المقالة

قُتِلَ الجعد ومات إبن الراوندي (!!!…)(3/3)

“انه الشرك في السياسة الذي يرفضه الحاكم ويعاقب عليه بالشرك في الالوهيه”

محمد عابد الجابري

(3) قُتِلَ الجعد ومات إبن الراوندي

أذا تأملنا في فصلي هذه المقالة السابقين، يدهشنا كيف توفي ابن الراوندي وفاة طبيعية، رغم ليس فقط جهره بما يخالف الدين، وانما شهرته من خلال كتاباته وردود علماء عصره عليه، الذين اجمعوا تقريبا على الحاده. واكثر من ذلك فقد اطلع اعلى رأس في الدولة على اهم مؤلف لهذا الرجل يهاجم فيه كل المعتقدات الدينية، ويفند ما اصبح ضرورة ايمانية كالنبوة. بل اكثر من ذلك له مصنف في خلق القرآن، مع كل ذلك كان يسير بين الناس وينشر افكاره في كتبه التي يتداولها الناس، دون ان يتعرض له عارض من أداء، ناهيك على ان يهدد حياته.

وخلافا لذلك، فإن الجعد لم ينشر معتقداته بنفس الدرجة التي انشترت فيه معتقدات وأفكار ابن الراوندي. وحتى المنهج الفكري او الاتجاه المذهبي في عصريهما لم يكن يختلف، فالجعد عاش في بيئة كان للتيار السني الذي ينسب نفسه الى السلف هو تيار الدولة. وكذلك الحال بالنسبة لإبن الراوندي، فالتيار المذهبي الذي كان مدعوم من قبل السلطة في عهد المتوكل العباسي هو التيار الحنبلي، بعد ان تقلصت سلطة تيار المعتزلة عقب وفات الخليفة الواثق.

يقال ان الخليفة معاویة  خطب في الناس فقال: إن الله قد وضع في اللوح المحفوظ مسار الحیاة لكل إنسان: متى یولد، وكم سیعیش، وكیف ستكون حیاته، ومتى یموت وكیف سیموت. ومدون في ھذا اللوح المحفوظ متى یولد علي بن أبي طالب، ومتى یموت وكیف سیموت، كما ھو مدون أیضاً متى یولد معاویة وكیف سیصبح خلیفة ومقدار مدة خلافته، وكیف ومتى سیموت. ولیس من حق من یؤمن بالإسلام أن یعترض على حكم الله المدون في اللوح المحفوظ، لأن الإنسان مسیّر ولیس مخیّرا.

هذه الخطبة اسست كما يعتقد لفلسفة الجبر، والتي مفادها أن إرادة الإنسان العاقلة عاجزة عن توجيه مجرى الحوادث، وأن كل ما يحدث للإنسان قد قدّر عليه أزلا، فهو مسيّر لا مخيّر.

يختلف الناس على هذه الخطبة، ويردها البعض الى اكاذيب ونسج اعداء معاوية من الشيعة والمعتزلة، فالشيعة لا تخفي عدائها لكل من حمل السلاح ضد علي بن ابي طالب، وتعتبر معاوية الد اعدائها لانه سرق حق الخلافة. والمعتزلة ومن على منهجهم كالاباضية والخوارج عقيدتهم في إجازة الخروج على الحاكم المسلم الجائر تخالف عقيدة أهل السنة التي تأمر بعدم الخروج على الحاكم. لهذا، فهولاء المتربصون بمعاوية هم من ينسبون مذهب الجبرية اليه. والحقيقة مذهب المعتزلة في تنزيه الله هو الذي غلب على فكرهم، لذلك يؤمنون “ان عدل الله تعالى یوم الحساب لا یقبل بعقاب إنسان على خطیئة أجبره سبحانه على مقارفتھا”، لهذا غلب على تسميتهم باهل العدل، ولهذا ناصبوا الحكام القائلين بالجبر العداء.

انتشر مذھب الجبریة الذي ینفي إرادة الإنسان عن عمله، كوسیلة شرعیة لتبریر ما يفعله الخلفاء والولاة، وأصبح المذھب الذي استندت إلیه الشرعیة الدینیة في تبرير الممارسات السياسية الجائرة للحكام. وعندما تولي ھشام بن عبدالملك الخلافة، وصل سمعه رأي الجعد بن درھم، وقد خشي أن تؤدي اجتھادات الجعد في تقویض حكمه، خاصة ما للمكانة العالية التي يعلمها للجعد الذي اختاروه معلماً ومربیاً لأحد أبنائھم كما مر علينا. فمضمون خطبة الجعد هي هدم لفلسفة الجبر التي تبناها الامويين ومن في حكمهم.

خطب الجعد بن درهم بالناس فقال: “إن أفعال الإنسان سواء كانت خيراً أو شراً هي من صنعه وحده، أي من صنع الإنسان، وحاشى الله جلت قدرته أن يجبر الإنسان على فعل القبح والشر، ثم يعاقبه على ذلك، لأن عدل الله تعالى يوم الحساب لا يقبل بعقاب إنسان على خطيئة أجبره سبحانه على مقارفتها. وآيات القرآن الكريم، نصت على أن العقل هو مناط الحساب، فإن فعل قبحاً كان ذلك باختياره وخضع للحساب؛ إذ إن الإنسان مخيّر في هذه الدنيا”.

لا شك ان هذا الخلاف في فهم مسؤولية الانسان عن فعله يدفع للصدام بين وجهي الخلاف، ويقلص من مساحة ما يمكن ان يبرره الحكام واعوانهم وما يسوغونه في ما يمارسونه من اعمال ينكرون مسؤوليتهم عنها، وبالتالي يتزايد الشرخ بين الادعان المطلق لارادة الحاكم وحرية ارادة المحكوم، والتي لا شك سيكون مآلها الثورة على النظام الجائر. لقد فهم الأمراء والحكام في العهد الاموي خطورة هذا الرأي، لذلك ما كان لهم الا ان يستأصلوا شفته، وطبعا كان الدين دوما هو المطيئة المأمونة لتنفيد احكام تعسفية، فاستغل رأي الجعد في خلق القرآن وتأويله لأيات الخلة والكلام بما يسمح بالتخلص منه، دون ان يلام النظام على نسجه شباك لخصم سياسي بحجم الجعد.

وللتدليل على هذا الامر، فإن علماء السلفية لم يدينوا الجعد ويتهموه بإنكار أيات القرأن التي تحدثت عن الخلة وعن كلام الله لموسي، وإنما ادانوه على تأويل معنى “خليلا” ومعنى “كلّم” فيهما، وهذا النوع من التأويل كان مقبولا في مذاهب إسلاميّة عديدة معاصرة له كالمعتزلة، والأباضية، وما كانت السلطة تتعرض لهم بسوء، بل كانوا يعلنون عقيدتهم ويدعون لها بكل حريّة. في هذا الشأن يقول المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد): “انه الشرك في السياسة الذي يرفضه الحاكم ويعاقب عليه بالشرك في الالوهيه“.

ان الدافع للكتابة في هذا الموضوع، هو ظهور الجماعات التكفيرية التي سلكت مسلك سلفها في قضايا التكفير وتقديس الحكام وتبرير افعالهم، مما جعل الكثير من الناس يستهجنون مسلكها، وينقلبون ليس عليها وانما على الدين نفسه، فالنفس البشرية جبلت على الحرية، وتقييد تلك الحرية عن طريق دعم الاستبداد والدفاع عنه باسم الدين يدفع بالانسان، وخاصة الشباب، الى الانقلاب على الاستبداد وعلى الدين الذي يصور لهم او يتصورنه حامي لهذا الاستبداد.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (25)

المشرف العام

محنة أمة وأزمة شعوبها (2/2)

أحمد معيوف

عبيد في زرايب

نورالدين خليفة النمر

اترك تعليق