من أعمال التشكيلي علي الوكواك
طيوب النص

قَارَّةٌ مَأْهُولَةٌ بِالْوَجَعِ قَلْبِي..!؟

من أعمال التشكيلي علي الوكواك
من أعمال التشكيلي علي الوكواك

اللَّيْلُ أغنيَةٌ ميِّتةٌ، والقلبُ قَارَّةٌ مأهولَةٌ بالوجعِ، وأنتِ وجهٌ يمنحُ الحيَاةَ نورَهَا؛ ألقَهَا وبهاءَهَا .. فلما ذَهَبْتِ ..!؟ لم يزلْ في القلبِ مُتَّسَعٌ لِلْحُبِّ .. لم يزلْ في مَدَائنِ الشَّوْقِ احتمالٌ للوَلَهِ .. لم يزلْ في العمرِ بَرَاحٌ لِلْحُلُمِ، فلماذا يفعلُ الموتُ بنا ما لا نُطِيقُ ..؟ لماذا ..!؟

لكنَّكِ ذهبْتِ .. هكذا بلا وداعٍ ..؟! تارِكَةً مساءً أرعنَ فَاغِرًا حزنًا غبيًّا على قلبيَ الغريرِ .. هكذا تُغَادرينَ بلا وعدٍ جميلٍ بالمجيءِ .. بلا أُمْنيَّةٍ أخيرَةٍ يزرعُها القلبَ على ضِفَافِهِ حلمًا، وحلوى لعيدٍ متأخِّرٍ، وعقدَ أغنياتٍ ..
ذهبتِ وقلبي بعدَكِ حقلُ سعيرٍ، وَجِرَاحِي محيطُ دماءٍ، وفي الرُّوحِ المفزوعةُ ألفُ جرحٍ يئنُّ، وألفُ فمٍ يصيحُ .. وألفُ عينٍ لا شطآنَ لدموعِهَا ..
وأنتِ لا تعودينَ .. لي .. للحياةِ التي يستمدُّ وجهُهَا منكِ وجهَهُ .. ألقَهُ وبهجَتَهُ ..!

هكذا .. تتركينَنِي لحزنٍ باهظٍ يفترسُ قلبيَ الصَّغيرَ .. يغرسُ فيهِ دبابيسَ وجعٍ كافرٍ .. تتركينني للوَجَعِ الضَّرُوسِ يقمعُ فرحي، ويجتثُّ أمانيَّ الرِّطَابَ .. تتركينني للْمُنَغِّصَاتِ الكافراتِ يحطنَ بيَ من كلِّ جرحٍ وألمٍ، من كلِّ عذابٍ وبؤسٍ، فأنا هنا وحدي أتوكَّأُ قلبًا مفطورًا أجوبُ بِهِ عَالمًا مظلمًا .. أَجُوسُ بِهِ سراديبَ فجيعَةٍ موحشَةٍ مُتلمِّسًا فيها دَفْقَةَ ضَوْءٍ، لحظةَ صِدْقٍ، ولمسَةَ دِفْءٍ، فهل حَقًّا إِنَّكِ لن تعودي..؟!

القلبُ بعدَكِ بيتٌ للأسى، مَوئلٌ للفجيعةِ، مستقرٌّ للهمومِ السَّوَافِرِ، ها هو قلبي المضرَّجِ بالضَّنى ليلَ الغِيَابِ يخفقُ في ضِيقِ الكونِ بُؤسًا، وفي فسَاحَةِ الجرحِ وَجَعًا، وفي رهبَةِ المكانِ قصيدةً تعتمرُ وَجْهَ المآسي، وتلبسُ ثوبَ الحزنٍ.. ويمضي بي حيث تحيا الجراحُ جذلى ضَاحِكَاتٍ، حيث تعلو أغنياتُها بنحيبِ الأسى في جنائزيَّةِ الصَّمْتِ الرَّهِيبِ ..!

في غيابِكِ ينفضني الضَّجِرُ في غيهبِ الفقدِ ريحًا، وفي شَقْوَةِ الرُّوحِ جرحًا لا ينامُ، وفي رائعَةِ الفجيعَةِ كابوسًا سَرْمَدِيًّا .. يتبنَّى في هاويَةِ الْغِيَابِ وجعيَ الأَهْوَجَ يتلمَّسُ بِهِ طريقًا لا تبينُ .. يتبيَّنُ بِهِ دربًا إلى وجعٍ مستديمِ .. فهل يصلُكِ الآنَ صوتي .. نبضيَ المذعورُ المتعثِّرُ، ولهفتي إِليكِ التي لا تهدأُ ولا تشيخُ ..!؟

هكذا تمضينَ عنَّي .. عن قلبيَ المفطومِ على محبَّتكِ .. هكذا تتركينَ شتائيَ بلا شمسٍ ولا دفءٍ .. تُغَادِرينَ عمريَ بلا ربيعٍ ولا زهورٍ ولا شذًا ولا مطرٍ .. هكذا تُسْلمينَ قلبي لحزنٍ جهولٍ يفتكُ بِهِ فتكًا مُرِيعًا ..!
هكذا تتأبَّطِينَ حكاياتيَ الأثيرَةَ التي رَضِعْتُهَا بقلبي في أماسيِّ حَنَانِكِ الدَّافِئَاتِ وتمضينَ .. !؟ فإلى أيِّ صدرٍ سَأُسْنِدُ قلبي ..؟ وفي أيِّ حُضْنٍ سَأُنِيمُ طُفُولتي المؤجَّلَةَ .. ؟ وعلى أَيِّ سُلَّمٍ سيصعدُ الطِّفْلُ الذي يسكنُنِي إلى السَّمَاءِ البعيدَةِ كما كانَ يفعلُ كلَّ ليلَةٍ ..!؟ كيفَ سَأُسْقِطُ لَهُ هذهِ اللَّيْلةَ نجمَةً، وَأَأْسُرُ لهُ قَمَرًا، كيفَ سَأصطادُ لَهُ غيمَةً ضحوكًا وبرقًا .. وأجلبُ لَهُ صَوْتَ رعدٍ مثرثرٍ .. كيف سَأُحَدِّثُهُ عنِ الأميرةِ الجميلَةِ وهو مكتظٌّ بالحزنِ حتى آخرِ نبضَةٍ فيهِ، مأهولٌ بالوجعِ حتى أخمصِ سويدائِهِ!؟

الجنيَّةُ التي كنتِ تخوِّفينَ بها طفلَكِ المدلِّلَ الجميلَ اِخْتفَتْ .. ما عادت تَتَرَاءَى لَهُ في ثَنَايَا اللَّيْلِ .. صَارَتَ هيَ الأخرى تخشى بالوعَةَ الغِيَابِ فتتستَّرُ في النِّدَاءَاتِ العقيمَةِ .. وتنامُ في جرحٍ قديمٍ يفغرُ فاهُ على وجعٍ مؤبَّدٍ .. لم تعدُ تأبُهُ لنداءاتِ الحضُورِ .. أُحَاولُ أن أغريَهَا بِصُورتِكِ فلا تجيءُ .. الطِّفْلُ ذو الوجهِ الملائكيِّ الذي كُنْتِ تهدِّدِينَهُ في اليومِ ألفَ مرَّةٍ بحرمانهِ من حلوائكِ اللَّذيذَةِ، ثمَّ لا تستطيعينَ تنفيذَ تهديدٍ واحدٍ منها .. الطِّفْلُ الذي كنتِ تَضْعُفِينَ أمامَ صوتِهِ الرَّخِيمِ يستجدي بِهِ قلبَكِ الأُمِّيَّ، فَتَسْقُطِينَ أمامَ دُمُوعِهِ المصطنعَةِ وهي تستدني هَدَايَاكِ الثَّمِينَةَ، وتفتحُ – بهدوءٍ – محفظَتَكِ المستفزَّةَ على الدَّوَامِ فلا تُقْفَلُ أمامَهُ أبدًا .. إذْ كانت عيناهُ الجميلتانِ مفتاحًا لخزانتِكِ، ووجهُهُ الملائكيُّ كَلِمَةَ السِّرِّ لِدُخُولِ قلبِكِ، وَمَسْكَنَتُهُ الْوَاثِقَةُ طريقًا إلى رُوحِكِ الطَّيِّبَةِ، كما كانَ هو مفتاحًا لقلبِكِ الَّذي لا يُقْفَلُ؛ إِذ لم يكنْ لَهُ يومًا قُفْلٌ ..!

ذاكَ الطِّفلُ الذي كنتِ تُجيبينَ من يلومُكِ على الإِفْرَاطِ في تدليلِهِ بأن لا قلبَ يقوى على دُمُوعِ الملائكَةِ، ولا قَلْبَ يقدرُ على مقاومَةِ أَصْوَاتهِا الجميلةِ ..!!
ذاكَ الطِّفْلُ يستيقظُ الآنَ فيَّ فأبكيكِ بعينيهِ .. أُحَاوِلُ أنْ أجدَ عبرَ دموعِهِ سبيلًا إليكِ .. أن أجدَ إلى قلبِكِ مفتاحًا .. فهل ثمَّةَ سبيلٌ، وهل ثمَّة مفتاحٌ ..!؟
ها هو يُنْصِتُ لِوَشْوَشَاتِ قَلبِكِ الشَّفِيقِ .. لنبضَاتِهِ الحالِمَةِ بالحِبِّ والصَّبَاحِ والرَّبيعِ .. بشيءٍ بعيدٍ قريبٍ لكنَّهُ لا يجيءُ .. ها هو يدنو من قلبِكِ لكأنَّكِ عدْتِ من مثواكِ الأخيرِ تغرينَهُ بعسلِ الأمنيَاتِ .. تستدنينَ قَلبَهُ بكلماتِكِ الحلْوَى .. وبلمساتِكِ القصَائِدِ ..!

بالقلبِ لم يزلْ مقامُكِ شاغرًا وسيظلُّ .. فلا وجهَ يمكنُهُ أنْ يتقمَّصَ وجهَكِ .. ولا روحَ باستطاعتِهَا أنْ تحلَّ محلَّكِ، ومعَ هذا فوجهُكِ القمريُّ يُضِيءُ بغرفتِكِ المهجورَةِ التي تسيلُ وحشَةً على نفسِهَا .. وَتَبِيتُ دَامِعَةَ النَّوَافِذِ منتظرةً لمسَةَ يديكِ الحانيتينِ .. والمزهريَّاتُ تسكبُ عطرَهَا الزَّكِيَّ في الشَّارِعِ الكئيبِ أحلامًا موؤودةً، ثمَّ تنتحرُ منتحِبَةً على ناصيَةِ الانتظارِ العقيمِ .. فيما يرسمُ الصَّمْتُ البليدُ دوائرَ شَكٍّ غبيٍّ تُفْرِغُ القَلْبَ من موجاتِ فرحِهِ الذي كانَ ..

لكنَّكَ لن تعودي .. النَّوَارِسُ تبيعُ للعدمِ المأجورِ صوتَهَا .. الأزاهيرُ تؤجِّرُ بوحَها الصَّبَاحيَّ لظلامٍ ظلومٍ قبلَ أن تموتَ .. والنَّسَمَاتُ تَرْهُنُ نفسَها لصيفٍ جَلاَّدٍ .. حينما فرَّ الرَّبيعُ الصَّدُوقُ من أرضٍ لستِ بها .. والقمرُ الصَّدِيقُ الذي كانَ ينامُ تحتَ سِوَاركِ كلَّ ليلَةِ لم يَعُدْ يجيءُ .. والنُّجُومُ التي أدمَنَتِ الرَّقصَ مساءً على كتفيكِ ما عادتِ تُحْسِنُ الرَّقْصَ .. نَسِيَتْ على ناصيةِ الرَّحِيلَ مَلامَحَ وَجْهِهَا .. خَلَعَتْ فستانَ فرحِهَا وباعتْهُ للموتِ الجَسُورِ ..؟!

اللَّيْلُ فراغٌ قاهرٌ على افتقادٍ كارثيٍّ فيتوغَّلُ القلبُ في سُجُوفِ الدُّمُوعِ .. يتشظَّى بينَ ألفِ أمنيَّةٍ وألفِ وجعٍ فظيعٍ .. فإلى أينَ تمضينَ يا سيدتي .. إلى أينَ ..؟ والنَّوَارِسُ تخفي رؤؤسَهَا في رمادِ الفجيعَةِ .. تُهدي إلى العدمِ الرَّهِيبِ مَرَاسِمَ انتحَارِهَا .. فيما ترسمُ الشَّمْسُ المنتحرَةُ على الأفقِ البعيدِ وجهًا لليلٍ كالحٍ لا يُشْرِقُ وجهُكِ فيهِ ..!

المساءُ القبيحُ يغرسُ حرابَهُ المسمومَةَ في القلبِ .. والحزنُ الجموحُ يصهلُ في الأفقِ غارسًا رماحَ حقدِهِ في أعماقي .. وأنتِ تذهبينَ .. لا وجهَ لوجهي الآنَ .. لا هُوِيَّةَ لأصابعي إِذْ لم تتشذَّ بعطرِ يديكِ .. لا عطرَ لكلماتيِ إِذْ لم يباركْهَا قلبُكِ الشَّاسِعُ .. فمن سَيُطْعِمُ القلبَ كمَأَ الحكايا .. من سَيَسْقِيهِ عسلَ الفرحِ، ولبنَ الأمنياتِ .. من سَيَرُشُّ على حزني مطرًا يُبَارِكُهُ، من سَيَغْسِلُنِي من جحيمِ أخطائِي، ومن عذاباتي اشتياقي القتولِ.. ؟

بَاتَ اللَّيْلُ في قلبي يا سَيِّدَتي .. بَاتَ .. وَصُوتُكِ لم يزلْ يفتضُّ بكَّارَةَ الوجعِ في أعماقي .. يُلغي حقلًا منَ الدَّهْشَةِ كان منسربًا بداخلي .. يُدَشِّنُ مهرجانًا للقهرِ المؤبَّدِ .. يقترحُ على جراحي أَلَمًا مُغَايرًا .. يدسُّ في خافقي رجفةَ ذهولٍ .. وفي باصرتي دمعَةً حرَّى تليقُ بوجعٍ مكابرٍ .. وجعٍ سَافِرِ العينينِ يتعقَّبُني أينما ذهبْتُ .. يرصُدُ خطواتي .. يطبقُ على قلبي أينما حَلَلْتُ .. وجعٍ يتحسَّسُ قلبي كلَّ حينٍ ..

اللَّيْلُ أعمى يا سيِّدتي .. وقلبي أعمَتْهُ العتمَةُ العمياءُ العائمَةُ بأعماقي .. وحجبَ خبرُ الغِيَابِ الفَظِيعِ الضَّوْءَ عنهُ .. فهلْ ثمَّةَ نورٌ يتأبَّطُ قلبي إلى حيثُ وجهُكِ الفرحُ، وكلماتُكِ الأغنياتُ، وأصابعُكِ الحنانُ، وَحُضْنُكِ الدِّفْءُ والأحلامُ والأمنياتُ العذارى السَّوَافِرُ .. فردوسُكِ المفقودُ ..!؟
حانَ المساءُ فمن سَيُوْقِدُ لي شموعَ الحكايا .. من سَيُشْعِلُ لي مصابيحَ خرافاتٍ مثيرةٍ تُنِيمُ القلبَ في مَهْدِ الأحلامِ الدَّفِيئَةِ .. من سَيُدْفِئُنِي .. ويذيبُ ثلجَ أماسيِّ القاحلاتِ .. !؟

الحكايا نِثَارٌ هنَا .. شيءٌ من أوجاعِ الأمسِ .. واللَّيْلُ أغنيَةٌ ميِّتةٌ، والقلبُ قارَّةٌ مأهولةٌ بالوجعِ .. حقلُ سعيرٍ مزدحمٌ بالحرائقِ .. مكتظٌّ بالهزائمِ .. وَجِرَاحِي محيطُ دماءٍ .. ما عادَ لليلِ طعمُ الذِّكرياتِ .. ما عادَ للياليهِ رائحَةُ الحلمِ الجميلِ، ولا لضوئِهِ وَجْهُ الفرحِ .. فقدتِ اللَّحَظَاتُ الخصيبَةُ وجهَهَا .. ثَكَلَتِ الفرحَةُ أبناءَهَا .. والذِّكْرَيَاتُ العَاقَّةُ تحرثُ القلبَ بمحاريثِ الوجعِ والفقدِ والأسى ..!

قارَّةٌ مأهولةٌ بالوجعِ قلبي .. والأحزانُ تُدَاهِمُ القلبَ كمحتلٍّ جبَّارٍ، والهمومُ تَتَقَاطَرُ على قلبي كجحافلِ ليلٍ بهيمٍ .. حُشُودًا من حزنٍ معتَّقٍ .. واللَّيْلُ مُوْحِشٌ بعدَكِ يا جدَّتي .. موحشٌ حَدَّ البشاعَةِ .. مرعبٌ غيابُكِ .. فانتبهي لمؤامراتِ اللَّيْلِ على قلبينا ليلًا ..

قارَّةٌ مأهولةٌ بالوجعِ قلبي .. فلماذا صَمَتَتِ النَّوَارِسُ عنِ الْغِنَاءِ .. لماذا توقَّفُ قلبُكِ عنِ الرَّقْصِ .. لماذا تبخَّرَتْ حكاياتُكِ القصائدُ التي كنْتِ تُؤَثِّثينَ بِها ليلَ قلبي .. تنطرحُ الآنَ باكيَةً بعينينِ من وَجَعٍ .. تسيلُ على حَدِّ الغِيَابِ قطيعَ ذكرياتٍ مذبوحٍ، وتنسربُ في موعدِ النِّسْيَانِ نهرًا يتشظَّى على شِفَاهِ النُّضُوبِ .. صَدًى لأغنيَةٍ ميِّتَةٍ ظلَّت تخفقُ في المدى الغَسَقِيِّ مثلَ حلمُ، وانطفأتْ مثلَ شَمْعَةٍ ..!؟

أراكِ الآنَ تبتسمينَ وفي عينيكِ المطفأتينِ ثمَّةَ شعاعٌ ضحوكٌ لا ينامُ .. فأوِّلي لي هذا السَّنَا الأبديَّ فَأَنتِ تحسنينَ قراءةَ النُّورِ .. تجيدينَ ترجمَةَ العطرِ .. وتهجِّي قصائدَ الفرحِ .. تحفظينَ قاموسَ المحبَّةِ عن ظهرِ حُبِّ .. عن قلبِ حُبٍّ .. ففي قلبِكِ المضيءِ ـ كشمسِ ضحًى ربيعيٍّ ـ طريقٌ مقمرٌ .. فهلْ وَقَّعْتِ عَقْدًا مَعَ الملائكَةِ لتهديَ قلبَكِ إلى الجنَّةِ ..؟
دعواتُكِ الصَّادِقَاتُ مِعْرَاجٌ إلى جنَّاتِ اللهِ الموعودَةِ بها قلوبُنَا .. فاللهُ كانَ دومًا رَبًّا للبسطاءِ الطِّيِّبينِ الصَّادِقِينِ، ها أنتِ تُشْرِعينَ قلبَكِ على الجنَّةِ .. تُشْهِرِينَ في وجهِ الحيَاةِ الغادرَةِ التي سَلَبَتْكِ كلَّ شيء إلاَّ ظنَّكِ العفويَّ باللهِ .. بجنتِهِ التي أعدَّها لأمثالِكِ .. برحمتِهِ التي تَتَّسِعُ لكُلِّ الخلقِ حتى العُصَاةِ .. تشرعينَ على مدى قلبِكِ .. باتِّسِاعِ ظَنِّكِ باللهِ يَدينِ من صِدْقٍ وَضَرَاعَةٍ .. فَأَشْعُرُ أنَّ الجنَّةَ تهبطُ إليكِ .. تهطلُ في يديكِ المتوضِّئَتَينِ طُهْرًا ويقينًا وطيبَةً .. فهل سَتَرُشِّينَ على وجهِ طفلِكِ شيئًا من دُعَائِكِ الذي لا يُرَدُّ، لعلَّ اللهَ يَبَرُّ قَسَمَكِ إن أقسمْتِ عليهِ أن يُنْجِحَ طِفْلَكِ المتأَبِّطَ حقيبةَ كتبٍ تنوءُ بها سنواتُهُ الْعَشْرُ الغَضَّةُ، وينحني لها ظهرُهُ الصَّغيرُ، وتئنُّ بِهَا طفولَتُهُ الغريرَةُ، قبل أن يرتمي في حُضنِكِ باكيًا مُفَتِّشًا عمَّا تخبِّئينَ في حِجْرِكِ من حلوى وفاكهةٍ وشوكلاته، قبلَ أنْ يسرحَ معَ عطرِكِ سابحًا إلى الجنَّةِ، فلا يصحو إلاَّ على دِفْءِ أصابِعِكِ تُزِيلُ عنْهُ عناءَ يومٍ دراسيٍّ ثقيلٍ، وَتُبَارِكُ طفولَتَهُ اللَّيِّنَةَ وزغبَهُ وشغبَهُ وأحلامَهُ، وطموحاتِهِ الَّتي لا حدَّ لها، تتحسَّسُ موَاطِنَ الوجعِ في جسدِ الصَّغيرِ التَّعِبِ الْمُرْهَقِ، ثمَّ تُرسِلُهُ إلى أحضانِ أحلامٍ لا تُعَادُ ..!؟ فأينَ ذهبتِ ..!؟ أينَ ..!؟ ولماذا جاءَ ذاكَ المسَاءُ كئيبًا .. لماذا لم يُغَادِرْنِي سوادُهُ .. لماذا استوطنَ قلبي بجوارِ وجهِكِ .. في زاويَةِ الحزنِ المقيمِ .. ؟! ولماذا غَطَّتِ الشَّمْسُ وجهَهَا بغيمةٍ مُتَجَهِّمَةٍ .. لماذا فَقَدَتِ الْعَصَافيرُ أصواتَهَا فيهِ .. لماذا ضَنَّتِ الأَزَاهيرُ بشذاهَا .. وتوقَّفَ المطرُ عن عَزْفهِ الشَّجيِّ الطَّروبِ .. لمَ تصلَّبَتْ عروقُ الحيَاةِ .. شهقَتْ شهقَةَ الموتِ قبلَ أَنْ تجرِّبيْهَا .. !!

ذهبتِ إذن .. انتهى كلُّ شيءٍ .. بوجِهِكِ الذي يغترفُ الفرحُ منهُ عطرَهُ
.. وتنهلُ الشَّمْسُ مِنْهُ ضِيَاءَهَا .. بيديكِ الحانيتينِ الآسيتينِ اللَّتَينِ لا تُخْطِئَانِ وجعي .. بقلبِكِ القادِرِ على احتواءِ عالمٍ بأكملِهِ .. بعطفِكِ الكفيلِ باستيعابِ كُلِّ ما في الكونِ من مآسٍ .. بعينيكِ اللَّتَينِ تجمعَانِ فيهما نورًا حقيقيًّا .. عينيكِ اللَّتينِ تترجمانِ وجعي فرحًا .. تُعَرِّبَانِ أحزاني المطلسَمَةَ لِيَسْهُلَ على قلبي غناءَهَا ..
هكذا رحلتِ دونَ وعدٍ بلقاءٍ .. دونَ أن تنتهي الحكاياتُ الآسرةُ الحميمَةُ دونَ يَشْفَى حزنيَ المزمنُ .. دونَ أن يكبرَ طفلُكِ الأربعينيُّ .. دون أنَ يُفْطَمَ عن حُبِّكِ، دونَ أن تتوقَّفِي عن تدليلِهِ .. دون أن تتوبَ يدُكِ الحانِيَةٌ الآسيةُ عن تلمُّسِ شعرِهِ الفوضوِيِّ آخرَ اللَّيْلِ، وتحجمَ عن سَحْبِ الْغِطَاءِ على قدميْهِ المتمرِّدتينِ .. لا زلت أحبو على شِغَافِ قلبِكِ متلمِّسًا دفئًا هناكِ وحلمًا وبعضَ أمنياتٍ عذابٍ ..

والعمرُ كهفٌ مهجورٌ خَرِبٌ .. والحيَاةُ غاباتُ جراحٍ وجمرٍ .. واللَّيْلُ أُغْنيَةٌ ميِّتةٌ، والقلبُ قارَّةٌ مَأْهُولَةٌ بالوجعِ، وأنتِ وجهٌ يمنحُ الحيَاةَ نورَهَا؛ ألقَهَا وبهاءَهَا .. فلما ذَهَبْتِ ..!؟ فلم يزلْ في القلبِ مُتَّسَعٌ لِلْحُبِّ .. لم يزلْ في مدائنِ الشَّوقِ احتمَالٌ للولَهِ .. لم يزلْ في العمرِ بَرَاحٌ للحلمِ، فلماذا يفعلُ الموتُ بنا ما لا نطيقُ .. لماذا ..!
قَارَّةٌ مَأْهُولَةٌ بِالْوَجَعِ قَلْبِي ..!؟

جمعة الفاخري.

اللَّيْلُ أغنيَةٌ ميِّتةٌ، والقلبُ قَارَّةٌ مأهولَةٌ بالوجعِ، وأنتِ وجهٌ يمنحُ الحيَاةَ نورَهَا؛ ألقَهَا وبهاءَهَا .. فلما ذَهَبْتِ ..!؟ لم يزلْ في القلبِ مُتَّسَعٌ لِلْحُبِّ .. لم يزلْ في مَدَائنِ الشَّوْقِ احتمالٌ للوَلَهِ .. لم يزلْ في العمرِ بَرَاحٌ لِلْحُلُمِ، فلماذا يفعلُ الموتُ بنا ما لا نُطِيقُ ..؟ لماذا ..!؟

لكنَّكِ ذهبْتِ .. هكذا بلا وداعٍ ..؟! تارِكَةً مساءً أرعنَ فَاغِرًا حزنًا غبيًّا على قلبيَ الغريرِ .. هكذا تُغَادرينَ بلا وعدٍ جميلٍ بالمجيءِ .. بلا أُمْنيَّةٍ أخيرَةٍ يزرعُها القلبَ على ضِفَافِهِ حلمًا، وحلوى لعيدٍ متأخِّرٍ، وعقدَ أغنياتٍ ..
ذهبتِ وقلبي بعدَكِ حقلُ سعيرٍ، وَجِرَاحِي محيطُ دماءٍ، وفي الرُّوحِ المفزوعةُ ألفُ جرحٍ يئنُّ، وألفُ فمٍ يصيحُ .. وألفُ عينٍ لا شطآنَ لدموعِهَا ..
وأنتِ لا تعودينَ .. لي .. للحياةِ التي يستمدُّ وجهُهَا منكِ وجهَهُ .. ألقَهُ وبهجَتَهُ ..!

هكذا .. تتركينَنِي لحزنٍ باهظٍ يفترسُ قلبيَ الصَّغيرَ .. يغرسُ فيهِ دبابيسَ وجعٍ كافرٍ .. تتركينني للوَجَعِ الضَّرُوسِ يقمعُ فرحي، ويجتثُّ أمانيَّ الرِّطَابَ .. تتركينني للْمُنَغِّصَاتِ الكافراتِ يحطنَ بيَ من كلِّ جرحٍ وألمٍ، من كلِّ عذابٍ وبؤسٍ، فأنا هنا وحدي أتوكَّأُ قلبًا مفطورًا أجوبُ بِهِ عَالمًا مظلمًا .. أَجُوسُ بِهِ سراديبَ فجيعَةٍ موحشَةٍ مُتلمِّسًا فيها دَفْقَةَ ضَوْءٍ، لحظةَ صِدْقٍ، ولمسَةَ دِفْءٍ، فهل حَقًّا إِنَّكِ لن تعودي..؟!

القلبُ بعدَكِ بيتٌ للأسى، مَوئلٌ للفجيعةِ، مستقرٌّ للهمومِ السَّوَافِرِ، ها هو قلبي المضرَّجِ بالضَّنى ليلَ الغِيَابِ يخفقُ في ضِيقِ الكونِ بُؤسًا، وفي فسَاحَةِ الجرحِ وَجَعًا، وفي رهبَةِ المكانِ قصيدةً تعتمرُ وَجْهَ المآسي، وتلبسُ ثوبَ الحزنٍ.. ويمضي بي حيث تحيا الجراحُ جذلى ضَاحِكَاتٍ، حيث تعلو أغنياتُها بنحيبِ الأسى في جنائزيَّةِ الصَّمْتِ الرَّهِيبِ ..!

في غيابِكِ ينفضني الضَّجِرُ في غيهبِ الفقدِ ريحًا، وفي شَقْوَةِ الرُّوحِ جرحًا لا ينامُ، وفي رائعَةِ الفجيعَةِ كابوسًا سَرْمَدِيًّا .. يتبنَّى في هاويَةِ الْغِيَابِ وجعيَ الأَهْوَجَ يتلمَّسُ بِهِ طريقًا لا تبينُ .. يتبيَّنُ بِهِ دربًا إلى وجعٍ مستديمِ .. فهل يصلُكِ الآنَ صوتي .. نبضيَ المذعورُ المتعثِّرُ، ولهفتي إِليكِ التي لا تهدأُ ولا تشيخُ ..!؟

هكذا تمضينَ عنَّي .. عن قلبيَ المفطومِ على محبَّتكِ .. هكذا تتركينَ شتائيَ بلا شمسٍ ولا دفءٍ .. تُغَادِرينَ عمريَ بلا ربيعٍ ولا زهورٍ ولا شذًا ولا مطرٍ .. هكذا تُسْلمينَ قلبي لحزنٍ جهولٍ يفتكُ بِهِ فتكًا مُرِيعًا ..!
هكذا تتأبَّطِينَ حكاياتيَ الأثيرَةَ التي رَضِعْتُهَا بقلبي في أماسيِّ حَنَانِكِ الدَّافِئَاتِ وتمضينَ .. !؟ فإلى أيِّ صدرٍ سَأُسْنِدُ قلبي ..؟ وفي أيِّ حُضْنٍ سَأُنِيمُ طُفُولتي المؤجَّلَةَ .. ؟ وعلى أَيِّ سُلَّمٍ سيصعدُ الطِّفْلُ الذي يسكنُنِي إلى السَّمَاءِ البعيدَةِ كما كانَ يفعلُ كلَّ ليلَةٍ ..!؟ كيفَ سَأُسْقِطُ لَهُ هذهِ اللَّيْلةَ نجمَةً، وَأَأْسُرُ لهُ قَمَرًا، كيفَ سَأصطادُ لَهُ غيمَةً ضحوكًا وبرقًا .. وأجلبُ لَهُ صَوْتَ رعدٍ مثرثرٍ .. كيف سَأُحَدِّثُهُ عنِ الأميرةِ الجميلَةِ وهو مكتظٌّ بالحزنِ حتى آخرِ نبضَةٍ فيهِ، مأهولٌ بالوجعِ حتى أخمصِ سويدائِهِ!؟
الجنيَّةُ التي كنتِ تخوِّفينَ بها طفلَكِ المدلِّلَ الجميلَ اِخْتفَتْ .. ما عادت تَتَرَاءَى لَهُ في ثَنَايَا اللَّيْلِ .. صَارَتَ هيَ الأخرى تخشى بالوعَةَ الغِيَابِ فتتستَّرُ في النِّدَاءَاتِ العقيمَةِ .. وتنامُ في جرحٍ قديمٍ يفغرُ فاهُ على وجعٍ مؤبَّدٍ .. لم تعدُ تأبُهُ لنداءاتِ الحضُورِ .. أُحَاولُ أن أغريَهَا بِصُورتِكِ فلا تجيءُ .. الطِّفْلُ ذو الوجهِ الملائكيِّ الذي كُنْتِ تهدِّدِينَهُ في اليومِ ألفَ مرَّةٍ بحرمانهِ من حلوائكِ اللَّذيذَةِ، ثمَّ لا تستطيعينَ تنفيذَ تهديدٍ واحدٍ منها .. الطِّفْلُ الذي كنتِ تَضْعُفِينَ أمامَ صوتِهِ الرَّخِيمِ يستجدي بِهِ قلبَكِ الأُمِّيَّ، فَتَسْقُطِينَ أمامَ دُمُوعِهِ المصطنعَةِ وهي تستدني هَدَايَاكِ الثَّمِينَةَ، وتفتحُ – بهدوءٍ – محفظَتَكِ المستفزَّةَ على الدَّوَامِ فلا تُقْفَلُ أمامَهُ أبدًا .. إذْ كانت عيناهُ الجميلتانِ مفتاحًا لخزانتِكِ، ووجهُهُ الملائكيُّ كَلِمَةَ السِّرِّ لِدُخُولِ قلبِكِ، وَمَسْكَنَتُهُ الْوَاثِقَةُ طريقًا إلى رُوحِكِ الطَّيِّبَةِ، كما كانَ هو مفتاحًا لقلبِكِ الَّذي لا يُقْفَلُ؛ إِذ لم يكنْ لَهُ يومًا قُفْلٌ ..!
ذاكَ الطِّفلُ الذي كنتِ تُجيبينَ من يلومُكِ على الإِفْرَاطِ في تدليلِهِ بأن لا قلبَ يقوى على دُمُوعِ الملائكَةِ، ولا قَلْبَ يقدرُ على مقاومَةِ أَصْوَاتهِا الجميلةِ ..!!
ذاكَ الطِّفْلُ يستيقظُ الآنَ فيَّ فأبكيكِ بعينيهِ .. أُحَاوِلُ أنْ أجدَ عبرَ دموعِهِ سبيلًا إليكِ .. أن أجدَ إلى قلبِكِ مفتاحًا .. فهل ثمَّةَ سبيلٌ، وهل ثمَّة مفتاحٌ ..!؟
ها هو يُنْصِتُ لِوَشْوَشَاتِ قَلبِكِ الشَّفِيقِ .. لنبضَاتِهِ الحالِمَةِ بالحِبِّ والصَّبَاحِ والرَّبيعِ .. بشيءٍ بعيدٍ قريبٍ لكنَّهُ لا يجيءُ .. ها هو يدنو من قلبِكِ لكأنَّكِ عدْتِ من مثواكِ الأخيرِ تغرينَهُ بعسلِ الأمنيَاتِ .. تستدنينَ قَلبَهُ بكلماتِكِ الحلْوَى .. وبلمساتِكِ القصَائِدِ ..!

بالقلبِ لم يزلْ مقامُكِ شاغرًا وسيظلُّ .. فلا وجهَ يمكنُهُ أنْ يتقمَّصَ وجهَكِ .. ولا روحَ باستطاعتِهَا أنْ تحلَّ محلَّكِ، ومعَ هذا فوجهُكِ القمريُّ يُضِيءُ بغرفتِكِ المهجورَةِ التي تسيلُ وحشَةً على نفسِهَا .. وَتَبِيتُ دَامِعَةَ النَّوَافِذِ منتظرةً لمسَةَ يديكِ الحانيتينِ .. والمزهريَّاتُ تسكبُ عطرَهَا الزَّكِيَّ في الشَّارِعِ الكئيبِ أحلامًا موؤودةً، ثمَّ تنتحرُ منتحِبَةً على ناصيَةِ الانتظارِ العقيمِ .. فيما يرسمُ الصَّمْتُ البليدُ دوائرَ شَكٍّ غبيٍّ تُفْرِغُ القَلْبَ من موجاتِ فرحِهِ الذي كانَ ..

لكنَّكَ لن تعودي .. النَّوَارِسُ تبيعُ للعدمِ المأجورِ صوتَهَا .. الأزاهيرُ تؤجِّرُ بوحَها الصَّبَاحيَّ لظلامٍ ظلومٍ قبلَ أن تموتَ .. والنَّسَمَاتُ تَرْهُنُ نفسَها لصيفٍ جَلاَّدٍ .. حينما فرَّ الرَّبيعُ الصَّدُوقُ من أرضٍ لستِ بها .. والقمرُ الصَّدِيقُ الذي كانَ ينامُ تحتَ سِوَاركِ كلَّ ليلَةِ لم يَعُدْ يجيءُ .. والنُّجُومُ التي أدمَنَتِ الرَّقصَ مساءً على كتفيكِ ما عادتِ تُحْسِنُ الرَّقْصَ .. نَسِيَتْ على ناصيةِ الرَّحِيلَ مَلامَحَ وَجْهِهَا .. خَلَعَتْ فستانَ فرحِهَا وباعتْهُ للموتِ الجَسُورِ ..؟!

اللَّيْلُ فراغٌ قاهرٌ على افتقادٍ كارثيٍّ فيتوغَّلُ القلبُ في سُجُوفِ الدُّمُوعِ .. يتشظَّى بينَ ألفِ أمنيَّةٍ وألفِ وجعٍ فظيعٍ .. فإلى أينَ تمضينَ يا سيدتي .. إلى أينَ ..؟ والنَّوَارِسُ تخفي رؤؤسَهَا في رمادِ الفجيعَةِ .. تُهدي إلى العدمِ الرَّهِيبِ مَرَاسِمَ انتحَارِهَا .. فيما ترسمُ الشَّمْسُ المنتحرَةُ على الأفقِ البعيدِ وجهًا لليلٍ كالحٍ لا يُشْرِقُ وجهُكِ فيهِ ..!

المساءُ القبيحُ يغرسُ حرابَهُ المسمومَةَ في القلبِ .. والحزنُ الجموحُ يصهلُ في الأفقِ غارسًا رماحَ حقدِهِ في أعماقي .. وأنتِ تذهبينَ .. لا وجهَ لوجهي الآنَ .. لا هُوِيَّةَ لأصابعي إِذْ لم تتشذَّ بعطرِ يديكِ .. لا عطرَ لكلماتيِ إِذْ لم يباركْهَا قلبُكِ الشَّاسِعُ .. فمن سَيُطْعِمُ القلبَ كمَأَ الحكايا .. من سَيَسْقِيهِ عسلَ الفرحِ، ولبنَ الأمنياتِ .. من سَيَرُشُّ على حزني مطرًا يُبَارِكُهُ، من سَيَغْسِلُنِي من جحيمِ أخطائِي، ومن عذاباتي اشتياقي القتولِ.. ؟

بَاتَ اللَّيْلُ في قلبي يا سَيِّدَتي .. بَاتَ .. وَصُوتُكِ لم يزلْ يفتضُّ بكَّارَةَ الوجعِ في أعماقي .. يُلغي حقلًا منَ الدَّهْشَةِ كان منسربًا بداخلي .. يُدَشِّنُ مهرجانًا للقهرِ المؤبَّدِ .. يقترحُ على جراحي أَلَمًا مُغَايرًا .. يدسُّ في خافقي رجفةَ ذهولٍ .. وفي باصرتي دمعَةً حرَّى تليقُ بوجعٍ مكابرٍ .. وجعٍ سَافِرِ العينينِ يتعقَّبُني أينما ذهبْتُ .. يرصُدُ خطواتي .. يطبقُ على قلبي أينما حَلَلْتُ .. وجعٍ يتحسَّسُ قلبي كلَّ حينٍ ..

اللَّيْلُ أعمى يا سيِّدتي .. وقلبي أعمَتْهُ العتمَةُ العمياءُ العائمَةُ بأعماقي .. وحجبَ خبرُ الغِيَابِ الفَظِيعِ الضَّوْءَ عنهُ .. فهلْ ثمَّةَ نورٌ يتأبَّطُ قلبي إلى حيثُ وجهُكِ الفرحُ، وكلماتُكِ الأغنياتُ، وأصابعُكِ الحنانُ، وَحُضْنُكِ الدِّفْءُ والأحلامُ والأمنياتُ العذارى السَّوَافِرُ .. فردوسُكِ المفقودُ ..!؟
حانَ المساءُ فمن سَيُوْقِدُ لي شموعَ الحكايا .. من سَيُشْعِلُ لي مصابيحَ خرافاتٍ مثيرةٍ تُنِيمُ القلبَ في مَهْدِ الأحلامِ الدَّفِيئَةِ .. من سَيُدْفِئُنِي .. ويذيبُ ثلجَ أماسيِّ القاحلاتِ .. !؟

الحكايا نِثَارٌ هنَا .. شيءٌ من أوجاعِ الأمسِ .. واللَّيْلُ أغنيَةٌ ميِّتةٌ، والقلبُ قارَّةٌ مأهولةٌ بالوجعِ .. حقلُ سعيرٍ مزدحمٌ بالحرائقِ .. مكتظٌّ بالهزائمِ .. وَجِرَاحِي محيطُ دماءٍ .. ما عادَ لليلِ طعمُ الذِّكرياتِ .. ما عادَ للياليهِ رائحَةُ الحلمِ الجميلِ، ولا لضوئِهِ وَجْهُ الفرحِ .. فقدتِ اللَّحَظَاتُ الخصيبَةُ وجهَهَا .. ثَكَلَتِ الفرحَةُ أبناءَهَا .. والذِّكْرَيَاتُ العَاقَّةُ تحرثُ القلبَ بمحاريثِ الوجعِ والفقدِ والأسى ..!

قارَّةٌ مأهولةٌ بالوجعِ قلبي .. والأحزانُ تُدَاهِمُ القلبَ كمحتلٍّ جبَّارٍ، والهمومُ تَتَقَاطَرُ على قلبي كجحافلِ ليلٍ بهيمٍ .. حُشُودًا من حزنٍ معتَّقٍ .. واللَّيْلُ مُوْحِشٌ بعدَكِ يا جدَّتي .. موحشٌ حَدَّ البشاعَةِ .. مرعبٌ غيابُكِ .. فانتبهي لمؤامراتِ اللَّيْلِ على قلبينا ليلًا ..

قارَّةٌ مأهولةٌ بالوجعِ قلبي .. فلماذا صَمَتَتِ النَّوَارِسُ عنِ الْغِنَاءِ .. لماذا توقَّفُ قلبُكِ عنِ الرَّقْصِ .. لماذا تبخَّرَتْ حكاياتُكِ القصائدُ التي كنْتِ تُؤَثِّثينَ بِها ليلَ قلبي .. تنطرحُ الآنَ باكيَةً بعينينِ من وَجَعٍ .. تسيلُ على حَدِّ الغِيَابِ قطيعَ ذكرياتٍ مذبوحٍ، وتنسربُ في موعدِ النِّسْيَانِ نهرًا يتشظَّى على شِفَاهِ النُّضُوبِ .. صَدًى لأغنيَةٍ ميِّتَةٍ ظلَّت تخفقُ في المدى الغَسَقِيِّ مثلَ حلمُ، وانطفأتْ مثلَ شَمْعَةٍ ..!؟

أراكِ الآنَ تبتسمينَ وفي عينيكِ المطفأتينِ ثمَّةَ شعاعٌ ضحوكٌ لا ينامُ .. فأوِّلي لي هذا السَّنَا الأبديَّ فَأَنتِ تحسنينَ قراءةَ النُّورِ .. تجيدينَ ترجمَةَ العطرِ .. وتهجِّي قصائدَ الفرحِ .. تحفظينَ قاموسَ المحبَّةِ عن ظهرِ حُبِّ .. عن قلبِ حُبٍّ .. ففي قلبِكِ المضيءِ ـ كشمسِ ضحًى ربيعيٍّ ـ طريقٌ مقمرٌ .. فهلْ وَقَّعْتِ عَقْدًا مَعَ الملائكَةِ لتهديَ قلبَكِ إلى الجنَّةِ ..؟
دعواتُكِ الصَّادِقَاتُ مِعْرَاجٌ إلى جنَّاتِ اللهِ الموعودَةِ بها قلوبُنَا .. فاللهُ كانَ دومًا رَبًّا للبسطاءِ الطِّيِّبينِ الصَّادِقِينِ، ها أنتِ تُشْرِعينَ قلبَكِ على الجنَّةِ .. تُشْهِرِينَ في وجهِ الحيَاةِ الغادرَةِ التي سَلَبَتْكِ كلَّ شيء إلاَّ ظنَّكِ العفويَّ باللهِ .. بجنتِهِ التي أعدَّها لأمثالِكِ .. برحمتِهِ التي تَتَّسِعُ لكُلِّ الخلقِ حتى العُصَاةِ .. تشرعينَ على مدى قلبِكِ .. باتِّسِاعِ ظَنِّكِ باللهِ يَدينِ من صِدْقٍ وَضَرَاعَةٍ .. فَأَشْعُرُ أنَّ الجنَّةَ تهبطُ إليكِ .. تهطلُ في يديكِ المتوضِّئَتَينِ طُهْرًا ويقينًا وطيبَةً .. فهل سَتَرُشِّينَ على وجهِ طفلِكِ شيئًا من دُعَائِكِ الذي لا يُرَدُّ، لعلَّ اللهَ يَبَرُّ قَسَمَكِ إن أقسمْتِ عليهِ أن يُنْجِحَ طِفْلَكِ المتأَبِّطَ حقيبةَ كتبٍ تنوءُ بها سنواتُهُ الْعَشْرُ الغَضَّةُ، وينحني لها ظهرُهُ الصَّغيرُ، وتئنُّ بِهَا طفولَتُهُ الغريرَةُ، قبل أن يرتمي في حُضنِكِ باكيًا مُفَتِّشًا عمَّا تخبِّئينَ في حِجْرِكِ من حلوى وفاكهةٍ وشوكلاته، قبلَ أنْ يسرحَ معَ عطرِكِ سابحًا إلى الجنَّةِ، فلا يصحو إلاَّ على دِفْءِ أصابِعِكِ تُزِيلُ عنْهُ عناءَ يومٍ دراسيٍّ ثقيلٍ، وَتُبَارِكُ طفولَتَهُ اللَّيِّنَةَ وزغبَهُ وشغبَهُ وأحلامَهُ، وطموحاتِهِ الَّتي لا حدَّ لها، تتحسَّسُ موَاطِنَ الوجعِ في جسدِ الصَّغيرِ التَّعِبِ الْمُرْهَقِ، ثمَّ تُرسِلُهُ إلى أحضانِ أحلامٍ لا تُعَادُ ..!؟ فأينَ ذهبتِ ..!؟ أينَ ..!؟ ولماذا جاءَ ذاكَ المسَاءُ كئيبًا .. لماذا لم يُغَادِرْنِي سوادُهُ .. لماذا استوطنَ قلبي بجوارِ وجهِكِ .. في زاويَةِ الحزنِ المقيمِ .. ؟! ولماذا غَطَّتِ الشَّمْسُ وجهَهَا بغيمةٍ مُتَجَهِّمَةٍ .. لماذا فَقَدَتِ الْعَصَافيرُ أصواتَهَا فيهِ .. لماذا ضَنَّتِ الأَزَاهيرُ بشذاهَا .. وتوقَّفَ المطرُ عن عَزْفهِ الشَّجيِّ الطَّروبِ .. لمَ تصلَّبَتْ عروقُ الحيَاةِ .. شهقَتْ شهقَةَ الموتِ قبلَ أَنْ تجرِّبيْهَا .. !!

ذهبتِ إذن .. انتهى كلُّ شيءٍ .. بوجِهِكِ الذي يغترفُ الفرحُ منهُ عطرَهُ
.. وتنهلُ الشَّمْسُ مِنْهُ ضِيَاءَهَا .. بيديكِ الحانيتينِ الآسيتينِ اللَّتَينِ لا تُخْطِئَانِ وجعي .. بقلبِكِ القادِرِ على احتواءِ عالمٍ بأكملِهِ .. بعطفِكِ الكفيلِ باستيعابِ كُلِّ ما في الكونِ من مآسٍ .. بعينيكِ اللَّتَينِ تجمعَانِ فيهما نورًا حقيقيًّا .. عينيكِ اللَّتينِ تترجمانِ وجعي فرحًا .. تُعَرِّبَانِ أحزاني المطلسَمَةَ لِيَسْهُلَ على قلبي غناءَهَا ..

هكذا رحلتِ دونَ وعدٍ بلقاءٍ .. دونَ أن تنتهي الحكاياتُ الآسرةُ الحميمَةُ دونَ يَشْفَى حزنيَ المزمنُ .. دونَ أن يكبرَ طفلُكِ الأربعينيُّ .. دون أنَ يُفْطَمَ عن حُبِّكِ، دونَ أن تتوقَّفِي عن تدليلِهِ .. دون أن تتوبَ يدُكِ الحانِيَةٌ الآسيةُ عن تلمُّسِ شعرِهِ الفوضوِيِّ آخرَ اللَّيْلِ، وتحجمَ عن سَحْبِ الْغِطَاءِ على قدميْهِ المتمرِّدتينِ .. لا زلت أحبو على شِغَافِ قلبِكِ متلمِّسًا دفئًا هناكِ وحلمًا وبعضَ أمنياتٍ عذابٍ ..

والعمرُ كهفٌ مهجورٌ خَرِبٌ .. والحيَاةُ غاباتُ جراحٍ وجمرٍ .. واللَّيْلُ أُغْنيَةٌ ميِّتةٌ، والقلبُ قارَّةٌ مَأْهُولَةٌ بالوجعِ، وأنتِ وجهٌ يمنحُ الحيَاةَ نورَهَا؛ ألقَهَا وبهاءَهَا .. فلما ذَهَبْتِ ..!؟ فلم يزلْ في القلبِ مُتَّسَعٌ لِلْحُبِّ .. لم يزلْ في مدائنِ الشَّوقِ احتمَالٌ للولَهِ .. لم يزلْ في العمرِ بَرَاحٌ للحلمِ، فلماذا يفعلُ الموتُ بنا ما لا نطيقُ .. لماذا ..!

_________________________________________

كنت قد كتبت هذه المقالة حينَ توفِّيت جدَّتي، رحمها الله، وحين ذكَّرني أبنائي اليوم بالذكرى الأولى لوفاة جدَّتهم رحمها الله، فرأيت أن أعيدَ نشرها ..

مقالات ذات علاقة

ببساطة

عائشة الأصفر

هو

علياء الفيتوري

أنا أريد..!!

سليمان زيدان

اترك تعليق