طيوب عربية

قَايَضوا التَّمْر بِالزَّعْفَرَانِ

مِنْ ديوان (فِي البَدْءِ كَانَ العِراقُ)

الأب يوسف جزراوي

من أعمال التشكيلي سالم التميمي
من أعمال التشكيلي سالم التميمي

أبِي
الَّذي اِستَوطَنَت رُوحهُ السَّماءَ
أَبْرَقَ لِي لَيْلَة أمس حلمًا
بِهَيْئَةِ اِسْتيضاحٍ مفادهُ:
يَا بُنَيَّ
لِمَاذَا السَّوَادُ الأعْظَمُ
مِنْ نُزَلاءِ السَّماءِ
هُمْ مِنْ ذَوِي الجِنْسِيَّةِ الْعِراقِيِّةِ؟!
مَا الَّذي أَصابَ العِراق؟!
فَأجبتُهُ عمّا سأل:
لَا تَقلَقْ يَا أبِي
فَقَدْ مرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ
عَلَى رَحيلكَ لِدارِ البَقاءِ
وَلَمْ يَتَغَيَّرْ شيئٌ فِيِ الوَطَنِ
الَّذي أَحَببتهُ بِكُلِّ جَوَارِحِكَ
سِوَى أنّهُ أصبحَ
تحتَ قَبْضَةِ عِصَابَةٍ أُخْرى
أكثرُ فَسَادًا ودمويًّة…
مارَسَتِ القَتْلَ الْحَلَال!!

أبِي
لَا تَسْأَلْني عَنِ العراق
ففِي التَّاسِعِ مِنْ نَيْسَانَ ٢٠٠٣م
أسقطَ الْأَمْرِيكَانُ هَامَة الديكتاتورِ
بِوِصَايَةٍ مُلحّةٍ مِنْ مُرْتَزِقَةٍ أَوباشٍ…
حَكَمُوا البِلاَد فِيمَا بَعْدُ
فَأُبِيحَ لَهُمُ الْفَتْكُ بِحقِدٍ مُنِيبٍ!
كَمْ فِيهِمْ مِنْ أبِي طبرٍ
وَكَمْ مِنْ سَارِقٍ وَجَلاّدٍ!
تَعَلَّموا حُرُوف الْعَرَبِيَّةِ
فِي بِلادِ الفُرسِ إيران!
حَتَّى رُطَبُ النَّخِيلِ
لَمْ تَسلم مَنْهُم
فَقَدْ قَايَضوه بِالزَّعْفَرَانِ!!.
**
أجَلْ يَا أبِي
سُبْحَانَ مُغَّيرَ الأوْطَانِ
لَقَدْ شَحَبَت صورة العراق
وَاِخْتَفَتْ هَيْبته وَمَهَابَتُه
حَتّى تَوَارَتْ قَهْقَهَة ضِحكتهِ…
فَأخفى فِي الْقُلُوبِ صَبَابَةً!
وَمَاذَا عَسَاي أن أقُول:
ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ مَوْتٌ:
السَّلامُ مَخْطُوفٌ…
الْحَيَاةُ خَرْسَاء…
وَالأمَانُ مُغيَّبٌ..
وَمَا تَبَقَّى لَنَا سِوَى الْمَوْت..
فَهَوَ يُثرثرُ كثيرًا فِي مَسَامِعِنا
وَيَبِيتُ بَيْنَ ظهْرَانَيْنَا!
وَإلاّ مَاذَا يَا أبِي!!
فِفِي حضرةِ غِيَابكَ
اِرْتَفَعَ مَنْسُوبُ الاغْتِيَالِ
إِلَى حدٍّ كَتبَ الْعِراقِيِّونَ
عَلَى سُّكَّرِ حَيَاتِهِمْ مِلْحًا
وِقايةً مِنْ نَمْلِ المليشياتِ!

بِلادُكَ يَا أيُّهَا النَّبِيلُ
غَائِصة بِالقُنُوطِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْها!
فَمُدُنُِها مُتَّشِحةٌ بِالسَّوَادِ
لَمْ تَعرِف بَيَاضًا
سِوَى بَيَاضِ الكَفَنِ!
إذْ منْ حُمْرَةِ الدَّمِ
اِرتَوَت أَراضيها
وَمِنْ سُودِ اللَّيالي
حَاكَت ثِيابها!
إنّهُ عراق “الدَّمِ قْراطِيَّةِ”
لَا طَابَّتْ جِرَاحهُ
وَلَا جَفَّتْ دماؤهُ..
لَمْ يَعْرِف طَرِيقًا للخَلَاصِ
إلاّ وَتَاهَ مِنْهُ!.

يَا أَبَتَاهُ
شَجَرَةُ النَّبْقِ (السِّدْر)
مَا عَادَتْ خَضْرَاءَ
وَبَلدُ الْأَنْبِيَاءِ
مَا بَقِيَتْ أَشْجَارهُ عَذراءَ
فَإِذا الحربُ فضَّتْ بَكَارَةَ تُرْبته!
فَتَناسَلت فجيعاتُنا وَتَوَالَدت..
حَتَّى مَضَتْ بِنَا المَصائبُ
مِنْ حربٍ إِلَى غَزْوٍ
ومِنْ غزوٍ إِلَى حِصارٍ..
ومِنْ اِحتِلاَلٍ وَاِسْتِيلاَء
إِلَى اِقْتِتَالاتٍ طائفيَّةٍ
وَنَعَرَاتٍ قَوْمِيَّةٍ وَحِزبيّةٍ!
فَأُوْلَـئِكَ الحُكَّامُ الرِّعاعُ
لَا يَمُدّونَ يَدَ السِّلْمِ
حَتَّى لِمَنْ سَالَمَ!!

أبِي
لَمْ يَعدْ يَحْكُمُنا
هولاكو وَاحِدٌ
وإنّما الألوفُ!
فِيهِم العَمِيلُ وَالظَّالِمُ…
السّارقُ وَالفَاسِدُ…
الْقَاتِلُ وَسَفَّاحُ الدِّمَاءِ!
يضربُونَ خَبْط عَشْوَاءَ
فِي وَحْدَةِ شعبٍ
حملَ أحْلاَمهُ إلى قَبرِهِ
جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ!
وَلَمْ يَكُنِ الوطنُ
سِوَى حَبْلِ غَسِيلٍ
لِثِيابٍ تُبَقّعها
دِماءُ حلمٍ جَمِيلٍ!!

لَكِنْ لَا تَذْعَرْ يَا أبِي
فكلُّ شيءٍ عَلَى مَا يُرام..
لَقَدْ قَامَت الغُربةُ بِالواجبِ
عَلَى أحْسَنِ وَجْهٍ
مَعَ عَائِلَتِكَ وَأَحْفَادكَ
وَمَعَ الْعِراقِيِّينَ وَعَائِلَاتِهُمْ!
فَمُنذُ التَّاسِعِ مِنْ نَيْسَانَ
لَمْ نعتَدْ العَيْش
فِي أمَانِ اللَّهِ..
إذْ تَحَطَّمَ السَدُّ
وَمَا بَقيَ لَنَا
غَيْرُ الطُّوفانِ!!.

مقالات ذات علاقة

الخط العربي يستعيد بريقه في ملتقى دولي بالقاهرة

المشرف العام

الإبداع المشترك .. فكرة مرفوضة

المشرف العام

احتفالية شهر آذار في طرعان

المشرف العام

اترك تعليق