من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
المقالة

كادر وظيفي

بركة مواطن منتشر النوع بكثرة ويشتهر بعدم الحظ، لدرجة أنه عندما يركن لأخذ قسط من الراحة يطلب إليه سحق نوى التمر علفاً للماشية.
(تريح يابركه دق النوى)

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

بعد اكتشاف البترول ترك بركة سلال النوى وذهب مع الناس الذين يحجون أفواجاً لشركات البترول رغبة في التوظيف، ركب ظهر شاحنة مع بعض الحيوانات التي دق لها النوى، سألته نعجة جميلة ترضع صغيرها على استحياء:

– أيا بركة أنت رجل طيب رغم سوء الطعام الذي تقدمه لنا، لماذا تسافر معنا؟ أما علمت بأننا نذهب للجزار ومن الخير لك أن تقفز من العربة قبل أن نصله ويصعب التمييز بيننا.

تشبث بركه بكلتا يديه في حديد العربة، كانت تعبر حفرة قدمت نفسها للسائق، استوى من جديد وأجابها :

– أنظري كل هذه الأراضي التي تمتشقها شركات البترول هي ملك أبائي وأجدادي، كنا نربي فيها الغنم ونزرع فيها القمح والشعير ونصلي لله أن يرزقنا بالمطر، كانت هذه هي حياتنا وحياتكم، كنتم ترتعون وقتها ولا تعيشون على مضغ النوى
وتتعبون كما اليوم حد عدم القدرة على الثغاء، انظري فكك كيف أصبح ملتوياً.

ترك الجدي الصغير ضرع أمه ونظر باشمئزاز إلى بركه، معتقداً أنه يعير أمه بفكها، لم يكن قد تكلم فى المهد من قبل مع أحد، لذلك استخدم عينيه في التقزز مما يقوله المخلوق بركه عن دورة حياتهم المتقاطعة مع دورة حياة أسلافه، نزرع، نصلي، نحصل على المطر، نذبحكم، لم يكن دق النوى موجوداً في قانون النشوء والارتقاء.
ولولا أن والده التيس الكبير أخذ للجبل كمخصب، لما مكث بركه دقيقة على ظهر الشاحنة، قال له الجدي بنظراته الحليبية، الحفر أرحم لك من قرني والدي، نجاتك كبيرة.

خروف أخر تحرك قلقاً على ظهر الشاحنة، جراء ارتباط مستقبلهم بمستقبل بركه، لو أن بركة حصل على وظيفة بواب أو سائق صحراوي (لأن السياقة في الصحراء لا تتطلب مهارة) ،فسوف يجوع مجتمعاً كاملاً من البهائم وهذا يعجل في ذبحهم كلهم كاجراء وقائي، بمعنى يعرفه كل خروف، هو أن تحولهم إلى قديد وبقائهم في الوجود في وضع مملح ، سيستمر أطول من عيشهم كبهائم تدب على وجه البسيطة، أما أراضي الشركات فلن يحلموا بالعودة للجري فيها والثغاء براحتهم.

سألت نعجة سوداء: هل بوسعك أن تعمل حمالاً ؟

بسرعة انتعش بركه وأجاب مستعملاً يديه في الشرح حتى عندما يحيط الظلام به:

– تدربت على حمل سلال نوى التمر ولن يكون استبدالها بقطع الحديد صعباً، بوسعي أن أعمل كذلك في أي عمل له علاقة بآبار النفط وبالدق في نفس الوقت، وقد يناسبني العمل حارساً لأن نومي خفيف. المهم لدي الآن بعد أن نصل الشركة وتواصلون أنتم طريقكم إلى الأخرة، أن ارتاح من مشقة دق النوى.

قالت الغنم في صوت واحد ماماماما، أي وفقك الله يابركه إلى الراحة، ماعدا ذلك الحمل الصغير المدلل بثدي أمه، ركله بقدمه.
ركلة ماكرة.

في الشركة وجد بركه جميع من يعرفهم من أهالي قريتهم وأقاربه وبعض أقاربهم من قرى أخرى، كانت مناسبة للقاء مغاير، هم لم يلتقوا مرة إلا وكانوا إما في مأتم أو صلح قبلي نتيجة العراك السنوي على ترسيم الأراضي ونشوب مشكلة يُقتل فيها أحدهم، بالتالي هذا أول لقاء حضاري لهم ليس به دماء.
غير أنه في ثنايا اللقاء ولدت الوساطة وعُين قرابة ألف رجل أمي عمالاً في الشركة يجمعهم تسلسل مناطقي، لايملكون مهارة من مهارات الدق ولا دقوا مرة في حياتهم شيء، بينما ُرفض طلب بركة الذي تشققت أرضية بيته من الدق.
كان غاضباً عندما عاد، ماذا يفعل كي يعيش، لم يعد هناك أرض تزرع و يتنازع على حدودها ويموت بعضهم فيأخذ مكانهم أخر وتنتفي البطالة ؟

غيرت الطفرة الاقتصادية حياة الناس وشبعوا بعد جوع، فاكتشف بركه جمع الخبز اليابس من القمامة ودقه علفاً للماشية و مادة داعمة لمطاحن البن، كان ذاك في نفس العام الذي اكتشف فيه روبرت هوفستاتر تركيب الجسيمات النووية، ليس صدفة أن دق الخبز أيضا يمثل انشطاراً ذرياً، فلو أنك اخذت كسرة خبز صغيرة وظللت تفتتها إلى ماهو أصغر منها لعثرت على الذره وعلى الكواركات ولم تعد ذرة الخبز تنتمي لرغيف ثلاثة دينار ولا للدينار، بل لشيء أعمق من ذلك بكثير.
قد لا تصدق أن حرفة بركه نووية في جوهرها. لكنها إن أحسنت الظن هكذا .
دخل بركه مع البن حياة معظم الناس، وكأنه الغاز والكهرباء التي وصلت كل بيت، ونشأ جيل يجمع الخبز اليابس ويبيعه يجهل بأن بركه هو الأب الروحي لهذه الحرفة ذات التسلسل الذري في حياتنا والتي تشققت منها أرضيات كثيرة، ووصلت شعبها الدقيقة في مسطح الشركة، بل تحت المكاتب التي تجري فيها الوساطات.
مايثير الاستغراب في الأمر كما سرد بركة، أن كثيراً من الوساطات فشلت وتصدعت صفوف المتحالفين من الجهويين ووقعت البغضاء بينهم، بتأثير تشقق الأرضيات التي يقفون عليها، لا يحب بركه أن يسمى ذلك لعنته، بل بركته.

قال خروف في المسلخ لآخر من سلالة المازقري:
– رأيت أولاد بركة يبيعون الترفاس والقعمول* على ناصية الطريق.
– متى؟
سأل أحد التيوس.

– عندما بدأت الدولة تصدر البترول وتستورد لنا العلف من الخارج.
رد أكثر من خروف من النشطاء على ظهر الشاحنة.

قالت نملة تقود رفاقها إلى ذرات الخبز المتناثرة من مطارق الخبز :
– انتبهوا سنقطع تصدعاً جديداً هذا اليوم، ادعوا ربكم ألا نجده تصدعات عندما نعود.
ردت قرية بأكملها : آمين.

لا أحد يعرف ماذا حصل للنمل، أما القرية فأصبحت مجرد حفرة، و أما كلمة آمين فمازال يسمع صداها في نواحي متقطعة من الكون.
_________________________________
* الكمأة والخرشوف.

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

فاطمة عثمان: خرابين يا وطن

سالم الكبتي

الشخصية الليبية …العداء مع التاريخ (محو الماضي)

المشرف العام

مـفارقة كـبرى

زياد العيساوي

اترك تعليق