغرق”سكارى ومانحن بسكارى” في ملذات ومهاترات وعنف الكازينو.

نتصارع على إدارته وليس على فلسفة وجوده ومبرارتها. ننغمس في “المرابحة ” ونتحول إلى كائنات نهمة ومدمنة للاستهلاك ومدينةٍ لمؤسسات ربحية تستغول كل يوم .

مقالات ذات علاقة

حكايات مصرية ليبية

فاطمة غندور

كنت ضوءا لم يهادن العتمة

المشرف العام

محمد الزواوي .. المدرسة الليبية

منصور أبوشناف

اترك تعليق